ملخص
لم تعد طرق الهجرة عبر ليبيا تتجه غرباً فقط نحو لامبيدوزا، فثمة ممر جديد يتسع شرقاً من السودان وتشاد إلى كريت باليونان، وقفزت أعداد المهاجرين من 815 شخص عام 2023 إلى 5161 في عام 2024، قبل أن تتجاوز محاولات العبور 25 ألفاً عام 2025.
لم تعد خريطة الهجرة غير النظامية عبر ليبيا تقرأ فقط من الطرف الغربي للبلاد بشواطئ صبراتة وزوارة والقوارب المتجهة إلى لامبيدوزا، إذ يتشكل منذ نحو ثلاثة أعوام ممر مختلف يبدأ من عمق الصحراء عند الحدود السودانية والتشادية، ويمر بالكفرة ثم أجدابيا نقطة الوصل بين الجنوب ومدن الساحل الشرقي، قبل أن ينتهي في طبرق ومنها إلى كريت وغافدوس اليونانيتين.
الأرقام تكشف عن أن الأمر تجاوز حدود المسار البديل ليصبح تحولاً جغرافياً في طرق الهجرة عبر ليبيا، فبحسب منظمة "دعم اللاجئين في بحر إيجه" (RSA) في عام 2022 لم تسجل الرحلة المباشرة من ليبيا إلى اليونان سوى أعداد محدودة للغاية، ثم ارتفع عدد الواصلين عبر هذا المسار إلى نحو 815 شخصاً عام 2023، وإلى 5161 عام 2024، قبل أن يتجاوز عدد من حاولوا الرحلة خلال عام 2025، 25 ألف شخص.
وفي النصف الأول من العام الحالي وحده، سجل خفر السواحل اليوناني 8552 وافداً إلى كريت وغافدوس، والأهم أن تركيب هذه الأعداد يكشف عن الطريق الذي يغذي الممر، إذ جاء 3536 بنغلاديشياً، و3159 سودانياً، و1049 مصرياً، و346 من جنوب السودان، و135 إريترياً، فضلاً عن جنسيات أخرى، وكان بين الواصلين 780 قاصراً.
الكفرة... البوابة الأولى
تبدأ إحدى أهم حلقات الطريق الجديد بعيداً مئات الكيلومترات من البحر، فالحرب السودانية التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023 دفعت كتلاً بشرية كبيرة غرباً وشمالاً، وأصبحت ليبيا واحدة من دول الاستقبال والعبور الرئيسة.
وتشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن 82 في المئة من السودانيين الذين يصلون إلى ليبيا يدخلون عبر الكفرة، و12 في المئة عبر المسار الجنوبي الشرقي المتصل بتشاد، مقابل ستة في المئة عبر طبرق.
وأدى تشديد الرقابة وتدهور الأمن في منطقة "المثلث الحدودي" داخل السودان إلى دفع اللاجئين نحو طرق أطول وأكثر خطراً، بينما ظل العبور عبر تشاد يراوح ما بين 100 إلى 150 شخصاً يومياً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبحلول مطلع العام الحالي أصبحت الجنسية السودانية تمثل نحو 36 في المئة من المهاجرين الموجودين في ليبيا، مقابل 20 في المئة للنيجريين، و19 في المئة للمصريين، وتسعة في المئة للتشاديين، وقدر إجمال عدد المهاجرين في البلاد في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) بنحو 936134 شخصاً.
ثم ارتفع العدد إلى 943748 مهاجراً خلال مارس (آذار) وأبريل الماضيين، موزعين على 100 بلدية، وكان 36 في المئة منهم في شرق ليبيا و11 في المئة في الجنوب، أي إن قرابة نصف الكتلة المهاجرة المرصودة أصبحت موجودة في المنطقتين اللتين تشكلان العمق البري للمسار المؤدي إلى الساحل الشرقي.
واللافت أن تشديد الحدود لا يلغي الطريق بقدر ما يعيد تشكيله، فخلال الربع الأول من العام الحاي قال 81 في المئة من الوافدين براً، بحسب البيانات الأممية نفسها، إنهم استعانوا بوسطاء أو مسهلي هجرة للوصول إلى ليبيا.
أجدابيا... حلقة الوصل
بعد الكفرة تظهر أجدابيا بوصفها حلقة جغرافية شديدة الأهمية، ونقطة عبور للمهاجرين الآتين من شرق وجنوب شرقي ليبيا، بما في ذلك الكفرة، نحو المدن الساحلية الشرقية والغربية.
وتكشف البيانات الدولية عن حجم البنية البشرية الموجودة على طول الطريق، ففي أواخر عام 2024 كان شرق ليبيا يضم نحو 34 في المئة من جميع المهاجرين في البلاد، بينهم 48900 مهاجر في أجدابيا، و138148 في الكفرة، و27138 في طبرق، فضلاً عن أكثر من 80 ألفاً في بنغازي.
هنا يتحول الطريق من خط صحراوي إلى شبكة نقل وإيواء وتهريب تمتد باتجاه الساحل، وفي مؤشر مباشر على نشاط هذه الشبكات، أعلنت السلطات الليبية شرق ليبيا عام 2025 مداهمة موقع في أجدابيا وتحرير 104 سودانيين، بينهم نساء وأطفال، كانوا محتجزين داخل مخزن تابع لشبكة اتجار بالبشر. وفي الفترة نفسها أعلنت ترحيل 700 سوداني كانوا محتجزين في وسط وجنوب شرقي البلاد، تزامناً مع اعتراض قارب يحمل 80 مهاجراً قبالة طبرق.
وفي يناير الماضي كشفت تحقيقات النيابة العامة عن شبكة للاتجار بالبشر تنشط بين الكفرة وأجدابيا، وجرى تحرير195 مهاجراً، في مؤشر رسمي إلى وجود شبكات تربط بين نقطتي أساس في الطريق الممتد من الحدود الجنوبية الشرقية باتجاه الساحل.
هذه الوقائع تجعل أجدابيا أكثر من مجرد محطة على الخريطة، فهي نقطة التقاء محتملة بين تدفقات مقبلة من الصحراء وشبكات تنقل الأشخاص شمالاً وشرقاً إلى مناطق الانطلاق البحري.
طبرق... المحطة الأخيرة
في طبرق، تتضح الحلقة الأكثر تنظيماً وربحية، ويقدم رئيس فرع جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في طبرق، اللواء إبراهيم الأربد رقماً يكشف عن بعد آخر للتدفق نحو شرق ليبيا، إذ قدر عدد السودانيين الذين دخلوا ليبيا من مصر منذ اندلاع الحرب السودانية بما يراوح ما بين 20 و25 ألف شخص، مشيراً إلى استمرار دخول نحو 200 إلى 250 سودانياً أسبوعياً عبر الحدود المصرية - الليبية.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الطريق الشرقي لا يتغذى من محور واحد، فإلى جانب المسار الممتد من السودان وتشاد إلى الكفرة ثم أجدابيا، يوجد مسار آخر يأتي من مصر مباشرة إلى نطاق البطنان وطبرق، قبل أن يلتقي الاثنان قرب الساحل.
الصحافي الليبي محمد العزومي الذي تخصص في رصد ومتابعة ملف الهجرة شرق ليبيا خلال العامين الآخيرين، يكشف عن المعطيات الخاصة بشبكات التهريب في هذه المنطقة بالقول، إن "جانباً مهماً من النشاط في شرق ليبيا بات مرتبطاً بشبكات تمتلك خبرة سابقة في تهريب السلع والسيارات وغيرهما، قبل أن تتوسع إلى نقل المهاجرين مع ارتفاع الأرباح".
وأضاف "مع اشتداد المنافسة بين الشبكات، انخفض سعر الرحلة بصورة لافتة. ففي عام 2024 تحدث مهاجرون عن دفع ما بين 2100 و3500 يورو (2392 – 3987 دولاراً تقريباً) للشخص، بينما تراوحت المبالغ المرصودة في بعض الحالات خلال العام الحالي ما بين 340 و1450 يورو (نحو 387 – 1652 دولاراً)".
وتابع "وظهرت صناعة مساندة للممر، فقوارب كانت تجلب سابقاً من مصر أصبحت تصنع محلياً، تزامناً مع زيادة المنازل والشقق المستخدمة لتجميع الراغبين في العبور حول طبرق، إنها بعبارة أخرى، سلسلة إمداد للهجرة من حدود صحراوية ونقل بري ومساكن انتظار وقوارب وسماسرة ثم رحلة بحرية تستغرق عادة نحو يومين".
كريت... الوجهة الحلم
ما يحدث في الجانب اليوناني يؤكد حجم التحول الكبير في مسار الهجرة عبر المتوسط، إذ تقول وكالة حرس الحدود والسواحل الأوروبية "فرونتكس" إنه في عام 2024 انخفضت عمليات العبور غير النظامي على طريق وسط المتوسط 59 في المئة، بينما ارتفعت على طريق شرق المتوسط 14 في المئة إلى نحو 69440 حالة، وكان ظهور ممرات جديدة من شرق ليبيا أحد العوامل المرتبطة بالزيادة.
وفي عام 2025 تسارع التحول بصورة أكبر، فبين يناير ويوليو (تموز) الماضيين وصل أكثر من 10 آلاف شخص من ليبيا إلى كريت، أي أكثر من أربعة أضعاف العدد المسجل خلال الفترة نفسها من العامين السابقين.
هذا التدفق البشري الكبير دفع أثينا إلى إجراءات استثنائية، ففي يوليو 2025 أعلن رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، تعليق النظر في طلبات لجوء القادمين بحراً من شمال أفريقيا لمدة ثلاثة أشهر، بعدما تجاوز عدد الوافدين من هذه المنطقة إلى كريت وغافدوس 7300 شخص، مقارنة بنحو 5 آلاف خلال عام 2024 بأكمله.