ملخص
تشديد قوانين الهجرة يقلل من فرص لم شمل الأسر في المملكة المتحدة، وكلما زادت صعوبة استقدام أفراد العائلة بالنسبة إلى الأجانب عمالا ولاجئين، واجهت العلاقات الأسرية خطر التفكك وعدم الاستقرار.
من بين ركاب الطائرة الهندية المنكوبة التي سقطت في الـ13 من يونيو (حزيران) الماضي عائلة عمل الأب فيها كمبرمج لستة أعوام في لندن وهو يحلم بلحظة لم شمل أسرته تحت سماء العاصمة البريطانية، وعندما أنجز كل ما تقتضيه القوانين لإحضار زوجته وأولاده الأربعة قضوا في الرحلة التي كانوا ينتظرونها جميعهم.
واستدعاء قصة هذا المبرمج الهندي وعائلته يراد منه الإشارة إلى القوانين البريطانية الناظمة للمّ الشمل واستقدام أفراد العائلة بالنسبة إلى المهاجرين، وهي تشريعات تزداد صعوبة سنوياً مع توجه الحكومة إلى ما تسميه "ضبط الحدود" وتقليص أرقام الأجانب الوافدين إلى المملكة المتحدة سواء لغرض العمل أو الدراسة أو حتى اللجوء.
ووفق خطط الحكومة التي كشفت عنها "ورقة بيضاء" صدرت في مايو (أيار) الماضي، سيرتفع الحد الأدنى لدخل المهاجر الراغب في استقدام زوجته إلى 38700 جنيه إسترليني سنوياً مطلع عام 2026، مما يعادل أكثر من 51 ألف دولار أميركي، مقارنة بـ38 ألف دولار سنوياً تشترطها القوانين الحالية لهذا الغرض.
والحصول على أكثر من 50 ألف دولار كدخل سنوي في المملكة المتحدة ليس أمراً سهلاً، ولا تتشجع الشركات البريطانية على استقدام من تضطر إلى دفع رواتب لهم بهذه القيمة أو أكثر، إلا لمهنيين ومتخصصين شحت بهم سوق العمل المحلية، مما تحاول الحكومة أصلاً تقليصه أكثر فأكثر عبر تشديد قوانين العمالة الأجنبية.
والأجر السنوي المرتفع لا يطبق فقط على العمال المقيمين، وإنما على البريطانيين الراغبين في الزواج من أجنبي، وعندما يتعلق هذا الشرط بالمواطنين يطلق عليه في الإعلام المحلي اسم "ضريبة الحب" التي تمنع لم شمل عائلات كثيرة يعيش الأب أو الأم فيها بالمملكة المتحدة وبقية أفراد الأسرة في دولة أخرى قريبة أو بعيدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حتى في القيمة الحالية للدخل السنوي المطلوبة لإحضار الزوج أو الزوجة، والبالغة 38 ألف دولار، تسلمت لجنة حكومية كثيراً من الشكاوى التي تقدم بها بريطانيون من أجل خفضها إلى حدود 30 ألفاً، فهذا يساعد نسبة قليلة من الأسر قد لا تتجاوز ثلاثة في المئة على الاجتماع والعيش معاً في المملكة المتحدة، وفق تقرير مختص.
واللجنة كانت تعد بدراسة مطالب البريطانيين في هذا الصدد، ولكن بالنسبة إلى المهاجرين لا يبدو الأمر قيد المراجعة، بخاصة أن الحكومة تضع قيوداً أخرى على استقدام أفراد العائلة يجب أن تؤخذ في الاعتبار، ولا سيما بالنسبة إلى العمال الأجانب الذين لم يحصلوا على الإقامة الدائمة بعد أو أن نوع تأشيرتهم لا يسمح بمثل هذه الخطوة.
وكل الإجراءات يجب أن تؤدي إلى تقليص أعداد الأجانب أيّاً كان سبب وجودهم في الدولة، هذه هي القاعدة الذهبية لسياسات الحكومة "العمالية" اليوم وقد ورثتها من سابقتها "المحافظة" بعدما تحولت الهجرة والمهاجرين إلى عصاب دفع البريطانيين فضلاً عن أسباب أخرى، إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2020.
وبالنسبة إلى الطلبة الأجانب لم يعُد متاحاً أمامهم استقدام عائلاتهم إلا في حالات استثنائية حتى قبل وصول حزب العمال إلى السلطة في الرابع من يوليو (تموز) عام 2024، أما العمال الأجانب فهم بحاجة إلى تأشيرة عمل مستقرة وليست موقتة قبل كل شيء، ثم ينظر في الشروط المالية التي تقول وزارة الداخلية إنها للموازنة بين اقتصاد البلاد وخططها للهجرة من جهة وبين حاجة العائلات إلى العيش بكرامة وكفاية في بريطانيا من جهة ثانية.
ووفق هذه الآلية يحتاج العامل المهاجر إلى إثبات استقرار عمله وكفاية دخله لجلب أسرته، وكلما زاد عدد الأولاد ارتفع المبلغ المطلوب راتباً أو ادخاراً لإقناع الحكومة بقدرة الشخص على كفاية أفراد عائلته، وهنا تعرض بعض الشركات المساعدة على موظفيها المهاجرين وتتحمل طواعية رسوم التأشيرات ومبالغ التأمين الصحي.
وقيمة التأمين الصحي السنوي على الأجانب البالغين تقارب 1400 دولار للفرد، أما الأطفال دون عمر 18 سنة فهي تزيد على ألف دولار قليلاً، وتضاف إلى ذلك رسوم استصدار التأشيرة وتجديدها لكل واحد وهي أيضاً ليست مبالغ قليلة وتتبع الحكومات البريطانية المتعاقبة سياسة رفعها المستمر منذ تنفيذ "بريكست" عام 2020.
وعلى سبيل التشديد أيضاً، يقول الأكاديمي المتخصص في شؤون الهجرة ناندو سيغونا إن الحكومة لم تعُد تعترف إلا بما يسمى "العائلات الحقيقية" أي التي يعيش فيها الأب والأم معاً وليسا منفصلين، أما إذا كانا مطلقين فيجب على أيّ منهما إثبات أولاً أنه المعيل الوحيد للأولاد، وثانياً ضرورة لم شمله معهم في المملكة المتحدة.
وإن وقع الطلاق ضمن فترة الإقامة الموقتة للعائلة في بريطانيا، فمن الممكن أن يخسر الأبناء فرصة بقائهم في البلاد، وكانت أم برازيلية لجأت قبل فترة إلى القضاء لمنع ترحيل ولديها بعدما انفصلت عن زوجها وتغير نوع تأشيرتها، والترحيل أيضاً مصير كل من ينفصل عن شريكه البريطاني قبل الحصول على إقامة دائمة في المملكة المتحدة.
والقوانين البريطانية أيضاً تمنع الأجانب من إحضار أولادهم الذين تتجاوز أعمارهم 18 سنة حتى لو توافرت لديهم الملاءة المالية، فمن تجاوز تلك السن يعامل معاملة المهاجر المستقل وليس فرداً يحتاج إلى رعاية وإعالة، بالتالي يحتاج إلى عقد عمل أو منحة دراسية أو قبول جامعي أو تأشيرة زيارة في الحد الأدنى لدخول البلاد.
ولا تسمح القوانين أيضاً للعمال الأجانب بإحضار الأقارب للإقامة معهم في بريطانيا، فيمكنهم فقط استصدار تأشيرة زيارة لا تتجاوز ستة أشهر للأقارب من الدرجة الأولى كالأب والأم أو الأخ والأخت، ولكن حتى هذا الخيار مرهون بكثير من الشروط المالية وغير المالية إلى حدود يبدو فيها مستحيلاً لحملة عدد من الجنسيات.
والقوانين الناظمة لاستقدام العائلات ولم شملهم تبدي مرونة إزاء اللاجئين، فتعاملهم معاملة المواطنين منذ اللحظة الأولى للحصول على حق اللجوء، فمن وصل إلى البلاد من دون عائلته وقدم ما يثبت صلته بزوجته وأولاده سُمح له بإحضارهم من دون شروط أو متطلبات مالية، ومن أراد الزواج من وطنه الأم أو من دولة أخرى بعد لجوئه، فيطبق عليه ما يفرض على المواطن من الحد الأدنى للأجر وإثبات حقيقة العلاقة التي تربطه مع الشريك القابع خارج الحدود، فيقف أمام استحقاق "ضريبة الحب" لإحضار شريكه إلى البلاد.