ملخص
مع انتخاب الرئيس جوزاف عون بدأت مرحلة جديدة من الانفتاح عبر زيارات خارجية شملت السعودية والبحرين ومصر وقبرص والجزائر، والفاتيكان أعادت تموضع لبنان دبلوماسياً، ووصفت زيارة الرياض كبوابة ذهبية لعودة لبنان للحضن العربي، فيما مثلت زيارة البحرين انفراجاً دبلوماسياً بعد قطيعة طويلة، ويرى محللون أن السياسة الخارجية الجديدة تهدف إلى استعادة السيادة وجذب الاستثمارات، لكن نجاحها يتوقف على إصلاحات داخلية فعلية وعلى استعادة الدولة اللبنانية قرارها السيادي وفرض مرجعية القانون، بعيداً من منطق الميليشيات والازدواجية في السلطة.
عانى لبنان خلال الأعوام الماضية عزلة عربية ودولية خانقة دفع ثمنها الشعب والاقتصاد والمؤسسات، البعض يقول إنها نتيجة هيمنة "حزب الله" على القرار السيادي وتحويل الدولة اللبنانية، ففُرض شبه حصار سياسي واقتصادي، لا سيما أن البلاد دخلت أيضاً في أزمات إقليمية امتدت من اليمن إلى سوريا والعراق، فتحولت من منصة للحوار والانفتاح إلى ساحة مفتوحة لتصدير الأزمات والمواد الممنوعة والخطابات العدائية.
لكن المرحلة الجديدة التي بدأت تتبلور بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة وتراجع هيبة الحزب داخلياً وخارجياً أعادت فتح النوافذ الموصدة، ومع انتخاب قائد الجيش العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية بدأت ملامح فك تدرجي لحقبة العزلة من خلال إعادة بناء علاقات لبنان مع محيطه العربي والدولي، ومحاولات إعادة هيكلة الدولة كمركز قرار مستقل.
من العزلة إلى المبادرة
يعتبر مقربون من الرئيس أن زياراته الأخيرة والتي شملت دولاً عربية عدة لم تكن بروتوكولية بل ضرورة سياسية بعد أعوام من التراكمات التي عززت القطيعة بين لبنان وأشقائه العرب، فالسياسات السابقة وتهريب الكبتاغون والاستخدام الأمني والسياسي للأراضي اللبنانية كلها عوامل أسهمت في تحويل لبنان إلى دولة منبوذة عربياً، ويؤكد هؤلاء أن الرئيس اختار كسر هذا المسار عبر لغة سياسية جديدة، وتعهدات بالسيادة والتزام واضح بمبدأ النأي بالنفس، فلا مكان في خطابه للهجوم على الخليج، ولا تبرير لعمليات التهريب، بل دعوة صريحة إلى استعادة الدولة هيبتها وحدودها في الداخل والخارج.
وينظر إلى الزيارة الأولى إلى السعودية كمؤشر حاسم بعد انتخابه بأسابيع، فبوابة الخليج فتحت من جديد، واللقاء مع القيادة السعودية حمل رسائل سياسية مفادها أن بيروت لم تعد منصة عدائية بل شريك في الأمن والاستقرار، وتلتها زيارات إلى قطر والإمارات والكويت أكدت أن العواصم الخليجية مستعدة للعودة شرط أن تستعيد الدولة اللبنانية زمام القرار، وأبرز تجليات هذا التحول كانت في زيارة البحرين، الدولة التي قطعت علاقاتها مع لبنان منذ عام 2021، ثم قررت في يوليو (تموز) 2025 إعادة فتح سفارتها، ولم يكن ذلك مجرد تطبيع دبلوماسي بل إعلان ثقة ضمني برئاسة لبنانية جديدة.
تنويع الشراكات اللبنانية مع دول المنطقة
زيارة القاهرة بدورها أعادت ترسيخ العلاقات مع دولة مركزية في المنطقة، فاللقاء مع الرئيس عبدالفتاح السيسي لم يكن عابراً بل حمل دعماً صريحاً لمؤسسات الدولة، وخصوصاً الجيش، ولخطة إصلاحية باتت ضرورة، أما في عمّان فتركز النقاش مع الملك عبدالله الثاني على ملفي النزوح السوري والطاقة، وهما ملفان إستراتيجيان لبلد يرزح تحت ضغط مالي وكهربائي خانق، فيما زيارة قبرص أعادت لبنان لمحيطه المتوسطي، سياسياً وأمنياً لا فقط جغرافياً، وقد عزز التعاون في ملفي الطاقة والهجرة غير الشرعية والدعم القبرصي لموقف لبنان داخل الاتحاد الأوروبي هذه الشراكة، وأما الجزائر فكانت مفاجأة دبلوماسية، فبعد عقدين من الغياب حظي الرئيس باستقبال دولة أُتبع بمخرجات اقتصادية مباشرة، وهذه الزيارة فتحت أفقاً جديداً لانفتاح لبنان على المغرب العربي.
التحرك وحده لا يكفي
في المقابل يقرا متابعون للشأن الداخلي أن الجولات الرئاسية مثلت نجاحاً دبلوماسياً مهماً لكنها تنذر بتحد أكبر داخلياً، فالدعم العربي مشروط بإصلاحات اقتصادية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وكبح الفساد وحسم مسألة السلاح غير الشرعي، وهي شروط يعتبرها الأشقاء العرب أساساً لعودة لبنان كدولة لا كساحة.
معتبرين في المقابل أن غياب زيارات قادة عرب إلى بيروت حتى الآن يعكس ترقباً لخطوات تنفيذية، فالدعم السياسي قائم لكن التتويج الرسمي لا يزال معلقاً ريثما تثبت الدولة قدرتها على استعادة القرار الوطني وضبط قرار الحرب والسلم، وبرأيهم أن الرئيس عون أعاد موقع لبنان للواجهة، لكن الأهم أنه أعاد الحوار مع الأشقاء للغة العقل والمصالح المشتركة بعد أعوام من الخطابات الانفعالية، وزياراته لم تكن سعياً إلى التمويل فقط بل تأكيداً على انتماء لبنان السياسي والثقافي إلى الفضاء العربي، لكن على الدولة أن تواكب هذا التوجه بأفعال لا أقوال.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بوابة ذهبية
وفي هذا السياق علّق مدير "مركز المشرق للدراسات الإستراتيجية" سامي نادر على زيارة الرئيس جوزاف عون إلى السعودية قائلاً إن "الرياض بوابة ذهبية لعودة لبنان للحضن العربي"، معتبراً أن انطلاقة الرئيس من الرياض حملت رسالة واضحة بأن لبنان يريد إعادة تموضعه عربياً ودولياً عبر قرار لبناني مستقل.
ويرى نادر أن هذه الزيارة لم تكن بروتوكولية بل محملة بدلالات سياسية وإستراتيجية، وشكلت انعكاساً لإرادة داخلية جديدة، لكنه شدد على أن نجاح المسار الخارجي مرهون بالإصلاح الداخلي، وأن الخليج لن يمنح لبنان شيكاً على بياض ما لم تترجم الخطوات إلى قرارات حازمة.
توازن العلاقات أساسي
بدوره يرى العميد المتقاعد هشام جابر أن سياسة الرئيس الخارجية تمثل "تحولاً رسمياً مدروساً لإعادة تموضع لبنان من ساحة نزاع إلى دولة قرار"، مؤكداً أن الجولة التي شملت السعودية والبحرين والجزائر وقبرص والفاتيكان تعبر عن رغبة لبنانية واضحة في إعادة إنتاج السيادة وبناء شراكات عدة، وبحسب جابر فإن هذه الزيارات لا تهدف إلى بروتوكولات شكلية بل إلى خلق بيئة داعمة للاستثمارات، وفتح قنوات تعاون اقتصادي وإستراتيجي تخرج لبنان من عزلته.
لكن العميد المتقاعد خالد حمادة وجه انتقادات حادة لزيارة الرئيس إلى الجزائر، معتبراً أنها "قرار عشوائي وغير مدروس"، واعتبر أن الجزائر الغارقة في خلافات دبلوماسية مع فرنسا والمغرب وإسبانيا ليست الشريك الأنسب في لحظة تحتاج فيها بيروت إلى تأييد حلفائها داخل مجلس الأمن لتجديد ولاية الـ "يونيفيل"، مشدداً على أن الملفات التي طرحت مثل التعاون في الطاقة أو الإعمار لا ترقى إلى مستوى رئاسة الجمهورية، وكان الأجدى تكليف وزراء أو سفراء بها، وبالنسبة إليه فهذه العشوائية لا تبني سياسة خارجية رصينة، بل قد تعرقل الجهود اللبنانية بدل أن تدعمها.
كيف ينظر "الثنائي الشيعي" إلى زيارات الرئيس الخارجية؟
يؤكد الكاتب السياسي المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية، قاسم قصير، أن "الثنائي الشيعي" أي "حزب الله" وحركة "أمل" ينظر بإيجابية إلى تحركات رئيس الجمهورية اللبنانية، معتبراً أن ما يقوم به الرئيس يصب في مصلحة لبنان العامة، لا سيما في ظل التحديات التي تواجه البلاد على مختلف المستويات.
ويكشف عن أن "حزب الله" منفتح على النقاش والحوار حول هذا المسار، ويتفاعل بإيجابية مع أي جهد رئاسي يصب في مصلحة الاستقرار والانفتاح الخارجي، مؤكداً أن عدداً من الدول أبدى استعداداً واضحاً لدعم لبنان، منها العراق والجزائر وإيران، وربما دول أخرى في حال توفرت الظروف المناسبة.
وختم قائلاً "نحن مع أفضل العلاقات مع الدول العربية والإسلامية"، مشيراً إلى أن مسار التقارب بين إيران والسعودية لا يزال مستمراً، ويمكن البناء عليه من أجل التهدئة إقليمياً، مما ينعكس إيجاباً على لبنان.