ملخص
الاضطرابات الجوية تلحق ضررا جسديا بالمسافرين واقتصاديا بشركات الطيران، وفي مقابل تطور التقنية للتنبؤ بتبدلات الهواء أمام الطائرات، دفعت التغيرات المناخية إلى زيادة عدد الاضطرابات الجوية وشدتها خلال الأعوام الأخيرة.
الموت نتيجة للاضطرابات الجوية التي تمر بها الطائرات أمر نادر للغاية، إذ لا توجد سجلات رسمية ولكن بعض المصادر تفيد بأن أربع وفيات فقط وقعت نتيجة لهذا الأمر منذ عام 1981، أما الإصابات فحدث ولا حرج كما يقال.
في أميركا وحدها سجلت 207 إصابات خطرة منذ عام 2009، وفقاً لأرقام المجلس الوطني لسلامة النقل، من بينهم 166 من أفراد طاقم الطائرة الذين كانوا يؤدون مهماتهم ولا يجلسون في مقاعدهم ليتحصنوا بأحزمة الأمان.
ووفق تقرير نشرته هيئة الإذاعة البريطانية، يحذر الخبراء من أن تغيرات المناخ تجعل السفر الجوي أكثر صعوبة، فمن الممكن أن يزيد ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الرياح في الغلاف الجوي العلوي من وتيرة الاضطرابات التي تواجه الطائرات وشدتها.
ويتوقع عالم الغلاف الجوي في جامعة "ريدينغ" بول ويليامز ازدياد عدد الاضطرابات الجوية الشديدة حول العالم خلال العقود المقبلة إلى الضعف أو ثلاثة أضعاف، كما يقول إن مقابل كل 10 دقائق من الاضطرابات تحدث اليوم قد تزيد المدة إلى 20 أو 30 دقيقة.
ومن الناحية العملية كلما ازدادت شدة الاضطرابات الجوية أصبحت أكثر خطورة وضرراً على الركاب والطائرات، وتشير الأرقام إلى أن تأثيرها يطاول نحو 5 آلاف رحلة حول العالم سنوياً من أصل 35 مليوناً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتعتبر الاضطرابات الجوية شديدة عندما تبلغ قوتها 1.5 "جي فورس"، وهي وحدة قياس قوة الحركة التي تتسبب فيها تيارات الهواء لجسد الطائرة، وهذه الدرجة كافية لترفع الشخص من مكانه إذا كان لا يضع حزام الأمان.
ووفق تقرير السلامة لمنظمة "الطيران المدني الدولي" لعام 2023، فإن 40 في المئة من الإصابات الخطرة التي طاولت المسافرين كانت بسبب الاضطرابات الجوية.
وتعد الطريق بين بريطانيا وأميركا وكندا والبحر الكاريبي من المناطق المعروفة باضطراباتها الجوية، وعلى مدى الـ40 عاماً الماضية، أي منذ بدأت الأقمار الاصطناعية برصد الغلاف الجوي، ازدادت تلك الاضطرابات بنسبة 55 في المئة فوق شمال الأطلسي، ولكن دراسة حديثة تتوقع أن يرتفع تواترها في مناطق أخرى مثل شرق آسيا وشمال أفريقيا وشمال المحيط الهادئ وأميركا الشمالية والشرق الأوسط.
ثمة ثلاثة أسباب رئيسة للاضطرابات الجوية، أولها الغيوم والعواصف الرعدية، ثم الفتحات الجبلية الهوائية وأخيراً تغير اتجاه الرياح وسرعتها في الأجواء الصافية الذي يسبب الاضطراب الأقوى لأنه غير متوقع ولا يمكن رؤيته.
ويعد تغير المناخ عاملاً رئيساً في زيادة الاضطرابات الجوية الناتجة من الغيوم والعواصف وتغير سرعة الرياح، فمثلاً يحمل الغلاف الجوي الأكثر دفئاً رطوبة زائدة تتّحد مع الحرارة لتسببا عواصف رعدية أكثر شدة.
وبصورة عامة يسبب تبدل حرارة الغلاف الجوي، تيارات هوائية عنيفة صاعدة وهابطة، أشدها ينتج مما يسمى "السحب الركامية" أو سحب العواصف الرعدية التي ضربت رحلة أندرو ديفيز عام 2024 فوق جنوب ميانمار، حيث تعرضت الطائرة لـ 19 ثانية من الاضطراب الشديد وانخفاض 178 قدماً في خمس ثوان.
وتفيد دراسة أميركية نشرت قبل أكثر من عقد بأن ارتفاع الحرارة عالمياً بمقدار درجة مئوية واحدة يؤدي إلى زيادة ضربات البرق بنسبة 12 في المئة، وبحسب تقارير مختصة ازدادت خلال الأعوام الماضية العواصف الكبيرة التي يصل قطرها إلى أكثر من 80 ميلاً، وهو أمر يفترض أنه نادر الحدوث.
ووفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة "يوغوف"، يخشى أكثر من خُمس البالغين في المملكة المتحدة الطيران، وقد يؤدي تفاقم شدة الاضطرابات الجوية وتواتر حدوثها إلى جعل الرحلات كابوساً أكبر لهؤلاء الأشخاص.
ومن ناحية التصميم، تنطوي أجنحة الطائرات المدنية على مرونة كبيرة، حتى إن بعض الأنواع يمكن أن ينحني جناحها بزاوية 25 درجة قبل أن ينكسر، ولم يحدث ذلك بفعل الاضطرابات الهوائية حتى الآن ولكن لا توجد ضمانات بألا يقع مستقبلاً.
وثمة محاولات قائمة من أجل الوصول إلى تصاميم جديدة لأجنحة الطائرات، مفصلية الطابع إن صح القول، يمكن أن تكون أكثر قدرة على امتصاص الضربات الجوية، ولكن لا تزال كل التجارب قيد الاختبار ويمكن ألا تصلح سوى للطائرات الصغيرة.
والضرر الذي تلحقه الاضطرابات الجوية بالركاب يتحمله قطاع التأمين أو المؤسسات الصحية بصورة أو بأخرى، لكن شركات الطيران تتكبد خسائر تتمثل في كلفة إصلاح الطائرات بعد تعرضها للاضطرابات تراوح قيمتها ما بين مئات آلاف الدولارات ومليوني دولار سنوياً.
أما تجنب الطرق الأكثر عرضة للاضطرابات الجوية، فيعني إطالة مدة رحلات الطيران وازدحام الممرات الآمنة إن جاز التعبير، كما أن إطالة وقت الطيران تعني زيادة الانبعاثات الكربونية المؤثرة في التغير المناخي، وتعني أيضاً زيادة كلفة السفر وتراجع جاذبيته بالنسبة إلى كثرٍ، بخاصة لغرض السياحة، مما يقود إلى انخفاض شركات القطاع.
وفي سياق احتواء خطر الاضطرابات الجوية يقوم التطور التقني بدور في توقعها والتنبؤ بها بنسبة كبيرة باتت تصل إلى 70 في المئة اليوم مقابل 60 في المئة قبل 20 عاماً، وفق عالم الغلاف الجوي آدامز، وعند توقع الاضطرابات يمكن لقائد الطائرة تجنبها أو محاولة التخفيف من وطأتها أو في الأقل إبلاغ الركاب والمضيفين لأخذ الحيطة.
ومن الناحية التقنية أيضاً يدرس معهد كاليفورنيا للتقنية استخدام الذكاء الاصطناعي في مواجهة الاضطرابات الجوية، فيبحث العلماء في حلول مبتكرة لتوجيه جسد الطائرة والأجنحة للتعامل مع تلك الاضطرابات، ولكن هذا الهدف لن يكون قريب التحقق وفق تقديراتهم.