Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مدريد 1991: ثلاثة أيام غيرت صورة الفلسطينيين وبقي السلام معلقا

كانت القمة هي أول تفاوض فلسطيني مباشر على مبدأ "السلام في مقابل الأرض" واعتراف عربي بإسرائيل

جورج بوش خلال إلقاء خطابه الافتتاحي لمؤتمر مدريد عام 1991 (الأرشيف الوطني الأميركي)

ملخص

في حين لم يؤد الحوار الذي أعقب عملية مدريد إلى اتفاق سلام فإنه مهد لاحقاً لانطلاق عملية أوسلو مع الفلسطينيين، وأفرز صيغة للحكم الذاتي الفلسطيني توجت بإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994 والتطبيع مع الأردن، فهل نشهد "مؤتمر مدريد" الثاني؟ 

في قاعة مؤتمرات مهيبة بقصر مدريد الملكي، خاض الدبلوماسيون العرب والإسرائيليون معركة العبارات القصيرة الموجزة أمام أكثر من 4 آلاف صحافي جلسوا داخل مركز الصحافة الشاسع لرصد وتصوير وتدوين كلمات الدبلوماسيون، حيث جلس للمرة الأولى وفد فلسطيني ممثلاً في مفاوضات دولية تتعلق بتسوية القضية الفلسطينية، ففي الـ 30 من أكتوبر (تشرين الأول) 1991 افتتح الرئيس الأميركي جورج بوش الأب والزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف "مؤتمر مدريد للسلام"، بحضور وفود من إسرائيل والدول العربية، وسط آفاق إنهاء 43 عاماً من الصراع في الشرق الأوسط.

وفي حفل افتتاح متحفظ استغرق الترتيب له ثمانية أشهر من الدبلوماسية المضنية، خاطب بوش وغورباتشوف رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق شامير ووزراء خارجية الأردن وسوريا ولبنان ومصر وممثلين عن الفلسطينيين جلسوا إلى طاولة واسعة على شكل حرف"T" في قاعة الأعمدة داخل القصر الملكي في مدريد، وحضر الممثلون الفلسطينيون حنان عشراوي وصائب عريقات برئاسة حيدر عبدالشافي ضمن الوفد الأردني، وتعلقت أحد جوانب الخلاف قبيل القمة بين الإسرائيليين والفلسطينيين بأسماء الوفد الفلسطيني، إذ أصر شامير على أن يكون لإسرائيل حق مراجعة وحتى رفض أي فلسطيني ينضم إلى الوفد الأردني -الفلسطيني، لضمان عدم انتمائه لـ "منظمة التحرير الفلسطينية" أو إقامته في القدس الشرقية التي تريد إسرائيل استبعادها من المفاوضات.

وأحد أهداف المؤتمر الأساس كان كسر الحواجز النفسية الأولى بين العرب والإسرائيليين بمجرد جمعهم في غرفة واحدة، حيث التقوا في قاعة رائعة مزينة بثمانية ثريات وقطع نسيجية وسقف مرسوم، لكن المناخ السائد بدا بارداً ورسمياً، فرفضت مندوبة لبنانية مصافحة نظيرها الإسرائيلي عندما اقترب منها، وبدت الكوفية الفلسطينية في تنافس مع الـ "كيباه" اليهودية، إذ أثار عريقات غضب واحتجاج رئيس الوزراء الإسرائيلي عندما برز تحت الأضواء بالكوفية الفلسطينية، وتحول الأمر في نهاية المطاف إلى لحظة نصر رمزية بعد تدخل قيادات عربية أبرزها الملك الأردني الحسين، والذي تمسك بنزع غطاء الرأس اليهودي "كيباه" الذي يضعه بعض أعضاء الوفد الإسرائيلي، رداً على تهديدات شامير بالانسحاب ما لم يتنازل عريقات عن كوفيته.

حكم ذاتي 

وكان الاجتماع الذي استمر ثلاثة أيام في مدريد بالنسبة إلى الفلسطينيين المرة الأولى التي يطرح فيها مبدأهم القائم على "السلام في مقابل الأرض" على الطاولة كنقطة انطلاق نحو إقامة دولتهم، وكانت المرة الأولى التي يخوضون فيها المفاوضات بأنفسهم بعد أن كان الفلسطينيون يُمثلون في الماضي من قبل أطراف أخرى، بينما كان يعني بالنسبة إلى الإسرائيليين اعتراف جيرانهم العرب بحق دولة إسرائيل في الوجود، وكان رعاة المؤتمر يأملون في أن تكون المحادثات أكثر نجاحاً من أية عملية سلام متعددة الأطراف في الشرق الأوسط جرت قبلاً، فقد عقدت مؤتمرات سلام من قبل في لوزان بسويسرا عام 1949 وفي جنيف عام 1973، لكنها فشلت في تجاوز المطالب الافتتاحية، وكان مؤتمر عام 1973 الذي نظمه وزير الخارجية الأميركي آنذاك هنري كيسنجر قد استبعد الفلسطينيين وقاطعته سوريا وانهار بعد يوم واحد فقط.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن في ما اعتبرته الصحافة الأميركية آنذاك مؤشراً على إصرار الأطراف على المواقف المتشددة، أعاد وزير الخارجية المصري وقتها عمرو موسى طرح المطالب العربية القديمة بأن تنسحب إسرائيل من جميع الأراضي العربية التي احتلتها منذ عام 1967، وأن تنهي المستوطنات اليهودية خارج حدودها القديمة، وأن تتخلى عن مطالبتها بالسيادة على القدس الشرقية التي تضم مواقع مقدسة للمسلمين واليهود والمسيحيين، وقال موسى خلال كلمته بحضور وزير الخارجية الهولندي هانز فان دن بروك، ممثلاً للمجموعة الأوروبية، إن "المستوطنات التي أنشئت في الأراضي المحتلة منذ 1967، بما في ذلك القدس، غير قانونية، وإقامة مزيد من المستوطنات سيغلق الباب أمام أي تقدم نحو سلام حقيقي، ويثير الشكوك حول صدقية العملية نفسها"، مضيفاً "يجب أن تتوقف لأنها تعوق السلام وتقوض الأساس للمفاوضات حول الوضع النهائي للأراضي المحتلة، وتضعف إرادة التعايش".

وكان الهدف النهائي من العملية إنهاء حال الحرب بين إسرائيل وكل من سوريا ولبنان والأردن والتوصل إلى تسوية موقتة بين إسرائيل والفلسطينيين، ووفقاً للصيغة المتفق عليها آنذاك فستتفاوض إسرائيل مع الفلسطينيين حول فترة حكم ذاتي محدودة مدتها خمسة أعوام في الضفة الغربية وقطاع غزة، تبدأ خلالها في العام الثالث مفاوضات حول الوضع النهائي للأراضي.

وجه جديد للعالم

ويذكر الصحافي الأميركي بيتر فورد في مقالة بصحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" في نوفمبر (تشرين الثاني) 1991 أن المتحدثين خلال الجلسات الافتتاحية كانوا يخاطبون، ليس فقط الوفود الجالسة حول طاولة المؤتمر، بل أيضاً شعوبهم في أوطانهم وسكان الدول المعادية والعالم بأسره، فهكذا جاء تأكيد رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق شامير الحازم على أحقية إسرائيل في الأراضي المحتلة مما أرضى قاعدته اليمينية في الداخل، وهكذا وعد رئيس الوفد الفلسطيني حيدر عبدالشافي الفلسطينيين الذين قال إنهم "يكنون شكوكاً وتساؤلات جدية حول هذه العملية، وإن الحمل ثقيل والمهمة عظيمة، لكننا سنكون على قدر الأمانة"، كما اغتنم العرب والإسرائيليون الفرصة للتحدث مباشرة إلى الرأي العام للطرف الآخر، فعلى سبيل المثال عقد نائب وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو مؤتمراً صحافياً غير مسبوق مع صحافيين عرب، واصفاً ذلك بأن "كل ما نقوم به خلف الأبواب المغلقة على قدر الأهمية نفسها"، وفي المقابل قال الدكتور عبدالشافي إنه يرغب "في مخاطبة الشعب الإسرائيلي مباشرة"، داعياً إياه إلى "كسر حواجز انعدام الثقة والمخاوف المصطنعة، ودعونا نتطلع إلى الأمام بسخاء وأمل".

وبينما كان العالم يراقب مدّ العرب والإسرائيليين أيديهم إلى ما وراء منطقتهم، موضحين عمق مشاعر الاستياء المتبادل ومتسابقين إلى كسب الدعم الدولي، يقول فورد إن "الفلسطينيين قدموا وجهاً جديداً للعالم، ففي حين أنه كثيراً ما جرى تصويرهم كإرهابيين قساة غير حليقي الذقن، حاز الفلسطينيون في مدريد اعترافاً بهم كأناس طبيعيين مثلهم مثل الدكتور عبدالشافي، الطبيب الوقور المهذب الذي ارتقى أداؤه أحياناً إلى مستوى رجل الدولة، وحنان عشراوي المحاضرة الجامعية في الأدب الإنجليزي التي جمعت بين الإصرار والسحر والذكاء"، ويذكر أن عشراوي لم تخف سرورها بهذه الجائزة الإضافية التي فاز بها الفلسطينيون في مدريد، إذ قالت للصحافيين "لقد منحتمونا فرصة للاستماع العادل، ومنحتم الصوت الفلسطيني منصة، وشكراً لكم على إيصال روايتنا إلى العالم".

السلام مع الأردن وأوسلو

وفي حديث سابق مع وكالة "إفي" الإسبانية، قال سفير إسرائيل السابق لدى واشنطن لزالمان شوفال، وهو أحد المفاوضين في عملية مدريد، إن النجاح الأبرز للمؤتمر كان أنه فتح الباب أمام تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع الأردن الذي توج باتفاق سلام عام 1994، مضيفاً أن "سوريا لم تكن مهتمة بالمفاوضات الثنائية كما كنا نحن، واللبنانيون كانوا يتبعون السوريين وحسب، أما الفلسطينيون فقد علمنا لاحقاً أنهم كانوا يتلقون أوامر مباشرة من رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، وأنهم كانوا مجرد دعاية، والطرف الذي أحرزنا معه تقدماً حقيقياً في مدريد كان الأردن"، ويقول مراقبون إن "مؤتمر مدريد" أفرز صيغة للحكم الذاتي الفلسطيني توجت بإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994، والتي يترأسها اليوم محمود عباس من دون سلطة في قطاع غزة الخاضع لحكم حركة "حماس" الإسلامية.

وفي حين لم يؤد الحوار الذي أعقب عملية مدريد إلى اتفاق سلام لكنه مهد لاحقاً لانطلاق "عملية أوسلو" مع الفلسطينيين، ووفق "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" فإنه بعد جولات من المفاوضات في واشنطن فشلت في التوصل إلى اتفاق بسبب إصرار الفريق الفلسطيني برئاسة عبدالشافي على وقف النشاط الاستيطاني الإسرائيلي، وبسبب عودة حزب العمل الإسرائيلي  للسلطة، وقيام رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بالترويج النشط لقناة تفاوض سرية مع ممثلين عن الحكومة الإسرائيلية في أوسلو في سبتمبر (أيلول) 1993، فقد أدى ذلك إلى اتفاق مبدئي على ترتيبات للحكم الذاتي الانتقالي عُرف لاحقاً باسم "اتفاق أوسلو".

مدريد 2

ودعا عضوا "مجلس الدبلوماسية في البحر المتوسط" الدبلوماسي المصري السابق عبدالرحمن صلاح الدين والدبلوماسي الإسرائيلي المتقاعد مايكل هاراري إلى عقد "مؤتمر مدريد الثاني"، وقال الدبلوماسيان عبر مقالة نشرت في يوليو (تموز) الماضي، إنه في حين أن الظروف الحالية مختلفة لكن التحديات نفسها باقية حيث الصراع بين إسرائيل وسوريا ولبنان، وفوق ذلك كله الشعب الفلسطيني، فيمكن القول إن الظروف الحالية قد تكون أكثر وعداً بل وضرورية، مشيرَين إلى أنه قبل ثلاثة عقود ساعد "مؤتمر مدريد" في تمهيد الطريق لمفاوضات ثنائية أفضت إلى "اتفاقات أوسلو" مع منظمة التحرير الفلسطينية، والتي مكنت لاحقاً من توقيع اتفاق السلام مع الأردن، كما أطلق المؤتمر مفاوضات إقليمية متعددة الأطراف تناولت قضايا مثل ضبط التسلح والأمن الإقليمي والمياه واللاجئين والبيئة والتنمية الاقتصادية وغيرها، واليوم يعتقد الكاتبان المصري والإسرائيلي أنه يمكن لمؤتمر سلام إقليمي جديد أن يتناول أيضاً قضية الانتشار النووي من منظور إقليمي لتجاوز الجمود الذي نتج من حرب الـ 12 يوماً بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى.

ويمكن للمؤتمر المقترح أن يوفر مظلة إقليمية ودولية وحوافز تدفع إسرائيل والدول العربية إلى تقديم تنازلات جريئة تقود إلى السلام في الشرق الأوسط وإنهاء الحرب الدموية المستمرة منذ نحو عامين، وقد أعرب صلاح الدين وهاراري عن اعتقادهما أن الرئيس الأميركي دونالد "ترمب يملك فرصة فريدة لإحداث تغيير تاريخي في منطقتنا المضطربة، وإذا انتهزها فسيستحق دعمنا الكامل".

المزيد من تقارير