Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ماديون"... الحب سيبقى أحلى الأقدار

فيلم يكشف عن قسوة الواقع والحسابات في حق المرأة والعلاقات الإنسانية بعين سيلين سونغ

داكوتا جونسون وكريس إيفانز وبيدرو باسكال في مشهد من فيلم "ماديون" (مواقع التواصل الاجتماعي)"

ملخص

عندما تترك الحب والإحساس الغريزي بالسعادة البعيدة من الإمكانات الحالمة ثم تقابل ما تبحث عنه من ماديات مفروشة بوعود تتصنع العاطفة ماذا ستختار؟ سؤال أجاب عنه فيلم "ماديون"‘Materialists"  لداكوتا جونسون وكريس إيفانز وبيدرو باسكال والمخرجة الكورية سيلين سونغ

لن يكون سهلاً على مشاعرك الإنسانية أن تمر بتجربة مشاهدة فيلم "ماديون"، فهو ينقلك بصورة حادة وقاسية بين عوالم تخضع للحسابات المفزعة وحدَّة سيف الواقع واختيارات الزواج وتعنُّت الرجال وازدواجية المعايير، وبين نعومة ورقَّة غريزتك الفطرية وحقك في الحب والسعادة ومتعة التجربة، وكلها أمور لا تخضع لمقاييس السن والشكل والمستوى الاجتماعي والرشاقة والجاذبية، لكن تنتصر فقط لكونك إنساناً تستحق أن تعيش الحياة من دون سوداويات الماديات.

حدة الماديات

ربما تعمدت المخرجة سيلين سونغ أن تكون شديدة الحدة في طرح ما اقترفته الماديات والحسابات من جرائم مؤلمة في حق المرأة، فهي لم تتطرق إلى الأمر كأنه مشكلة عابرة، بل ضغطت بشدة حتى ينزف الجرح ربما أملاً في أن يتشافى بالصدمة، أو لإيجاد حلول قد تغير المقاييس أو تجعلها أكثر هدوءاً ولطفاً.

كررت المخرجة بين المشاهد والسطور عبارات كرَّست أن المادية التي نعيشها في عصر قاسٍ يخضع لمقاييس الطول والوزن والسن والجمال لم تؤثر إلا في فرص المرأة واستحقاقها فرص الحب والعشق.

بدأت الأحداث بمشهد لرجل وامرأة في حالة حب خلال العصر الحجري أو ربما قبل التاريخ، ويُلبس الرجل حبيبته خاتماً عبارة عن زهرة بيضاء نقية تسبب لها سعادة غامرة، ثم ينتقل المشهد الثاني، حيث نيويورك والمدينة الصاخبة بأضوائها وشوارعها وحداثتها وضجيجها المفرط عام 2025.

تظهر لوسي ماكارو التي لعبت دورها داكوتا جونسون، وهي امرأة في منتصف الثلاثينيات تعمل وسيطة زواج في شركة ضخمة تتخصص في التوفيق بين الرجال والنساء وتنسيق المواعدة في شقة فارهة، وهي في حالة من النشاط والطاقة المنظمة لأقصى الحدود.

عرض وطلب

تبدو لوسي امرأة جميلة، لكنها صلبة القلب وباردة المشاعر تتعامل مع كل شيء على أنه عرض وطلب ومقاييس تتوافق مع طلبات، فالشخص بالنسبة إليها يصنف ضمن قوائم صارمة، ويحدد موقعه منها السن والطول والوزن والمنصب الاجتماعي والدخل السنوي.

تنسى لوسي أنها امرأة وتضع النساء أيضاً وفق المقاييس الصارمة نفسها، حسب تصنيفهن المادي والشكلي مع الرجل المناسب أو المنشود.

ولأن لوسي تفكر بحسابات المادة وقسوة الرجال في اختيار المرأة على رغم حداثة العصر والتحضر تنجح في عملها وتستطيع أن تتمم زواج 9 حالات سميت فرص العمر وارتباط الأحلام بحسب تصنيف وكالة المواعدة التي تعمل بها.

تظل لوسي معتقدة أنها شخص لا يعتنق للحب مذهباً حتى يأتي اليوم الذي يقلب حياتها، وهو عُرس إحدى وكيلاتها على فتى الأحلام ابن العائلة الثرية الناجح والوسيم، وفي اليوم ذاته تتعرف لوسي على شقيقه هاري شقيق العريس، وهو أكثر وسامة وأهمية ومالاً وجاذبية، فتطلق عليه "الرجل المثالي" أو "وحيد القرن"، بحسب تصنيفات الشركة في وصف جودة الرجال.

تتفاجأ لوسي بوقوع هاري في حبها ورغبته في الارتباط بها، وتفضل أن تجعله مجرد زبون بوكالتها، وتتردد في عرضه لأنها بحسابات مادية تجد نفسها امرأة غير مناسبة لرجل في تميزه الفريد مادياً واجتماعياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تقسو لوسي بصورة مفرطة على نفسها وعلى مجتمع النساء بصورة درامية سوداء عندما تقول في جمل الحوار لهاري أو الرجل المثالي الذي يعرض عليها الحب، "أنت تستحق امرأة أفضل مني، فأنت متميز وفريد وثري ووسيم، لماذا تتزوج امرأة في الثلاثينيات أمامها سنوات ويغادرها جمالها؟ ولماذا تربط نفسك بامرأة فرص إنجابها ستتقلص بعد مدة قصيرة؟".

ويباغتها هاري بقوله إن هذه المعايير لا تعنيه، لكنها تزداد قسوة في الحكم على نفسها بأن العلاقات والزواج صفقة يجب أن تكون متوافقة، وما دمت تملك تلك الميزات كرجل عليك الإفراط في الطلب والتعنت في اختيار ميزات أكثر صعوبة في المرأة.

قهر المرأة

تعكس الجمل الحوارية للوسي حالاً من القهر الذي صنعته المعايير المادية في تصور المرأة لنفسها ومدى استحقاقها فرص الحب والزواج من رجل رائع طالما بدأت في عمر الـ30، إضافة إلى ألم تقدير المرأة لقيمتها وأنوثتها بخصوبتها وما تبقَّى فيها من مدة تستطيع فيها الإنجاب ويستمر فيها الجمال، وهو تفكير على رغم محاولة إنكاره، فإنه حقيقة لا تغيرها شعارات التحضر والمدنية ووصول أقصى درجات الوعي الإنساني عند معظم الناس في كل البلد حتى نيويورك نفسها، وهذا ما أكدته المخرجة بمنتهى الوضوح.

تستمر لوسي في الانبهار والتردد بسبب عرض هاري الثمين، ثم تقرر اقتناصه بوصفه صفقة العمر التي لن يكررها الزمان، وتدخل معه في علاقة في اليوم نفسه الذي تتقابل فيه مع النادل الوسيم جون الذي قام بدوره كريس إيفانز.

وتسترجع الأحداث علاقة لوسي وجون، فهو لم يكن شخصاً عابراً في حياتها، بل الحب الحقيقي الذي فشل بعد محاولات جدية منهما بسبب صعوبة ظروفه المادية وعدم قدرته على إسعادها بمقاييس المال. وعلى رغم موت القصة، فإن هذا الرجل ظل بداخلها حلماً وشريكاً ورفيقاً لأجمل ما عاشته، وما تبقَّى في ذاكرتها من سنوات.

تستمر علاقة لوسي مع هاري الذي ترى أن من أهم ميزاته أنه يدفع فواتير باهظة لعشائهما بسهولة، ويذهب بها إلى أماكن فاخرة لم تحلم يوماً أن ترتادها، كما يسكن في شقة لا يستوعب خيالها فخامتها.

مثلث معقد

يتشكل ويتعقد مثلث علاقة لوسي وهاري وجون في الوقت نفسه من دون قصد من أي منهم، فعندما يعدها هاري بتحقيق كل الأحلام والسفر لآيسلندا التي تتمنى يوماً أن تقضي بها إجازتها يشعل جون عاطفتها ببساطة المشاعر وفرط الإحساس والشغف ونشوى الاقتراب والود الإنساني الحقيقي البعيد من أرقام الحسابات البنكية والعشاء في الأماكن الفاخرة والقصور.

تظن لوسي أنها نجت من الاختيار وحسمت موقفها لمصلحة هاري بحكم طبيعتها المادية وتخلصها المسبق من حكايتها مع جون التي أعدمها الفقر بلا رحمة، لكنها تكتشف حقيقة رغباتها وقيمة مشاعرها التي لم تنجح المادة في تغييرها، فـ"هاري" بكل هدوئه وثرائه وعطائه لا تشعر معه بأي رغبة أو توافق، بل تجد الصمت رفيقهما الدائم والوحيد، ولم يستطع أن يلمس أي عمق داخلها لتعيش معه أي لحظة عفوية وصادقة، بينما جون الفقير لا تتوانى في أن تلجأ إليه بأعبائها وثرثرتها مع أول مشكلة، وهو الشخص الوحيد الذي تتحدث إليه من دون توقف عندما تريد أن تنفجر في الضحك أو البكاء أو أي مشاعر صادقة.

يجدد هاري عرض الزواج على لوسي، فتجد نفسها في لحظة حاسمة وفارقة لا بد أن تختار ما تريده روحها، فتخلع رداء المادية الذي ظنت أنه يغلف روحها، وترفض العرض هاري وتصارحه بأن كل أمواله لم تستطع أن تكسر حاجز الصمت أو تذلل عقبات عدم الإحساس بالتوافق الروحي، فيُفاجئها هاري بقوله إن الزواج صفقة، وما دام هناك قبول فعلينا حساب ما سنكسبه منها. فترد لوسي بحسم على ماديته التي غلبت معتقداتها الحسابية أن الصفقة شرطها الأساس الحب، ومن دونه فهي معاناة لا ربح فيها.

المعادلة الأصعب

على الجانب الآخر يستسلم جون لفكرة استحالة عودة لوسي له وتركها الثري الرائع المتكامل بحسب فهمه لشخصيتها المادية، لكنها تفاجئه بقرارها وقولها إن المال يمكن الاجتهاد فيه وتحسين وضعه، لكن الشريك الحقيقي والمشاعر النابعة من القلب لا تشتريها كل أنواع الماديات، لذلك فالحب هو المعادلة الأصعب في هذا العالم منذ بداية الخلق حتى نهايته، ولم تستطع المادية ومعتنقيها هدم قلعته.

استعرض الفيلم بصورة حادة وسلسة في الوقت نفسه فصولاً من الصراع الإنساني الدائم بين الحب والمال، وكشفت المشاهد عن عيوب وميزات كل حالة، ووضعت أمامك على مدار ساعتين أن تختار بين الأمرين بعدما تعرَّت حقيقة كل جانب بلا خجل.

وعلى رغم قسوة المخرجة وكاتبة السيناريو في سرد بعض المشاهد المادية، فإنها في النهاية قررت أن تحكم بقلبها فاختارت الحب على المادة، واختتمت بمشهد للزوجين نفسهما من العصر الحجري وهما يعيشان في سعادة والمرأة تلبس خاتماً من الورد وتحمل في طفل، وزاد وزنها وحجم بطنها، لتؤكد أن الغريزة والفطرة مهما لوَّثتها المادية لا يمكن هزيمتها أو منافستها.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما