ملخص
كانت رواية "زوج من العيون الزرق" ثالث رواية تنشر للكاتب الإنجليزي توماس هاردي، لكنها الأولى لم تنشر غفلة من توقيع الكاتب، الذي عرفها بكونها ضمن "رواياته الرومانسية وخيالاته"
ربما تكون "زوج من العيون الزرق"، ثالث رواية نشرها الكاتب الإنجليزي توماس هاردي عند الربع الثالث من القرن الـ19، الرواية الأولى التي حملت إليه، بعد تجربتي كتابة ونشر خائبتين. شهرة كان يحلم بها منذ زمن بعيد، وتحديداً منذ وضع مهنته كمهندس معماري جانباً ليخوض معترك الكتابة الروائية. غير أن هذه الرواية تبدو شبه منسية اليوم، لحساب كتب أخرى له أعادت له الشهرة على الصعيد العالمي خلال الربع الأخير من القرن الـ20.
وإذ نقول هذا نتحدث عن "تس داربفيل" و"جود الغامض" و"بعيداً عن الصخب المجنون"، وبخاصة "السلالات"، ومعظمها روايات تدين بالفضل للسينما في إعادتها للواجهة، فيما تأخرت التلفزة في تحقيق تلك الإعادة لـ"زوج من العيون الزرق". ومع ذلك، لا بد من القول إن هذه الأخيرة بقيت طوال حياة هاردي، تعتبر نوعاً من سيرة ذاتية له فتقرأ على هذا الأساس، حتى من دون أن يعبأ القراء كثيراً بأن يكون هو نفسه قد قال مراراً وتكراراً إن ليس في الرواية من بعد ذاتي سوى كونه تعامل فيها مع حبيبته، التي ستصبح زوجته خلال مرحلة كتابة الرواية نفسها، كـ"موديل" يستخدمها لبناء الشخصية الأساسية في روايته الثالثة تلك. و"لكن في ما عدا ذلك، ليس ثمة الكثير لا من حكاية حبيبتي ولا من حكايتي معها تتضمنه الرواية كما طلعت من بين يدي في نهاية الأمر".
حكاية مغايرة
كما أشرنا كانت "زوج من العيون الزرق" إذاً، ثالث رواية تنشر لهاردي، وهي نشرت للمرة الأولى على شكل حلقات بين 1872 و1873 في مجلة "تينسلي"، ثم نشرت ككتاب عام 1873.
لكنها كانت على أية حال، أول رواية لم تنشر غفلة من توقيع الكاتب، الذي عرفها بكونها ضمن "رواياته الرومانسية وخيالاته". وتتحدث حبكة الرواية عن "مثلث حب" يتكون من الحسناء إلفريد سوانكورت، المقدمة لنا هنا كشابة ذات عيون زرق في الـ19 من عمرها، وخطيبين من خلفيتين مختلفتين، هما ستيفن سميث الشاب الطموح، من طبقة اجتماعية متدنية، يعجب بها، ويتشارك معها خلفية ريفية. وهنري نايت الأكبر سناً، المحترم، ذو المكانة الاجتماعية المرموقة، وإن كان غير ناضجٍ جنسياً وقليل الخبرة، ويمثل هنا المجتمع اللندني.
ولئن كان الرجلان صديقين فإن نايت لا يعلم بعلاقة سميث السابقة مع إلفريد، وهكذا تجد إلفريد نفسها عالقة في صراعٍ مع قلبها وعقلها وتوقعات من حولها - والديها والمجتمع. عندما يكتشف والد إلفريد أن ضيفه والمرشح لخطبة ابنته، مساعد المهندس المعماري ستيفن سميث، هو ابن عامل بناء، يأمره على الفور بالمغادرة. نايت، وهو قريب لزوجة والد إلفريد، يحاول لاحقاً الزواج من إلفريد، لكنه يرفضها في النهاية عندما يعلم أنها كانت قد خطبت سابقاً. تتزوج إلفريد، بدافع اليأس، رجلاً ثالثاً، هو اللورد لوكسليان. تنتهي الرواية بتوجه الخاطبين معاً إلى إلفريد، عازمين على طلب يدها، من دون أن يعلما أنها متزوجة بالفعل أو أنهما يرافقان جثتها ونعشها في رحلتهما.
والحقيقة أنه لئن كانت شخصية ومواصفات الفتاة مبنية انطلاقاً من تلك الحبيبة التي سيتزوجها توماس هاردي بالفعل، وحتى ولو كانت شخصية ستيفن تحمل كثيراً مما يسم شخصية الكاتب نفسه، بما في ذلك مهنته قبل خوض الكتابة كمساعد مهندس معمار، فإن بقية ما تبقى من النص لا علاقة لها به على الإطلاق. ولا سيما مجرى الأحداث، وصولاً إلى مشاركة الخاطبين الصديقين في جنازة "حبيبتهما المشتركة".
عالم بعيد من الخيال
غير أن ما يمكن القول هنا هو إنه لئن كان هاردي بنى روايته وحبكتها، انطلاقاً مما نسج خياله مع إصراره على أن تكون "البطلة" صورة لحبيبته نفسها فإن الأساس بالنسبة إليه، الذي كان كما يبدو مجود نتف في روايتيه السابقتين، إنما كان البيئة التي يصفها وصفاً يمهد لبروز اهتمامات بالغة الأهمية في أدبه المستقبلي. ويمكن تلخيصه في بنائه المحكم لبيئة تدور فيها الأحداث وتتنوع في تشكلها وسحرها، إلى درجة جعلت كثراً من المعلقين على رواياته، بدءاً من هذه الرواية تحديداً، يقولون إن "أكثر ما يثير العجب في شخصية توماس هاردي وأدبه، أنه كان من شأنه أن يكون زعيماً للهيبيين ومرشداً لأنصار الطبيعة وحياة الريف الهادئة، لو أن هؤلاء اكتشفوه إبان عصرهم الذهبي في الستينيات"، لكن "إعادة اكتشافه" جاءت متأخرة.
والحال أنه لئن كان مؤرخو الأدب، وقبل ذلك بسنوات قليلة، قد بدأوا يلتفتون إلى مدى ما في معظم أدب توماس هاردي من تمرد وثورية، فإن نزعة العودة للطبيعة ومعاداة التقدم وانتقاد الحداثة في أدبه، ليست من الأمور التي درست بما فيه الكفاية حتى الآن، وهي لو درست لكشفت عن كاتب يمكن بمعايير اليوم وصفه بأنه "ما - بعد - حداثي".
سيرة ما...
توماس هاردي، الإنجليزي الذي رحل عن عالمنا في عام 1928 عن عمر يناهز الـ88، لم يبدأ حياته أديباً، بل مهندساً معمارياً كما أشرنا عرضاً. وهنا يكمن التناقض الأول في شخصيته، التناقض بين مهنة كانت في قمة الحداثة أواسط القرن الماضي، حين مارسها هاردي، وبين أدب أتى على النقيض منها، تماماً، ناعياً الحداثة والمدنية داعياً إلى الطبيعة والشاعرية في حس رومانسي واضح. المهم، ولد توماس هاردي عام 1840، وصار وهو في الـ16 من عمره مساعداً للمهندس المعماري الشهير في ذلك الحين جون هيكز، لكنه سرعان ما تركه ليرتحل إلى لندن حيث عمل، بدءاً من عام 1862، لدى المعماري آرثر بلوفيفلد. وفي لندن راح يحلم بأن يصبح شاعراً، وكتب قصائد "ريفية - رعوية" لم تلفت نظر أحد. لذلك طوى حلمه الشعري، وبدأ يجرب حظه في كتابة الرواية منطلقاً من رصد دقيق للحياة الاجتماعية الإنجليزية. وهو كان في الـ27 حين عرض رواية أولى له عنوانها "الفقير والسيدة" على ناشر رفضها، ثم عرضها على آخر فلم يكن مصيرها أفضل. لذلك تخلى عنها ودمج أحداثها وشخصياتها في رواية كتبها في العام التالي بعنوان "فضيحة في حياة وريثة" ونشرت هذه، لكنها لم تلفت نظر كثيرين. بعد ذلك حين حلت سنوات الـ70، نشر هاردي روايات عدة، مليئة بالمغامرات وكان في مقدمها "زوج من العيون الزرق" التي ظل القراء يتصورون لفترة طويلة من الزمن أنه يروي فيها حكاية حبه لإيما لافينيا التي تزوجها في عام 1874، وهكذا وقف الحظ إلى جانبه هذه المرة، إذ بدأت رواياته تقرأ على نطاق واسع.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
شاعر فاشل؟!
بيد أن الشهرة الحقيقية لم تأته إلا مع نشر روايته "بعيداً عن الجمهور الصاخب" في عام 1876، وهي الرواية التي بدأ بها سلسلة أعماله الكبرى التي جعلت منه أشهر كاتب روائي إنجليزي في تلك السنوات، ومنها "العودة إلى مسقط الرأس" (1878)، و"عمدة كاستربردج" (1886)، و"الحطابون" (1887)، ثم "تيس داربرفيل" (1891)، وبخاصة "جود الغامض" (1895)، التي حولت إلى فيلم إنجليزي مميز، صنع شهرة كيث ونسليت (بطلة "تايتانك" قبل سنوات). ولئن عاش توماس هاردي حتى عام 1928، فإن عام 1892 كان هو العام الذي نشر فيه آخر رواية كتبها، إذ إنه بعد ذلك عاش في منزل له ابتناه في دورشستر، وأعلن أنه سئم كتابة الرواية وقرر تكريس وقته لكتابة الشعر، ولإعادة النظر في قصائد عدة كان كتبها أيام الشباب ولم ينشرها أبداً.
وعلى رغم اهتمام توماس هاردي بالشعر وحبه له وتفضيله إياه على الرواية، فإنه أبداً لم ينجح كشاعر، نجاحه كروائي، مع أنه نشر أكثر من 10 مجموعات شعرية، يرقى بعض ما فيها إلى أجمل ما كتب في اللغة الإنجليزية خلال الربع الأول من القرن الـ20. أما آخر ما كتبه توماس هاردي، قبل خمس سنوات من رحيله فكان مسرحية مأسوية عرضت بالفعل بعنوان "مأساة ملكة كورنواي الشهيرة"، وهي مقتبسة عن حكاية "تريستان وإيزولت" في قالب شعري بليغ. لكنها رغم جمالها لم تلق ما كانت تستحقه من نجاح، ويبدو في أيامنا هذه أنها طويت في ملفات النسيان.