ملخص
تصعب قراءة رواية "مع النساء ضد الحب"، للكاتب الجزائري محمد جعفر، من دون استدعاء شخصية كازانوفا وعقدته، ذلك الرحالة والكاتب الإيطالي الذي اشتهر بتعدد علاقاته الغرامية في القرن الـ18، التي ربما استغل فيها حاجة النساء إلى الحب والتقدير والكلام اللطيف كي يرضي غروره، كأنه ينشئ شبكة حول ذاته من السيدات المخدوعات بمعسول الكلام، مع حرصه أن تبقى علاقاته سطحية وعابرة.
على امتداد أكثر من 230 صفحة يتنقل بطل رواية "مع النساء ضد الحب" (دار ديوان - القاهرة)، للكاتب الجزائري محمد جعفر، بين "نوال" و"سعاد" و"منال" وغيرهن، ويقول صراحة: "لست إلا طالب متعة، وإن كنت لا أقلل من قيمة السحر حين يغشانا الحب". الأمر أقرب إلى سيرة كازانوفا العربي وحيله في الخداع، الإقدام والوعود ثم الهرب من دون أن يتحمل مسؤولية أي شيء. يحترز الكاتب في الاستهلال قائلاً: "هذه الرواية محض تخييل، ولا علاقة للشخصيات الواردة فيها بالواقع"، أي أنه يتجنب احتمال أن يتعامل القارئ مع النص بوصفه سيرة ذاتية أو اعترافات ماجنة، مثلما جاءت مذكرات كازانوفا أو قصة حياته كما رواها.
الذات هي الآخر
لكن جعفر يضع احترازه موضع التشكيك والتلاعب، لأنه أعاد التموقع داخل النص كبطل وراو باسمه الحقيقي واسم مدينته "مستغانم"، وبمهنته ككاتب ومؤلفاته المعروفة وصداقته لكتاب آخرين مثل أحمد طيباوي. فكيف ينفي ويزعم أن النص "محض تخييل" ثم يوظف سيرته واسمه على هذا النحو؟ لماذا لم يخترع اسم كاتب وهمي ويختلق له سيرة عاطفية؟ هذا هو التلاعب أن يؤسس للتخييل انطلاقاً من الذات نفسها، ثم يعيد النظر لها من مسافة حيادية بوصفها "آخر" متورطاً في غراميات.
أتاحت تلك التقنية أمام الكاتب فرصاً عدة للاتجاه نحو مسار آخر خاص بالكتابة وآليات النشر ونظام الندوات والمهرجانات الأدبية والمجاملات والروتين والجوائز، وعبر هذا المسار وردت إشارات إلى كتاب جزائريين آخرين مثل واسيني الأعرج وأحلام مستغانمي، وجوائز عربية مثل "كتارا" و"الملتقى".
كأن جعفر الكاتب يتوسل جعفر بطل النص، ليخبرنا بانطباعاته حول الأداء الثقافي وكيف يعيش ويتعامل الكتاب العرب عموماً، يتحدث عن إحدى الندوات قائلاً: "أما المشترك الوحيد بين الجميع فهو أن الرجال مفلسون والنساء دميمات عابسات يلونهن القبح، وإلى جانبهم لا بد أن يحضر بعض الرسميين، ممن يحبون تلبية دعوات كهذه للفت الانتباه". ثمة قدر من الادعاء والانعزال في الأداء الثقافي، ومعاناة الكاتب العربي من عدم التقدير والمجاملات الفجة ومنح الجوائز لمن لا يستحق، وفوق ذلك كله تحول تلك الأنشطة إلى ماراثون لصيد الفتيات والنساء.
الحب والرغبة
تختلف الرغبة عن الحب، فالأولى نزوع عابر موقت ينتهي بالإشباع، بينما الحب يتسم بالديمومة. يعطي النص أولوية لتأملات الحب والرغبة مع تعريف مكثف لكل امرأة أو شابة، سقطت في شباك الكاتب الكازانوفي. ولا يعني ذلك أنه الفائز والمنتصر في جميع العلاقات بالضرورة، فمثلما يمارس قدراً من الاحتيال والخديعة ثمة من تظهر في الأفق وتتلاعب به أيضاً.
ثم بدرجة أقل يستعرض شجون الكتابة وعالمها المحبط، وإن كانت الرواية لا تتأرجح فقط بين هذين المسارين وإنما تذهب أيضاً باتجاه محنة كورونا وما فرضته من عزلة ومرض وموت، ليصبح البطل أكثر شعوراً بالخواء وأشد رغبة في التعلق بأية امرأة تلوح في الأفق. أيضاً ثمة مسار رابع يتبدى في تعليقات الراوي المكثفة على الفضاء الجزائري وتحديداً مدينة مستغانم المطلة على البحر، والالتفات المهم إلى الحراك السياسي الذي تزامن مع سنوات بوتفليقة الأخيرة.
تلتقي تلك المسارات الأربعة: الغراميات، والكتابة، ووباء كورونا، والحراك السياسي، في نقطة مشتركة هي الإحباط أو الفشل. كأننا إزاء نص يتأرجح في جوهره بين نقد الذات والعام، والتعرية والفضح للجميع وأولهم الكاتب نفسه، فهو ليس مثالياً كما قد يتصوره بعضهم، وإنما هو أيضاً ضحية ظروف ومعادلات مجتمعه، مثلما شخصياته النسائية أيضاً ضحايا. نحن إزاء بطل يدور في حلقة مفرغة وفي فضاء محدود، لا يستقر على حب ولا امرأة، بل ينتقل من فشل إلى آخر، مثلما يحاصره الوضع السياسي وكورونا وحبسة الكتابة، بمزيد من الفشل والإحساس بعدم الجدوى. هنا يصبح الانجرار إلى الرغبة السرابية في النساء محاولة لإنجاز انتصار ما، يواجه به الشعور بالركود والملل الذي تفرضه عليه حياة سقيمة.
لا حيل معقدة
ليس ثمة حيل وألاعيب معقدة في اصطياد النساء، لأن البطل يلتقطهن كيفما اتفق، وعلى مستوى البناء لم يلجأ إلى حيل معقدة، واكتفى بترقيم الفصول عددياً في 22 فصلاً، ولم يكن ثمة داع إلى عنوان توسط الصفحة "المرأة التي أحب، المرأة التي أكره.. فصول لاحقة"، عقب الفصول الستة الأولى. بحكم أن البطل هو الراوي بضمير الأنا، كان ثمة حميمية في السرد ومساحة واسعة للاعتراف والتأمل سواء في الأحداث أو النتائج والمعاني والدروس المستفادة منها، لكن هذا لم يتح أية فرصة كي تقدم الشخصيات النسائية نفسها من وجهة نظرها، وتطلعنا على جانب آخر عنها غير ما يعرفه "جعفر" عنها، وهي معرفة سطحية ومضطربة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حتى الشخصية النسائية التي استمرت عبر فصول مختلفة، وارتبط بها "جعفر" عاطفياً، وحدث لها حمل وإجهاض، وتكشفت بعض أسرارها، ظلت تعالج باقتضاب شديد من منظور البطل فقط، وفق معلومات قليلة لا تخلو من شكوك إلى حد عدم تصديق رواية الإجهاض التي أخبرته بها! وتكاد لا توجد لدى الشخصيات دوافع قوية أو حتى جذور عميقة، فهي تظهر فجأة وتتلاشى سريعاً، فقط تحوم حول رغبات عابرة تواجه بها رتابة حيواتها.
المفارقة أن جعفر الكاتب المتخيل بطل النص لا يمل تكرار الكلام عن الحب مع كل قصة جديدة يتورط فيها: "لا يمكن لشيء أن يرفعنا عالياً كالحب، كما لا شيء مثله يجعلنا نذوي، وظهر أنه آن أوان خفوت لمعان ما كنت مأخوذاً"، مما يحكي عنه الراوي هنا قطعاً ليس حباً، وإنما رغبات سرابية ظل يطاردها على مدار النص.
ومعظم تأملاته وانكساراته الموقتة نتيجة كورونا أو المرض أو انهيار علاقته مع "نوال"، لم تسهم في تطور شخصيته نحو بداية مغايرة، أو فهم عميق لقيمة الحب، بل ظل على حاله يتراجع قليلاً ثم يعاود الهجوم، متحفزاً لأية رسالة أو رنة هاتف أو إشارة في "الماسنجر" كي تتحفز في داخله روح الصياد التي تترقب فريسة سيئة الحظ: "انتبهت إلى الهاتف يرن مجدداً معلناً وصول رسالة بريدية ’إس أم إس‘ هذه المرة، ولأني لم أستطع أن اتجاهل ما يحصل، قمت متحفزاً ومتقافزاً من مكاني لأمعن النظر إلى ما جاء فيها، ولأتعرف على من يكون المتصل. ثم، وفيما أنا أفعل، أسر إلي خاطري وهو يهتف في عناد: سحقاً محمد! هل أنت واثق مما تفعله؟ ثم ماذا لو زلت قدمك ثانية؟".