Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تجاهلت إسرائيل قرارات بيروت حول حصرية السلاح؟

بيان حكومة نواف سلام هو خطاب حسن نية خارجي، لكن تل أبيب تراه خطاباً بلا مخالب على الأرض، ولن تفرط بأدوات الضغط التي تمتلكها

أقرت حكومة نواف سلام حصرية السلاح بيد الدولة جنوب الليطاني وشماله بما يشمل "حزب الله" (أ ف ب )

ملخص

تدرك إسرائيل أن مرور الوقت غالباً يخدمها أكثر مما يضرها في هذا النوع من الملفات. فهي تمسك فعلياً بالنقاط الخمس على الأرض، ولا تواجه ضغطاً عسكرياً مباشراً يجبرها على المغادرة. طالما الوضع الميداني هادئ نسبياً، تستطيع إدارة الملف عبر التأجيل البناء، والبقاء حيث هي، وربط أية خطوة مستقبلية بمؤشرات أمنية مشددة، وهي مؤشرات تعلم أن تحقيقها في الجنوب اللبناني معقد وبطيء بسبب واقع "حزب الله" والجيش اللبناني والبيئة الاجتماعية هناك.

بات واضحاً أن قرار الحكومة اللبنانية بحصر السلاح بيد الدولة قبل نهاية هذا العام، ليس خطوة تقنية على صعيد الأمن الداخلي، بل هو إعلان مواجهة هادئة مع التوازن الذي حكم لبنان منذ عام 2006، وللمرة الأولى منذ حرب يوليو (تموز) من ذلك العام، يوضع "حزب الله" ضمن إطار قرار رسمي يطاول صميم معادلته العسكرية، أي احتكار قرار الحرب والسلم، وامتلاك البنية التسليحية المستقلة عن الدولة.

هذا القرار، وإن صيغ بلغة مؤسساتية ودستورية، يحمل في جوهره دلالتين خطرتين بالنسبة إلى "حزب الله"، الأولى تغيير قواعد الاشتباك الداخلية، بحيث لم يعد النقاش يدور في دوائر ضيقة أو تفاهمات غير مكتوبة، بل انتقل إلى نص حكومي معلن يطالب الجيش بوضع خطة تفصيلية لمصادرة أو دمج السلاح خارج الدولة، وثانياً تحويل الجيش اللبناني من شريك ضمني في إدارة الأمن الجنوبي إلى طرف مكلف قانونياً بمراقبة وضبط قوة الحزب، مما يعني أن أي تقاعس سيصبح مادة ضغط خارجية على المؤسسة العسكرية، وأي تحرك فعلي سيفسر داخل بيئة الحزب كمواجهة.

بالنسبة إلى "حزب الله، فإن هذا التطور، يضعه أمام خيارين أحلاهما مر. أو القبول بالمسار التدريجي على أمل فرملته من الداخل عبر تحالفاته داخل الحكومة، مع محاولة إعادة صياغة القرار ليصبح أقرب إلى "تنظيم السلاح" لا نزعه. أو رفض المسار علناً، وهذا ما شهدته الساحة اللبنانية من خلال المواقف المعلنة من قيادي في الحزب، إذ أعلن رئيس كتلة الحزب النيابية النائب محمد رعد، وهو بالمناسبة، عضو "شورى القرار" في الحزب، "أن ما قامت به الحكومة في شأن السلاح، لا يخدم إلا العدو، وأنه خطيئة كان يجب على الحكومة العودة عنها". وتابع "أن ما جرى شكل ضربة لعهد الرئيس جوزاف عون"، معتبراً أن من اتخذ القرار إنما فعل ذلك استجابة لضغوط الولايات المتحدة وأطراف إقليمية.


وفي رده على سؤال مباشر حول موقف الحزب النهائي من ملف السلاح، قال بلغة "تهديدية"، "الموت ولا تسليم السلاح"، إضافة إلى مسيرات الدراجات النارية التي قام مناصرو الحزب في مناطق لبنانية عدة، ما يفتح الباب أمام توتر سياسي وربما أمني مع الجيش.

الخطورة الحقيقية للحزب ليست في القدرة الميدانية للجيش على نزع سلاحه، فهذا غير واقعي في المدى القصير، بل في إضفاء الشرعية السياسية-الدولية على مطلب نزع السلاح، وجعل المؤسسة العسكرية نفسها هي الجهة المكلفة تنفيذه، مما يضع "حزب الله" أمام خصم داخلي رسمي، لا أمام خصوم خارجيين فحسب، ويحول الخلاف حول سلاحه من سجال وطني إلى مهمة محكومة بجدول زمني، وهو أمر يصعب التراجع عنه من دون كلفة سياسية عالية.

حجة "حزب الله" عدم التزام إسرائيل

ومن منظور الحزب، أن الورقة الأميركية التي تربط بين الانسحاب الإسرائيلي من النقاط المحتلة جنوب لبنان، وبين ضبط الوضع الأمني على طول الخط الأزرق، هي أساساً آلية لخدمة أمن إسرائيل قبل أن تكون خطوة لحماية السيادة اللبنانية. فالحزب يرى أن هذه الورقة صيغت بمنطق "الأمن مقابل الأمن"، أي إن بيروت تقدم ضمانات فعلية في الميدان، كانتشار الجيش، وتقليص نشاط الحزب، ومراقبة الحدود، بينما تحتفظ إسرائيل في حق المماطلة في الانسحاب أو ربطه بشروط إضافية.

وعندما تتصرف إسرائيل بعدم التزام، سواء بالإبقاء على النقاط الخمس أو تكثيف الغارات داخل العمق اللبناني، فإن الحزب يقرأ ذلك كدليل على أن تل أبيب لا تنوي أصلاً تنفيذ الشق المتعلق بها من الخطة، وأن الهدف الأميركي- الإسرائيلي هو تجريده من أوراق القوة تدريجاً، مع الاحتفاظ لنفسها بمرونة التحرك العسكري متى شاءت.

في هذا السياق، تعد الغارات داخل لبنان، في نظر الحزب خرقاً مزدوجاً، خرق لوقف إطلاق النار أو لأي تفاهمات قائمة، مما يفقد الورقة الأميركية قيمتها القانونية والأخلاقية. كما وإهانة سياسية تهدف لإظهار أن الجيش اللبناني، حتى بعد تكليفه رسمياً بحصر السلاح، غير قادر على منع انتهاك السيادة.

بالتالي، يترجم "حزب الله" هذا الواقع إلى معادلة مضادة، ما دامت إسرائيل لا تنفذ التزاماتها ولا توقف خروقاتها، فلا مبرر لتعليق عمله جنوباً أو تعديل تموضعه. بل قد يستخدم الحزب هذه الانتهاكات كأداة تعبئة داخلية لتبرير استمرار السلاح ورفض الجدول الزمني الحكومي، باعتبار أن الأمن الوطني اللبناني لا يمكن رهنه بتعهدات إسرائيلية أو أوراق تفاهم غير مضمونة التنفيذ.

في العمق، يتعامل الحزب مع المسألة باعتبارها اختباراً للنيات، إذا لم تجبر إسرائيل على الالتزام الآن، وهو في موقع "قوة نسبية"، فلن تلتزم لاحقاً عندما تكون الظروف أقل ملاءمة له. لذلك، سيبقي على جاهزيته الميدانية ويستثمر كل خرق إسرائيلي لتعزيز شرعية هذا الخيار أمام جمهوره وأمام الرأي العام اللبناني.


إسرائيل لا ترى في البيان الوزاري اللبناني خطة قابلة للتنفيذ

وعلى الجهة الأخرى من الحدود، كان واضحاً عدم صدور أي تعليق إسرائيلي بخصوص بيان الحكومة اللبنانية الذي أكد المضي بحصرية السلاح جنوب الليطاني وشماله، لكن هذا الصمت الإسرائيلي ليس غياب موقف، بل هو موقف في حد ذاته.

في العادة، تميل تل أبيب إلى التعليق على التطورات اللبنانية التي تمس أمنها، لكن في هذه الحال اختارت استراتيجية التجاهل العلني لثلاثة أسباب رئيسة، ربما، تفادي إعطاء البيان وزناً سياسياً ودولياً، وأي رد مباشر من إسرائيل كان سيحول النص الحكومي اللبناني إلى حدث إقليمي، وربما يمنحه شرعية كوثيقة مواجهة مع "الاحتلال" في نظر الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي. وبتجاهله، تحاول إسرائيل إبقاء البيان في إطار الجدل الداخلي اللبناني، لا كملف نزاع رسمي جديد على الطاولة الدولية.

أيضاً هي تحتفظ بهامش مناورة تفاوضي، فتل أبيب تدرك أن أي رد علني سيربطها سياسياً بموعد أو التزام، أو سيضعها في خانة الرفض القاطع الذي قد يستخدم ضدها لاحقاً في أي وساطة. من هنا، فإن الصمت يمنحها حرية التصرف لاحقاً وفق تطورات الميدان والمفاوضات، من دون أن تحاسب على تصريحات سابقة.

كما أنها توجه رسالة، بعدم الجدية تجاه الجدول الزمني اللبناني، وتجاهل البيان يعني، ضمنياً، أن إسرائيل لا ترى فيه خطة قابلة للتنفيذ، وأنها تعده أقرب إلى إعلان نيات سياسي من كونه مساراً عملياً يفرض عليها التفاعل.

إذاً هذا الصمت ليس فراغاً إعلامياً، بل هو تكتيك يبقي إسرائيل في موقع المراقب المتحكم بالإيقاع، بينما تترك لبنان يتخبط في تنفيذ بند حصر السلاح داخلياً، من دون أن تمنحه هدية سياسية مجانية برد رسمي يمكن أن يوظفه دبلوماسياً ضدها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إسرائيل لن تنسحب من الجنوبين السوري واللبناني

في السياق أكد تقرير إسرائيلي نشره معهد "ألما" المتخصص في دراسة التحديات الأمنية على الحدود الشمالية لإسرائيل، أن "حاجات إسرائيل الأمنية في شمالي البلاد، لا تسمح بالانسحاب من لبنان و​سوريا"، مشدداً على أن "بقاء المواقع العسكرية الإسرائيلية في سوريا موقف أمني ضروري وطويل الأمد". وأشار إلى أن "بقاء المواقع العسكرية الإسرائيلية في جنوبي سوريا ليس ورقة تفاوضية موقتة، بل يمثل موقفاً أمنياً طويل الأمد تفرضه معطيات ميدانية وسياسية معقدة". وعد التقرير الإسرائيلي، أن "الحكومة السورية الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، تسعى إلى إعادة فرض سيادة الدولة المركزية على كامل الأراضي السورية"، وأن "هذا الهدف يتعارض بشكل مباشر مع المطالب الأمنية الإسرائيلية بإقامة منطقة عازلة موسعة منزوعة السلاح جنوبي سوريا، تشمل الأراضي الواقعة جنوب العاصمة دمشق، إذ إن كلاً من حزب الله ونظام الشرع لا ينويان الوفاء بالشروط الإسرائيلية للانسحاب من الجبهتين الشماليتين". وذكر تقرير "ألما" أن "هذه المطالب الإسرائيلية تعززت بعدما ضم الجيش السوري الجديد فصائل مسلحة تضم "مقاتلين جهاديين سابقين"، نفذوا انتهاكات في الساحل السوري وفي محافظة السويداء، في مارس (آذار) ويوليو الماضيين.

وشدد التقرير على أن "تمركز الجيش الإسرائيلي في خمسة مواقع جنوبي لبنان وتسعة مواقع داخل الأراضي السورية، ضمن خط فصل القوات لعام 1974، يعكس سياسة دفاعية دائمة فرضتها "حقيقة دبلوماسية غير قابلة للحل". هذا الاستنتاج يكتسب أهمية إضافية في ضوء العقيدة الأمنية الجديدة لإسرائيل، التي تؤكد هدف إزالة قدرات العدو كأولوية قصوى، وتستبعد نهج الاحتواء أو ضبط النفس أو شراء الهدوء. ووثيقة "ألما" ليست وثيقة سياسة رسمية لكنها تعكس اتجاهاً قوياً داخل مؤسسة الأمن الإسرائيلية حالياً، الأمن أولاً، ثم السياسة، وتعرض طرحاً أمنياً صرفاً، أي البقاء في لبنان وسوريا لأن الانسحاب يضعف "حاجات الردع" شمالاً. علماً أنه وفي مارس الماضي صرح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن الجيش سيبقى إلى أجل غير مسمى في خمسة مواقع استراتيجية بجنوب لبنان.

النقاط الخمس صمامات الأمان الإسرائيلية

وفقاً لتلك المعطيات، تحول ملف النقاط الخمس التي تحتفظ بها إسرائيل جنوب لبنان إلى أكثر من مجرد مسألة حدودية، وأصبح مرآة للصراع بين خطاب السيادة اللبناني وحسابات الأمن الإسرائيلي. فالورقة اللبنانية تطرح هدفاً طموحاً، حصر السلاح بيد الدولة بحلول نهاية 2025، وإقفال ملف الاحتلال الإسرائيلي المتبقي، وكأنها محاولة لتقديم التزامات واضحة للمجتمع الدولي مقابل دعم سياسي واقتصادي. لكن في المقابل، تنظر إسرائيل إلى هذه النقاط ليس كأراض صغيرة على الخريطة يمكن التخلي عنها بسهولة، بل كـ"صمامات أمان" تمنحها عمقاً دفاعياً وتردع أي اقتراب غير مرغوب من "حزب الله"، وسط قناعة راسخة لديها بأن وعود الورق في بيروت لا توازي وقائع الأرض.

هذا التباين بين من يرى الانسحاب "حقاً سيادياً" ومن يعد البقاء "ضرورة أمنية" يضع الملف على مسار تفاوضي طويل، إذ لا يكفي البيان السياسي ولا التصريحات العسكرية لحسمه، بل يحتاج إلى مزيج من الضمانات الميدانية، والمكاسب المتبادلة، ورواية خروج تحفظ ماء الوجه لكل طرف.


الزمن كورقة في يد إسرائيل

تدرك إسرائيل أن مرور الوقت غالباً يخدمها أكثر مما يضرها في هذا النوع من الملفات. فهي تمسك فعلياً بالنقاط الخمس على الأرض، ولا تواجه ضغطاً عسكرياً مباشراً يجبرها على المغادرة. طالما الوضع الميداني هادئ نسبياً، تستطيع تل أبيب إدارة الملف بمنطق، عبر التأجيل البناء، والبقاء حيث هي، وربط أي خطوة مستقبلية بمؤشرات أمنية مشددة، وهي مؤشرات تعلم أن تحقيقها في الجنوب اللبناني معقد وبطيء بسبب واقع "حزب الله" والجيش اللبناني والبيئة الاجتماعية هناك.

وبذلك يمنحها هذا الوقت فرصة لترسيخ أمر واقع، وتطبيع فكرة أن وجودها في هذه النقاط ليس استثناء، بل جزء من المعادلة الأمنية المستدامة.

على الطرف الآخر، يشكل الوقت عبئاً على الدولة اللبنانية، لأن استمرار الاحتلال ولو في مساحات صغيرة يضعف خطاب السيادة ويستخدم داخلياً كدليل على محدودية فاعلية الدولة. كما أن أي تأخير في تنفيذ خطة حصر السلاح يفتح الباب لخصوم بيروت الخارجيين للتشكيك في نياتها وقدرتها، ويمنح إسرائيل حجة للاستمرار في البقاء.

فلبنان هنا يواجه معادلة معقدة، يحتاج إلى وقت لتوحيد الصف الداخلي وتنفيذ إصلاحات أمنية، لكنه في الوقت نفسه يدفع ثمن كل شهر إضافي من التباطؤ على صعيد الموقف الدولي وصورة الدولة.

هل ستنسحب إسرائيل من النقاط الخمس قريباً؟

إذا بقي الوضع الميداني منخفض التوتر، تكون إسرائيل هي المستفيدة مباشرة من المماطلة، لأنها تفرض الإيقاع وتبقي الملف تحت سيطرتها. أما إذا استطاعت بيروت تحويل الوقت إلى أداة إثبات جدية، عبر خطوات أمنية متتالية وموثقة، فإن عامل الزمن يمكن أن ينقلب ليصبح ضغطاً على تل أبيب، بخاصة إذا ترافق مع تعبئة دبلوماسية نشطة تجعل البقاء الإسرائيلي أكثر كلفة سياسياً. ولكن احتمال الانسحاب يبقى ضعيفاً قبل تبلور مقايضة واضحة على الأرض، تتضمن في الأقل تقدماً ملموساً في حصر السلاح جنوب الليطاني وشماله وانتشار فعلي للجيش اللبناني، وآليات تحقق ورقابة جدية من قبل قوات حفظ السلام "يونيفيل"، كما وضمانات أميركية-أوروبية، وربما ترتيبات "منطقة أمنية" موقتة تحاكى بسقوف زمنية واضحة.

أما السيناريو المرجح، وبحسب مطلعين، بقاء الوضع كما هو عليه، على المدى القصير أي ما بين ستة و12 شهراً، مع تحريك الملف في المفاوضات كجزء من أي صفقة أشمل.

وعلى المدى البعيد، فإن انسحاب القوات الإسرائيلية بصورة كاملة من الجنوب أو الجولان يتطلب تغيراً استراتيجياً في التوازن مع "حزب الله" وإيران، وهو حالياً غير منظور.

في المحصلة، تتعامل إسرائيل مع النقاط الخمس كرهينة أمنية أكثر من كونها منطقة محتلة عابرة، ولن تنسحب منها إلا إذا تحولت إلى ورقة مربحة في مفاوضات أكبر تضمن لها ما هو أهم، كضبط نشاط "حزب الله" جنوب الليطاني، وحرمان إيران من التمركز على الجبهة السورية، وشرعنة أي انسحاب بمكاسب سياسية أمام جمهورها الداخلي.

بمعنى آخر، بيان الحكومة اللبنانية هو خطاب حسن نية خارجي، لكن إسرائيل تراه خطاباً بلا مخالب على الأرض، ولن تفرط بأدوات الضغط قبل أن ترى تحولاً حقيقياً في الميدان.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل