Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أطفال غزة يأكلون العشب... وأنا عاجز عن إقناع صغيري بتناول الخضراوات

تخيل أن تعيش في بريطانيا بينما أشقاؤك ينبشون في أنقاض منزلهم المدمر بحثاً عن بعض علب الفول. هذا هو واقع أحمد نجار، الذي يصف في هذا المقال الحميمي والمؤلم رعب معرفته بأن عائلته تموت ببطء جوعاً على بُعد آلاف الأميال، فيما تقف الحكومات موقف المتفرج

فلسطينيون يتضورون جوعاً ينتظرون الحصول على وجبة من جمعية خيرية (أ ف ب/ غيتي)

ملخص

أفراد عائلة فلسطينية يخاطرون بحياتهم في مناطق القتال لنبش الأنقاض بحثاً عن علب طعام، فيما تُطعم أمٌ أبناءها الأعشاب، في مشهد مجاعة من صنع الإنسان، مفروضة ومتعمدة، تقف وراءها سياسات دولية تتجاهل الكارثة. بريطانيا تواصل بيع الأسلحة لإسرائيل، وتوفر لها غطاءً دبلوماسياً، فيما الجوع يُستخدم سلاحاً لقتل المدنيين ببطء.

تحدثت إلى والدتي البالغة من العمر 75 سنة في غزة قبل أيام. كان صوتها يرتجف، لا من الخوف هذه المرة بل من شدة الجوع. أخبرتني أن شقيقي وابن أخي عادا إلى جباليا، حيث كان منزل العائلة قبل أن تحوله القنابل الإسرائيلية إلى كومة من الركام. تذكرا وجود ثلاث علب فول في مكان ما تحت الأنقاض، تركت هناك وسط فوضى التهجير القسري، فاتخذا قرار العودة.

من الساعة التاسعة صباحاً إلى الرابعة عصراً، حفرا بأيديهما العاريتين تحت شمس يوليو (تموز) الحارقة، في منطقة لا تزال تصنفها القوات الإسرائيلية "منطقة قتال". كانا يعلمان أنهما قد يتعرضان لإطلاق النار، وأن ضربة من طائرة مسيرة قد تباغتهما خلال أية لحظة، لكن لم يكن لديهما خيار، وكانا يتضوران جوعاً.

وهذا ما وصلت إليه الحال، فلسطينيون يخاطرون بالموت وهم ينبشون أنقاض منازلهم، لا لدفن موتاهم بل لاستخراج بضع علب من الفول.

في هذه الأثناء، قضت شقيقتي ساعات تبحث عن شيء –أي شيء– تطعم به أطفالها الأربعة، الذين تراوح أعمارهم ما بين الـ10 والـ16. لكنها عادت خالية الوفاض، ولم تجد سوى بعض الأعشاب. وهذا ما أطعمته لهم خلال ذلك اليوم. لم يكن لديها شيء آخر.

ما يحدث في غزة ليس مجاعة سببها الطبيعة. ليس قدراً قاسياً، ولا نتيجة جفاف أو أزمة مناخية أو انهيار في سلاسل الإمداد، إنها مجاعة من صنع الإنسان، متعمدة ومدروسة ومفروضة.

أعلن مدير أكبر مستشفى داخل غزة وفاة 21 طفلاً بسبب سوء التغذية والجوع خلال الأيام الثلاثة الماضية، 21 إنساناً تحولوا إلى مجرد أرقام. وتحذر منظمات الإغاثة من أن ربع مليون شخص في غزة باتوا على حافة المجاعة، وأن الوضع سيتدهور بسرعة ما لم تقدم مساعدات فورية.

نحن نشهد عملية إبادة بطيئة ومقصودة، لا تنفذ بالقنابل فحسب بل بالجوع والحرمان والتدمير المنهجي لكل ما يجعل البقاء ممكناً. وحذرت الأمم المتحدة من أن غزة تقترب من مجاعة شاملة، لكن المجاعة ليست مجرد خطر يلوح في الأفق، لقد باتت واقعاً قائماً.

 

أكتب هذه الكلمات من لندن، إذ أعيش منذ 22 عاماً. أعمل في مجال المال وأقيم في منزل مريح في إزلنغتون، أجلس إلى طاولة وأمشي إلى مطبخي، وأفتح ثلاجة مملوءة بالطعام. أغلي الماء لأعد كوب شاي، أمر على متاجر وأسواق تفيض بالبضائع، ويغمرني الغثيان. يغمرني الذنب. يغمرني العجز. أتناول طعامي وأختنق بالخجل.

أنام وأستيقظ شاعراً أنني تخليت عن أهلي، شقيقي ينقب في ركام منزلنا المدمر بحثاً عن علب طعام، بينما أشعر بنعومة الفراش تحتي. وشقيقتي تطعم أبناءها عشـباً، في حين أن طفلي البالغ من العمر 10 أشهر في لندن يبصق البازلاء لأنه قرر أنه لا يستسيغ طعمها.

ما من كون أخلاقي يمكن فيه تبرير ما يحصل في غزة.  

يوم الإثنين الماضي، دعا وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي ونظراؤه من 24 دولة أخرى، من بينها فرنسا وكندا وأستراليا، إسرائيل إلى رفع القيود المفروضة على تدفق المساعدات إلى غزة. وضمن بيان مشترك صدر بعد ظهر اليوم نفسه، قال الساسة "إن معاناة المدنيين في غزة بلغت مستويات غير مسبوقة. نموذج إيصال المساعدات الذي تتبعه الحكومة الإسرائيلية خطر، ويؤجج الاضطرابات ويسلب الغزيين كرامتهم الإنسانية".

أدانت هذه الدول نموذج إيصال المساعدات الحالي الذي تدعمه الحكومتان الإسرائيلية والأميركية، والذي أفادت تقارير بأنه أدى في مناسبات عدة إلى إطلاق جنود الجيش الإسرائيلي النار على مدنيين فلسطينيين أثناء بحثهم عن الطعام. وعند سؤاله عن انطباعه الشخصي تجاه المشاهد الواردة من غزة، قال وزير الخارجية لبرنامج "بي بي سي بريكفاست"، "أشعر تماماً كما يشعر الشعب البريطاني، بالصدمة والاشمئزاز. وصفت ما رأيته أمس في البرلمان بأنه مشهد رهيب".

ومع ذلك، تواصل حكومتي -الحكومة البريطانية- بيع الأسلحة لإسرائيل. وتوفر لها غطاءً دبلوماسياً في الأمم المتحدة. وتكرر العبارات المستهلكة حول "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، بينما تتضور عائلتي وآلاف العائلات مثلها جوعاً حتى الموت.

هذا ليس تواطؤاً سلبياً. بل أراه مشاركة فاعلة.

يستخدم الجوع كسلاح في هذه الحرب، وبريطانيا تسهم في تمويل الحصار. يتحدث سياسيونا عن السلام والاستقرار، بينما يدعمون نظاماً يقصف المخابز ويطلق النار على قوافل المساعدات، ويحول الطعام إلى ساحة معارك. يتحدثون عن "التوازن" بينما تحتضر غزة ببطء. فأي توازن هذا حين يسيطر طرف واحد على السماء والحدود والمياه والكهرباء والطعام، وحتى الهواء؟

 

منذ أيام فحسب، أفادت تقارير بأن القوات الإسرائيلية أطلقت النار على حشد من الفلسطينيين الجائعين أثناء انتظارهم الحصول على الطحين. قتل ما لا يقل عن 93 شخصاً. أطلق عليهم النار بينما كانوا يحاولون أن يأكلوا. ومات بعضهم وهم لا يزالون يمسكون بأكياس فارغة. ما الجريمة التي ارتكبوها؟ الجوع؟

في غزة، كل يوم تبقى فيه على قيد الحياة هو صورة من صور المقاومة. كل لقمة هي معركة، وكل يوم تبقى فيه عائلتي على قيد الحياة هو فعل تحد في وجه عالم قبل موتهم كأمر حتمي.

بعدما تعرضت قافلة مكونة من 25 شاحنة محملة بالمساعدات الغذائية الحيوية لإطلاق نار من دبابات إسرائيلية وقناصة ونيران أخرى، وذلك بعد اجتيازها آخر نقطة تفتيش، قال برنامج الأغذية العالمي "بلغت أزمة الجوع في غزة مستويات غير مسبوقة من اليأس. يموت الناس بسبب انعدام المساعدات الإنسانية. وسوء التغذية ينتشر بسرعة، مع وجود 90 ألف امرأة وطفل في حاجة ماسة للعلاج. ما يقارب شخصاً واحداً من كل ثلاثة يعيش أياماً عدة دون تناول أي طعام".

لا يمكنني أن أصف العذاب الذي أعيشه وأنا أعلم أن أحبائي -أمي وأبي وأخواتي وأخي وبناتهم وأبناءهم- يتضورون جوعاً، بينما يشاهدهم العالم ولا يفعل شيئاً. وأن البلد الذي أعيش فيه الآن، وأدفع فيه ضرائبي، وأحاول أن أعتبره موطني، متورط بصورة مباشرة في معاناتهم. الشعور بالذنب لا يزول. ويجب ألا يزول.

لأننا نسهم في حدوث ما يجري. بصمتنا. بمالنا. بجبننا السياسي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أطفال غزة لا يتضورون جوعاً لأن العالم عاجز عن مساعدتهم. بل لأن العالم اختار ألا يساعدهم. لأنه اعتبر أنه يمكن الاستغناء عن أرواحهم. لأنه لا ينظر إلى الفلسطينيين على أنهم بشر بصورة كاملة. ولأن كثراً في الغرب يعتقدون حتى اليوم بضرورة حماية القوة الإسرائيلية مهما كلف الأمر، ومهما سحقت من أرواح بريئة.

أكتب لأن هذا سلاحي الوحيد. أكتب لأن صوتي هو الشيء الوحيد الذي تبقى كي أرسله عبر الحدود. وأكتب لأنني لو لم أكتب، فسيفوز الصمت.

لكنني أكتب أيضاً كي أسأل، ماذا ستفعلون؟

يوماً ما، سينتهي كل هذا. يوماً ما، سينقشع الغبار. وسوف تحصى القبور. وسوف تسأل غزة، أين كنتم؟ ماذا فعلتم عندما كان الجوع ينهشنا؟

وأنا أيضاً سأسأل.

لأن عائلتي جائعة، وشعبي جائع، والعالم يتفرج.

وإن أشحتم بنظركم، فأنتم جزء من هذه الجريمة أيضاً.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من الشرق الأوسط