ملخص
أتى خطاب قائد التنظيم، الذي أطل بطريقة تشبه إلى حد كبير إطلالات أبو عبيدة الناطق الرسمي للمقاومة الإسلامية في غزة، بعد مضي أشهر على إعلان تأسيس الجبهة، وجاءت كلمته عبر تسجيل مصور أطل به خلال الأول من أغسطس الجاري وهو تاريخ يربطه مراقبون بذكرى عيد الجيش العربي السوري في عهد النظام السابق، وهي الذكرى الـ80 لتأسيس الجيش.
تتسع دائرة النار في جنوب سوريا خلال وقت تعيش مدينة السويداء حصاراً خانقاً بعد معارك عنيفة وقعت أخيراً بين قوات الأمن العام وفصائل محلية، لم تتوقف على إثرها التهديدات الإسرائيلية مصحوبة بالتوغل داخل الأراضي السورية الحدودية، ووسط فوضى عارمة وعدم استقرار، ظهر تنظيم مسلح جديد أطلق على نفسه "الجبهة الإسلامية للمقاومة" (أولي البأس) زاعماً وقوفه ضد مطامع إسرائيل.
التنظيم الوليد حديثاً يكتنفه الغموض والسرية، لكنه بدا واضحاً منذ انطلاقته اقترابه من الخط الإيراني. وأعلن خلال الفترة القصيرة منذ تأسيسه عن سلسلة من الاشتباكات بغية صد القوات الإسرائيلية، في حين يعد متخصصون في الشأن السوري هذه الاشتباكات لا تتعدى "تسجيل حضور" علني، فهي لا ترقى حتى لتكون مناوشات وليست عملية عسكرية مكتملة.
وظهر "أولي البأس" بعد انهيار النظام السابق بشهر تقريباً حاملاً اسم "جبهة تحرير الجنوب"، وأصدرت المجموعة بيانها الأول الذي أنذرت فيه القوات الإسرائيلية المتوغلة بالانسحاب من الجنوب السوري خلال مدة 48 ساعة وفي حال عدم رضوخها فعليها المواجهة العسكرية، لكن خلال الـ11 من يناير (كانون الثاني) الماضي تغير الاسم، وبات يعرف بجبهة المقاومة الإسلامية في سوريا.
التعبئة في الجنوب
في الأثناء وبعد مرور أشهر من تأسيس الفصيل المسلح أطل القائد العام لتنظيم "أولي البأس"، رضا الحسين بصورة علنية وأعلن خلال وقت سابق عن إطلاق نداء التعبئة موجهاً خطابه إلى المجاهدين والأحرار وضباط الجيش السوري وعناصره، وذلك لمواجهة ما وصفه بـ"قوى الاحتلال المختلفة".
وأتى خطاب قائد التنظيم الذي أطل بطريقة تشبه إلى حد كبير إطلالات أبو عبيدة الناطق الرسمي للمقاومة الإسلامية في غزة، ملثماً من دون أن يكشف عن هويته الحقيقية، في أول ظهور علني بعد مضي أشهر على إعلان تأسيس الجبهة، وجاءت كلمته عبر تسجيل مصور أطل به خلال الأول من أغسطس (آب) الجاري وهو تاريخ يربطه مراقبون بذكرى عيد الجيش العربي السوري في عهد النظام السابق، وهي الذكرى الـ80 لتأسيس الجيش.
في المقابل، تواصل تل أبيب تدخلها في الشأن السوري سواء بملف الدروز في السويداء، أو بالتوغل بقرى درعا والقنيطرة، كان آخرها يوم أمس السبت، إذ أفاد شهود عيان بنصب عناصر الجيش الإسرائيلي لحواجز تفتيش في قرى القنيطرة بعد دخول 10 آليات دفع رباعي تقل جنوداً إلى تل أحمر باتجاه طريق بريقة-كودنة، ورتل آخر باتجاه قرية رويحينة، بينما تعرضت قافلة مساعدات تتبع لمنظمة الهلال الأحمر العربي السوري لإطلاق نار مباشر.
وخلال الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024 بعد سقوط نظام بشار الأسد توغلت إسرائيل في الجنوب، وكثفت من الغارات الجوية التي استهدفت ما نسبته 80 في المئة من القدرات الاستراتيجية العسكرية للجيش السوري، وأتت الغارات على أبرز المقار المقاتلة.
ولعل التوغل الحاصل أفضى إلى انهيار اتفاق فصل القوات أو ما يسمى (فض الاشتباك) الموقع بين البلدين برعاية أممية خلال الـ31 من مايو (أيار) 1974، بعد انتهاء حرب السادس من أكتوبر (تشرين الأول) 1973، إذ استعاد خلالها الجيش السوري محافظة القنيطرة التي تعد جزءاً من هضبة الجولان التي احتلها الجيش الإسرائيلي خلال حرب 1967، أو ما تسمى نكسة يونيو (حزيران).
القوة على الأرض
ومع ذلك يقارن مراقبون أسلوب تجهيز "أولي البأس" بطريقة عمل "طوفان الأقصى"، والتي تتماشى مع عقيدة المقاومة جنوب لبنان وتعتمد على السرية المطلقة في العمل والتنظيم عبر اختيار شبكة من المواقع المحصنة والعمليات الخاطفة، إذ يكتسب العدد المحدد والصغير مرونة أكبر في العمليات التكتيكية واتباع أسلوب التخفي.
يقول العميد والمتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية أحمد حمادة لـ"اندبندنت عربية" إن "تلك المجموعة ليس لها مستقبل في الجنوب السوري، لأن الناس علموا أن البروباغندا الإيرانية والمجموعات المتصلة بها كاذبة ولا يهمها تحريراً أو مقاومة، ولا يتعدى الأمر مجرد استفادة إعلامية من التنظيم، على رغم أن الوثائق تدل على أن ’أولي البأس‘ لم تعمل على عملية نوعية إلى الآن ولا يوجد تصوير واقعي وحقيقي قامت به هذه المجموعات في مقاومتها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويتوقع العميد حمادة تبعية التنظيم لإيران من خلال الشعارات التي يطلقها، وهي ضمن استراتيجية إيران و"حزب الله" والشعارات والتحالفات مع درع الساحل، وتشابه أسلوب المقاومة الذي لا يختلف عن "حزب الله" وتنظيمات أخرى مشابهة مثل (فاطميون وزينبيون).
يحذر حمادة من أن "سياسة تل أبيب العدوانية في سوريا قد تغري بعض الشبان للاندماج مع هذه المجموعة، التي إذا كانت حقيقية وموجودة ستعمل على استغلال حاجة الناس، واستغلال ما يسمى المقاومة والممانعة والشعارات التي تصدرها إيران والحرس الثوري".
في المقابل، نقلت مجلة "نيويورك" الأميركية عن الجبهة نفيها المطلق لارتباطها مع أي محور، واكتفى قادة التنظيم بتأكيد كون "أولي البأس"، "تتصدى لإسرائيل ومحور الشر الأميركي، وأنها ضد مختلف الاحتلالات بما فيه الإسرائيلي والتركي".
من الشمال إلى الجنوب
في غضون ذلك أعلنت جبهة المقاومة الإسلامية عبر القائد العام رضا الحسين الملقب أبو جهاد عن شراكة مع الجبهة الشعبية لتحرير لواء إسكندرون، بقيادة الأمين العام للجبهة علي كيالي المعروف باسم "معراج أورال"، وهذه الشراكة من شأنها الانتقال إلى إطلاق مرحلة جديدة من التنسيق بين الطرفين وفتح النار بتوقيت واحد داخل الشمال والجنوب السوري.
وعدت القيادتان أن هذه المرحلة ليست مجرد تنسيق ميداني، بل وحدة مصيرية تتجاوز الحسابات المحلية والإقليمية، وجاء ضمن بيان مشترك "نهدف إلى تشكيل جبهة صلبة لا تخترقها المؤامرات ولا تفتتها التهديدات".
وعلى رغم عدم تسجيل عمليات عسكرية نوعية ضد القوات الإسرائيلية، فإن التنظيم نعى أربعة من مقاتليه أثناء اشتباكات بينهم وقوة من الجيش الإسرائيلي، وأهالي بلدة كويا في ريف درعا.
ولفت النظر الناشط الحقوقي والسياسي أحمد الحوراني ضمن حديث خاص إلى أن "أولي البأس" لم تنجح إلى اليوم، وبعد مرور أكثر من ثمانية أشهر على ولادتها، بالتأثير في الشارع السوري أو استقطابه، فلا عمليات جديدة ومتجددة على الأرض، ولا حتى أي فعل يترك تأثيراً أو تغييراً".
وأضاف "مهما نفى التنظيم علاقته وارتباطه بالحرس الثوري أو ’حزب الله‘ فإن الشكل، كالشعار والمضمون، يؤكد هذه التبعية لا سيما أن معظم التابعين له من الجيش السوري السابق".
ويعتقد الناشط الحوراني أن "الإعلان المتكرر للعمليات ناحية دعائية هدفها إيصال رسالة عن حضور أولي البأس، وورقة سياسية بيد إيران، وليس مستبعداً أن ينفذ التنظيم عمليات واسعة النطاق لقلب هذا المفهوم عنه بأنه تنظيم مسلح شبحي لا وجود له، لإحراج الدولة السورية من جهة، ولكسب الشارع المستاء من التوغل الحاصل على حدوده".
في هذا الوقت تتمسك حكومة دمشق بموقفها اتجاه الجوار، ولم تعلن موقفها حيال التنظيم المقاوم "أولي البأس" وكأنها "لا تراه"، وسط أحاديث تدور عن سلام تاريخي بين دمشق وتل أبيب برعاية أميركية يسبقها ترتيب البيت الداخلي السوري.