ملخص
تحسين العلاقات بين الجارتين الأكثر سكاناً في العالم من شأنه أن يعزز منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة "البريكس"، إذ تضم هاتان المنظمتان اثنتين من كبرى الأسواق في العالم وأربع دول مسلحة نووياً وأربعاً من كبرى القوى العسكرية في العالم وكبرى دول العالم من ناحية المساحة وكثيراً من الدول الغنية بالموارد الطبيعية التي يمكن أن تتحدى الهيمنة الأميركية والغرب.
تشير تقارير إلى أن رئيس الوزراء الهندي مودي رفض في يونيو الماضي دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لزيارة الولايات المتحدة.
تشارك بكين ونيودلهي القلق إزاء تنامي النزعة القومية الاقتصادية والحمائية في الولايات المتحدة وأوروبا.
زيارة وزير الخارجية الهندي أيس جايشانكار إلى الصين بعد خمسة أعوام، أصبحت محط اهتمام لعدد من العواصم حول العالم وتطرح أسئلة حول ما إذا كانت الزيارة ستمهد لتحسين العلاقات بين الخصمين أم أنها مجرد عملية دبلوماسية روتينية.
ويرى بعض المتخصصين أن تحسين العلاقات بين نيودلهي وبكين قد يعزز مجموعة "بريكس" ومنظمة شنغهاي للتعاون.
علاقات متوترة
ظلت العلاقات بين البلدين متوترة بعد الاشتباكات الحدودية عام 2020 لكنها تحسنت في الأشهر الأخيرة، إذ زار عدد من الوزراء الهنود الصين لحضور اجتماعات مختلفة لمنظمة شنغهاي للتعاون، بينما التقى جايشانكار أيضاً الرئيس الصيني شي جينبينغ.
من جانب آخر، اتهمت كثير من الدوائر في الهند الصين بتزويد باكستان بالأسلحة أو مساعدتها ضد الهند بطرق مختلفة خلال الحرب الأخيرة بين باكستان والهند. وفي أعقاب هذه الاتهامات يتم تفسير هذا الاجتماع على أنه بمثابة تغيير في موقف الهند تجاه الصين.
لكن يجب ألا ننظر إلى الزيارة في سياق باكستان فحسب، إذ يعتقد كثير من المراقبين أن الرسوم الجمركية الأميركية تجبر الصين والهند على التقارب على رغم اختلافاتهما الكثيرة.
وفي حين فرضت واشنطن رسوماً جمركية صارمة على بكين، فإنها مارست ضغوطاً أيضاً على الهند واقترحت دلهي أن تفرض منظمة التجارة العالمية رسوماً جمركية انتقامية على الولايات المتحدة في هذا الصدد.
وتشير تقارير أيضاً إلى أن رئيس الوزراء الهندي مودي رفض في يونيو (حزيران) الماضي دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لزيارة الولايات المتحدة، في حين ردت الهند أيضاً بغضب على إعلان ترمب في شأن وقف إطلاق النار بعد الحرب الهندية - الباكستانية.
الخلافات بين الجانبين
هناك نقاط عدة تخالف فيها الهند سياسات الصين، على سبيل المثال، تشعر نيودلهي بالقلق إزاء تنامي نفوذ الصين في جنوب آسيا. ويعكس هذا الخلاف أو السباق في ارتفاع التبادل التجاري مع دول جنوب آسيا خلال الأعوام الـ12 السابقة من 100 مليار دولار إلى 200 مليار دولار.
إضافة إلى ذلك لدى الهند أيضاً تحفظات على سياسة الصين في تصدير المعادن الأرضية النادرة والأسمدة.
ومن الناحية الدبلوماسية يشكل الدعم الصيني لباكستان مصدر قلق للهند، كما تنظر نيودلهي بعين الريبة إلى علاقات بكين المتنامية مع دكا.
وتعد قضية التبت مصدراً آخر للصراع بين الهند والصين، إذ تدعم الهند علناً الدالاي لاما، وسمحت له بتشكيل حكومة موقتة في دارامسالا. وحضر عدد من الوزراء الهنود احتفالات الذكرى الـ90 لميلاد الدالاي لاما الأسبوع الماضي وهو ما أثار غضب الصين. وتعتقد الصين أن موافقتها ستكون ضرورية لاختيار خليفة الدالاي لاما في حين يرفض الدالاي لاما ذلك.
وعبر دبلوماسي صيني عن قضية التبت بأنها تشكل "شوكة في خاصرة العلاقات الصينية - الهندية".
هناك كثير من العقبات الأخرى التي تعترض العلاقات الهندية - الصينية، مثل التحالف العسكري بين الهند والولايات المتحدة واليابان وأستراليا الذي يهدف على ما يبدو إلى احتواء الصين.
إلى جانب ذلك، هناك نزاعات حدودية بين الجانبين على طول الحدود التي تمتد لأكثر من 3 آلاف كيلومتر.
إن العلاقات الودية العميقة بين الصين وباكستان والمساعدات العسكرية واحتكار الصين للمعادن النادرة هي أيضاً قضايا مهمة لا يمكن تجاهلها لتحسين العلاقات مع الصين.
في ضوء كل هذه العوامل، تفسر زيارة جايشانكار لبكين على أنها إشارة إلى حرص الهند على تحسين علاقاتها مع الصين.
ويعتقد المراقبون أن الدفء الحالي في العلاقات ليس أحادي الجانب، إذ تبدو بكين أيضاً حريصة على التقارب فقد سهلت الصين أخيراً أداء الحجاج الهنود في التبت للشعائر الدينية، وأشارت التقارير إلى أن الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين قد تبدأ قريباً.
المصالح المشتركة
تشارك بكين ونيودلهي القلق إزاء تنامي النزعة القومية الاقتصادية والحمائية في الولايات المتحدة وأوروبا، مما قد يؤدي إلى أضرار اقتصادية جسيمة للمنطقة وللعالم، مما يدفع البلدان إلى تعزيز التجارة الحرة.
ويسعى كلا البلدين إلى تسريع نموهما الاقتصادي، حتى إن بعض الأوساط الهندية تتمنى أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي للهند بمعدل تسعة في المئة لفترة طويلة، وهذا لا يمكن تحقيقه من دون تحسن العلاقات مع الصين، لأن الهند قد تواجه صعوبات جمة في الحصول على المعادن النادرة والأسمدة من دون اتفاق مع بكين حول الموضوع.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتعد المعادن ذات أهمية كبيرة في النمو، والحصول عليها أصبح مهماً في مجالات الدفاع والتكنولوجيا، وتستخدم المعادن في أجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة والسيارات الكهربائية ومعدات الدفاع، ومن دونها تصبح فكرة التكنولوجيا الحديثة عديمة الجدوى.
في حين أن بعض الدوائر في الهند ترغب في الاستفادة من السوق الصينية الكبيرة ومعادنها النادرة، فإن كثراً في الهند يعتقدون أيضاً أن مستقبل أكبر جمهورية في العالم يكمن في التحالف مع المعسكر الأميركي والغربي، إذ استثمرت كثير من الشركات الغربية بكثافة في الهند وأسهمت في نموها في مجال اللقاحات والبرمجيات وغيرها من القطاعات.
ويرى المراقبون أن التقارب بين الهند والصين ليس مستبعداً إذا ما فهمت الهند حساسية الصين تجاه قضية الاستثمار الأجنبي المباشر وقضية الدالاي لاما، من ناحية أخرى سيتعين على بكين أن تكون أكثر مرونة في شأن الأسمدة والمعادن والنزاعات الحدودية.
إضافة إلى ذلك ينبغي أن تكون منظمة شنغهاي للتعاون منصة للتعاون وليس لإثارة الخلافات، وفي حين أن الصين تتجنب إحالة الخلافات للمنظمة، حاولت الهند إثارة العلاقات الباكستانية - الهندية هناك.
"اليد الواحدة لا تصفق، وانطلاقاً من هذا المبدأ ينبغي على الصين معالجة مخاوف نيودلهي التي بدورها يجب أن تتجنب تحويل منصة التعاون إلى نافذة الشكاوى من أجل تحسين العلاقات مع منافستها في الأعوام المقبلة.
ثمة رابط مهم آخر في هذا التحسن يتمثل في الرئيس الأميركي ترمب الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته. ففي الوقت الحالي، تجبر سياسات ترمب التجارية العدائية الهند والصين على التقارب، ولكن إذا تغيرت سياساته فستشهد هذه العلاقات تغييراً أيضاً.
إن تحسين العلاقات بين الجارتين الأكثر سكاناً في العالم من شأنه أن يعزز منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة "البريكس"، إذ تضم هاتان المنظمتان اثنتين من كبرى الأسواق في العالم وأربع دول مسلحة نووياً وأربعاً من كبرى القوى العسكرية في العالم وكبرى دول العالم من ناحية المساحة وكثيراً من الدول الغنية بالموارد الطبيعية التي يمكن أن تتحدى الهيمنة الأميركية والغرب.