ملخص
إثر غزو أوكرانيا انحسر النفوذ الروسي في دول سوفياتية سابقة كانت تعتمد عليها عسكرياً وتعاظم استقلالها عنها اقتصادياً وعسكرياً ولكن في وسع موسكو بسط نفوذها من جديد في المنطقة.
ليست الحرب الشاملة التي شنتها روسيا على أوكرانيا سوى جزء من حملة أوسع هدفها إعادة بسط دائرة النفوذ الروسي في منطقة أوراسيا التي كانت منضوية تحت لواء الاتحاد السوفياتي سابقاً. شكل الاجتياح في عام 2022 صدمة في أوساط كثر من جيران روسيا في شرق أوروبا وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى، إذ أكد مخاوفهم من تشكيل روسيا خطراً على سيادة بلدانهم ووحدة أراضيها، لكن الحرب في أوكرانيا تشتت انتباه موسكو وتستنزف الموارد الروسية. وشرع الأمر فرصة سانحة أمام كثير من هذه البلدان. وقد استغلت هذه لحظة التشتت التي تعيشها موسكو من أجل تعزيز العلاقات في ما بينها كما أرست شراكات خارج المنطقة ووطدتها، وخففت بعض الروابط التي لا تزال تجمعها بالإمبراطورية السابقة.
ومع أن دولاً عدة في أوراسيا تجنبت انتقاد الغزو الروسي، غير أنها ترسي على الأرض واقعاً يرسخ سيادتها واستقلالها - وهذا أحد الأهداف الأساسية للسياسة الأميركية في المنطقة منذ تسعينيات القرن الماضي. وفي وقت عطلت فيه حاجة الجيش الروسي للسلاح قدرة موسكو على الوفاء بتعهداتها في مجال تصدير الأسلحة، قصدت دول مثل أرمينيا موردين آخرين في أوروبا والهند، فيما تشتري دول أخرى في المنطقة أسلحتها من تركيا أو حتى الصين. وبينما سحبت روسيا قواتها ومعداتها العسكرية من قواعدها العسكرية في القوقاز وآسيا الوسطى بهدف إعادة نشرها في أوكرانيا، أخذت بعض الدول في المنطقتين بحل نزاعات طالما استغلتها روسيا لتحقيق مصالحها الخاصة. كما يخلق تعزيز التعاون بين دول المنطقة بصورة عامة فرصاً جديدة للارتقاء بمستوى التواصل التجاري وتشكيل بدائل جديدة عن طرق النقل عبر روسيا. إن تخفيف دول المنطقة من حاجتها للاعتماد على الدولة التي فرضت هيمنتها عليها سابقاً، وهي حاجة رسمت وجه علاقتها بها، جعلها أكثر قدرة على التعامل مع روسيا (وغيرها من القوى) حسب شروط مواتية لها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن التاريخ يعلمنا أن موسكو قادرة على الذهاب إلى أبعد الحدود حفاظاً على هيمتنها الإقليمية. في عام 2014، وقبل غزوها الموسع لأوكرانيا، ضمت روسيا إليها شبه جزيرة القرم وتدخلت في منطقة دونباس، وقبل ذلك في عام 2008، اجتاحت جورجيا. ما زال الكرملين حتى اليوم يعد أوكرانيا ودولاً أخرى كثيرة ملكاً له. ومع أن بيلاروس وأوكرانيا تتصدران سلم الأولويات بالنسبة إلى موسكو، إلا أن الكرملين يطمح كذلك إلى فرض وصاية معينة على أرمينيا وأذربيجان وجورجيا وكازاخستان ومولدوفا وما زال ينظر إلى باقي دول آسيا الوسطى بعين الإمبراطورية السابقة، وإن كانت نظرته أخف وطأة بعض الشيء. عندما صدر مفهوم السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية المنشور في عام 2003، وهو وثيقة التخطيط الاستراتيجي التي توضح المبادئ الأساسية والأولويات في السياسة الخارجية الروسية، أحيا من جديد مصطلح "الخارج القريب" لوصف هذه البلدان، ولفت إلى ارتباطها بروسيا "منذ قرون طويلة في إطار تقاليد الدولة المشتركة، وإلى الترابط العميق... واللغة المشتركة، والثقافات المتشابهة" ذريعة لمحاولات إبقائها داخل نطاق نفوذ موسكو. عندما يهدأ القتال في أوكرانيا، من شبه المؤكد أن الكرملين سيصعد جهوده لإرغام جيران آخرين على الانضمام إلى الهيئات المتعددة الجهات التي تدعمها روسيا، وعلى تعزيز العلاقات الاقتصادية بينهما وتبني قوانين تسن على نسق القوانين الروسية التي تستهدف المجتمع المدني والقبول بدور عسكري واستخباراتي روسي أكبر على أراضيها.
وتسعى دول الداخل الأوراسي على تعزيز الروابط في ما بينها، وترتقي بمستوى تعاونها مع بعضها بعضاً وحتى تتخذ بعض الخطوات نحو السلام، لكنها في حاجة إلى مواصلة السير في هذا الاتجاه من أجل مقاومة محاولات روسيا لإعادة بسط سلطتها عليها مستقبلاً. ولهذا السبب، من الضروري أن تقوم الولايات المتحدة إلى جانب الاتحاد الأوروبي ودول مثل الهند وإسرائيل واليابان وكوريا الجنوبية وتركيا والمملكة المتحدة باستثمارات جديدة في البنى التحتية العابرة للحدود وسلاسل الإمداد والدفاع والتواصل الدبلوماسي المستمر من أجل تعزيز الاستقرار الإقليمي. ستستمر دول المنطقة في البحث عن طرقها الخاصة لتقليص اعتمادها التاريخي على موسكو - لكن على واشنطن وحلفائها أن يساعدوها في قلب موازين القوى وترجيح كفتها.
فراغ في موقع السلطة
في البداية نجم عن انعطاف انتباه روسيا ومواردها نحو أوكرانيا فراغاً في دول القوقاز وآسيا الوسطى أجج الاضطرابات والصراعات. خلال خريف عام 2022، اشتعل التوتر الحدودي بين أرمينيا وأذربيجان، وبين قرغيزستان وطاجيكستان بصورة عنيفة. وفيما لعبت روسيا في السابق دور الوسيط الأساس الذي يمنع اتساع رقعة هذه الصراعات، فهي لم تكن قادرة في تلك الفترة على أداء هذا الدور لانشغالها بسحب قواتها من القوقاز وآسيا الوسطى في سبيل تعزيز جبهات القتال الأمامية في أوكرانيا.
وفي وقت أول، أسفر عجز موسكو عن تصاعد وتيرة الاشتباكات الحدودية قديمة العهد على الحدود بين قرغيزستان وطاجيكستان في وادي فرغانة. وقد ذهب ضحية الاشتباكات أكثر من 100 قتيل من بينهم 37 مدنياً على أقل تقدير فيما نزح ما يزيد على 10 آلاف شخص بسببها، قبل أن تهدأ فصولها. لكن بعد ذلك، تبين أن غياب موسكو مفيد، إذ تعمد قادة البلدين التفاوض في غياب روسيا. وفي وقت سابق من العام الحالي، توصلت قرغيزستان وطاجيكستان إلى اتفاق لتسوية خلافاتهما الحدودية في وادي فرغانة. وأفضى الاتفاق إلى عقد أول مؤتمر قمة يجمع قادة من قرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان، في مارس (آذار) 2025 في خجند بطاجيكستان، للبحث في تعزيز التعاون في المنطقة المشتركة بين الدول الثلاث.
لكن انفجار الوضع في جنوب القوقاز جاء أعنف من الاشتباكات الحدودية بين قرغيزستان وطاجيكستان. عقب الاجتياح الشامل لأوكرانيا، سحبت روسيا بعض قوات حفظ السلام التابعة لها من أرمينيا، بعدما نشرتها هناك تنفيذاً لشروط اتفاقية الهدنة المبرمة بين أرمينيا وأذربيجان في عام 2020، ورفضت بعد ذلك مناشدات تقديم المساعدة العسكرية من أرمينيا، زميلتها في عضوية منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وهي تكتل أمني إقليمي هدفه المعلن حماية أعضائه من أي هجمات. لكن أذربيجان، التي توقعت من روسيا أن تظل على الحياد، اجتاحت ما تبقى من ناغورنو قره باغ التي تحتلها أرمينيا في ربيع 2023. وخلال الهجوم، أطلقت القوات الأذرية النار على قوات حفظ السلام الروسية حتى. وفي النهاية، أعادت باكو احتلال ناغورنو قره باغ بالقوة، وحلت الجمهورية الأرمينية الانفصالية في المنطقة. وقد غادرها كل سكان المنطقة من الأرمن تقريباً.
خلف سقوط ناغورنو قره باغ أثراً كبيراً في رسم وجه الجغرافيا السياسية في المنطقة، إذ غادرت قوات حفظ السلام الروسية المتبقية المنطقة، وبدأت باكو ويريفان بشق مسار عسير نحو السلام. حتى الآن، التقى المفاوضون الأرمن والأذريون مرات عدة وقد أعلنوا في مارس (آذار) عن توافقهم على نص معاهدة سلام من شأنها تطبيع العلاقات بين البلدين وحل المطالبات الإقليمية المتضاربة. كما ستصادق على مغادرة قوات حفظ السلام الأجنبية المنطقة، مما يشكل حماية من أي محاولات مستقبلية لإعادة نشر القوات الروسية. ومع أن الاتفاق لم يوقع بعد ويحتمل أن يفشل، فإن التقدم المحرز حتى الساعة إيجابي.
سارت المفاوضات بين أرمينيا وأذربيجان كما بين قرغيزستان وطاجيكستان دون أي وساطة من موسكو. طالما انطوت استراتيجية الكرملين لبسط نفوذه في المنطقة على إدارة الصراعات بين جيرانه الأصغر حجماً بهدف الإبقاء على تعويلهم عليه، وتقول دعابة قديمة إنه في الصراع بين أرمينيا وأذربيجان، الطرف الذي تدعمه روسيا دائماً هو طرف الصراع، لكن في غياب موسكو، أصبح من الممكن تحقيق انفراجات دبلوماسية. تمكنت دول الاتحاد السوفياتي سابقاً في أوراسيا من اتخاذ خياراتها الخاصة بصورة أكبر، واختارت التعاون ووجدت نفسها قادرة على حل نزاعاتها الخاصة.
ملء الفراغ
أفسحت الحرب في أوكرانيا المجال لتدخل دول أخرى في الرقعة الواقعة تقليدياً تحت سيطرة روسيا. ومع أن معظم هذه الدول تربطها علاقات جيدة مع موسكو ولا تزعم أي محاولة لموازنة سلطة روسيا هناك، غير أن زيادة الروابط بين دول داخل أوراسيا والعالم الأوسع يعزز استقلال الدول الأصغر عن السلطة الروسية. وعلى سبيل المثال، حاولت أرمينيا إنهاء اعتمادها على الأسلحة الروسية فاشترت أنظمة عسكرية جديدة من فرنسا والهند (وجاء خيارها للهند جزئياً من أجل موازنة الدعم الباكستاني لأذربيجان). واشترت يريفان أسلحة هندية بقيمة 1.5 مليار دولار بين عام 2022 و2023 فقط. ومن جهة أخرى تستثمر السعودية والإمارات في قطاعات الطاقة الخضراء والزراعة في أذربيجان، فيما قامت شركة إماراتية بأكبر استثمار في مجال العقارات بتاريخ جورجيا في يناير (كانون الثاني). واعتمد الاتحاد الأوروبي في 2022 أول استراتيجية متخصصة بآسيا الوسطى ليصبح اليوم أكبر مصدر للاستثمارات الأجنبية في المنطقة.
وتعد الصين من أبرز اللاعبين إلى جانب روسيا، ولا سيما في آسيا الوسطى. وارتفعت قيمة التبادل التجاري بين الصين وبلدان آسيا الوسطى الخمس من 89.4 مليار دولار في 2023 إلى 94.8 مليار دولار في 2024، وبلغت أكثر من ضعف قيمة التبادل التجاري بين هذه البلدان وروسيا. كما تقود بكين الاستثمارات في مشاريع أساسية من البنية التحتية من بينها مد أنابيب غاز من تركمانستان مروراً بباقي آسيا الوسطى، وإنشاء خط سكة حديد يربط بين مدينة كاشغر في إقليم شينجيانغ الصيني ومدينة أنديجان في أوزبكستان. والعام الماضي، فاز ائتلاف شركات صينية وسنغافورية بمناقصة من أجل إنشاء ميناء حاويات جديد في المياه العميقة في أنكاليا وجورجيا بعدما ألغت تبليسي اتفاقية سابقة مع ائتلاف شركات أميركية - جورجية. تحولت آسيا الوسطى بسرعة إلى سوق يعتد به صانعو السيارات في الصين، ولا سيما من بينهم صانعو السيارات الكهربائية.
وإضافة إلى دورها الاقتصادي المتعاظم، توسع بكين بهدوء حضورها العسكري. وشهدت طاجيكستان أكبر توسع للعلاقات الأمنية، إذ تنشر بكين على حدود البلاد مع أفغانستان قوات من الشرطة الشعبية المسلحة، وهي القوة شبه العسكرية الرئيسة في الصين، وتبيع الأخيرة أسلحة ومعدات للبلاد فيما تشارك في تدريبات عسكرية مشتركة مع نظرائها في طاجيكستان. ووقعت دول أخرى في آسيا الوسطى اتفاقات لشراء أنظمة جوية دفاعية صينية، ووفقاً لمسؤولي الدفاع في طشقند، شارفت أوزبكستان أيضاً على وضع اللمسات النهائية على صفقة لشراء طائرات عسكرية تنتجها الصين وباكستان.
تسعى دول الاتحاد السوفياتي السابق في أوراسيا إلى تقليص اعتمادها التاريخي على موسكو
قد يثير توسيع وجود الصين داخل أوراسيا هواجس واشنطن ويؤجج مخاوفها من استبدال النفوذ الصيني بالروسي، لكن هذا الوجود يساعد على حماية دول المنطقة من خطر روسيا الثأرية المباشر. من شأن ميناء أنكاليا مثلاً أن يعزز التجارة بصورة كبيرة في جورجيا، وليس مع الصين فحسب، بل مع شركاء آخرين أيضاً، مما يقلص من اعتماد البلاد الاقتصادي على روسيا. وعلى رغم من علاقتها الوثيقة مع موسكو، أوضحت بكين أنها تعارض النشاطات الروسية التي قد تخالف مصالحها الاقتصادية، ويشمل ذلك تهديد سيادة أحد شركائها التجاريين ووحدة أراضيهم.
وفي المنطقة لاعب قوي آخر هو تركيا، العضو في حلف "الناتو". بإيعاز من أنقرة، تمارس منظمة الدول التركية - التي تأسست بهدف تعزيز الروابط الثقافية بين تركيا وأذربيجان ودول آسيا الوسطى الناطقة باللغة التركية - ضغطاً متزايداً من أجل تحقيق التعاون في مجال الطاقة بين دول بحر قزوين، بما يشمل احتمال تنفيذ مشروع لتصدير الغاز الطبيعي من تركمانستان إلى أوروبا ومشروع آخر للاستثمار المشترك في قدرات إنتاجية جديدة على ضفتي بحر قزوين. كما أدى الدعم التركي في تحديث جيش أذربيجان دوراً حاسماً في إلحاق هذه البلاد الهزيمة بأرمينيا المدعومة (افتراضياً) من الروس، في عامي 2020 و2023. ولفتت انتصاراًت أذربيجان الساحقة الأنظار بصورة كبيرة في المنطقة. وأثبتت أنه بالإمكان إعادة هيكلة جيش يمتلك إرثاً سوفياتياً وفقاً للمعايير الغربية، كما من الممكن أن ينتصر هذا الجيش في حرب بعدها. ربما قدرت دول أخرى في المنطقة، بدعم من تركيا، أن تعزز التغيير المؤسسي والثقافي داخل جيوشها وتتطور تماشياً مع "الناتو".
وبنظر دول عديدة خلق انتصار أذربيجان كذلك اهتماماً جديداً بالتقنيات الدفاعية التركية. وقد اشترت كل دول آسيا الوسطى ما خلا طاجيكستان الآن مسيرات تركية، فيما وافقت شركة "بايكار" التركية المصنعة للمسيرات الخريف الماضي على إنشاء موقع لإنتاج مسيراتها في كازاخستان. وتسعى أنقرة في الوقت نفسه إلى إرساء أشكال أخرى من التعاون الأمني مع هذه الدول، تتضمن التدريب وتقديم المشورة والتدريبات المشتركة وتقديم تعليم عسكري احترافي. حتى في أرمينيا التي تربطها علاقات متوترة تاريخياً مع تركيا، يدرس بعض كبار المسؤولين مسألة التعاون في مجال الدفاع مع أنقرة في أعقاب توقيع اتفاق سلام مع أذربيجان. فمن خلال تطبيع العلاقات وفتح الحدود بين تركيا وأرمينيا بعد مدة طويلة من إغلاقها، وفتح الباب أمام زيادة الاستثمارات التركية، من شأن اتفاق السلام بين أرمينيا وأذربيجان أن يعزز النفوذ التركي في جنوب القوقاز إلى حد كبير - وهذا قد يكون أحد أسباب سعي موسكو الآن لافتعال شجار مع الرئيس الأذري إلهام علييف (بعدما أسقط سلاح الجو الروسي طائرة أذرية من طريق الخطأ) ورئيس الوزراء الأرمني نيكول باشنيان (على خلفية مزاعم دعم روسي لمؤامرة انقلابية محتملة) بهدف الحيلولة دون التوصل إلى اتفاق نهائي.
شبكات جديدة
من ناحية أخرى، برزت أشكال تجارية وأنماط نقل جديدة تربط داخل أوراسيا بالأسواق العالمية. وكما حصل حينما أنشأ خط أنابيب باكو – تبليسي - جيهان وخط أنابيب الغاز باكو – تبليسي - أرضروم في مطلع القرن الحالي، فإن توسيع خطوط الأنابيب وخطوط سكك الحديد والطرقات من الشرق إلى الغرب خلال العقد الماضي يسمح للدول الصغيرة في القوقاز وآسيا الوسطى بالحصول على مورد دخل إضافي من خلال رسوم الترانزيت ويشرع أسواقاً جديدة أمام مصدري موارد الطاقة في المنطقة. ومن شأن هذا الدخل والأسواق الجديدة أن يقلصا اعتماد اقتصاداتها على روسيا.
إن معظم مبادرات تشييد بنى تحتية جديدة تأتي من بلدان القوقاز وآسيا الوسطى أنفسها. بعد تعطيل موسكو المتكرر لضخ النفط من كازاخستان عبر أنبوب تنغيز - نوفوروسيسك Tengiz-Novorossiysk، في إشارة إلى استياء روسي من انتقاد أستانة لغزو أوكرانيا، بدأت كازاخستان بإرسال كميات أكبر من نفطها الذي تضخه إلى أوروبا عبر خط أنابيب باكو – تبليسي - جيهان، ملتفة بذلك على روسيا. منحت واشنطن وبروكسل دعماً سياسياً واقتصادياً وافراً لتشييد هذا الطريق الذي افتتح في العام 2006. وفي مارس (آذار) 2024 أبرمت كازاخستان اتفاقاً جديدة مع أذربيجان لتوسيع عمليات نقل شحنات النفط عبر خط الأنابيب.
وقد يشكل ابتعاد أوروبا عن الغاز الطبيعي الروسي بعد 2022 نعمة أخرى بالنسبة إلى دول الإنتاج والعبور في المنطقة. في يوليو (تموز) 2022، وقعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مع علييف مذكرة تفاهم لمضاعفة صادرات الغاز من أذربيجان إلى الاتحاد الأوروبي. ومنذ ذلك الوقت، وافقت تركمانستان بالمبدأ على إرسال الغاز إلى أوروبا عبر أذربيجان وتركيا - وساعدها بذلك اتفاق يعود إلى عام 2021 بين باكو وعشق آباد لحل خلافاتهما المتعلقة بتشارك موارد بحر قزوين. وتتطلع الشركات والحكومات الأوروبية إلى المنطقة باعتبارها مصدراً محتملاً للطاقة النظيفة، ولا سيما في ظل مساعي أذربيجان تحديداً إلى تطوير قدرات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتخفيف اعتمادها على صادرات النفط والغاز.
ربما تكون أهم مبادرة للنقل التجاري هي الممر الأوسط، المعبر الذي دشنته في عام 2013 شركات نقل من أذربيجان وجورجيا وكازاخستان، وهو يربط الصين بأوروبا عبر كازاخستان وبحر قزوين والقوقاز. أبطأت المشكلات الاقتصادية وغياب البنية التحتية والخلافات الإقليمية الداخلية وتيرة تطوير هذا المعبر، فيما صب الجزء الأكبر من التجارة العابرة للقارات في تلك الفترة عبر الممر الشمالي الشرقي الروسي، الذي يتمتع ببنية تحتية ومعابر حدودية أقل، لكن فرض العقوبات الغربية على روسيا ومغادرة شركات أجنبية كثيرة البلاد بعد 2022 أدى إلى تراجع حاد في الشحنات عبر الممر الشمالي مقابل زيادة كبيرة في حجم التجارة عبر الممر الأوسط. واستناداً إلى معلومات البنك الآسيوي للتنمية، تضاعف عدد قطارات الشحن الصينية عبر الممر الأوسط 33 مرة بين 2023 و2024، بينما ارتفع حجم البضائع المشحونة التي تعبر موانئ أذربيجان وكازاخستان على بحر قزوين بنسبة 21 في المئة.
وفي سبيل جني أقصى ثماره، يحتاج الممر الأوسط إلى استثمارات إضافية تخفف العراقيل التي تؤخر العمل وتبسط الإجراءات. خلال اجتماع القمة بين الاتحاد الأوروبي وآسيا الوسطى في سمرقند، أوزبكستان، في أبريل (نيسان(، تعهدت بروكسل تقديم 10 مليارات يورو إضافية كجزء من مبادرة البوابة العالمية لتعزيز الروابط الإقليمية. في هذه الأثناء تشكل هجمات الحوثيين على بواخر الشحن في البحر الأحمر وتعبير حكومة "طالبان" عن اهتمامها بفتح أبواب أفغانستان أمام الاستثمارات الأجنبية، والتخوف الكبير من روسيا عوامل تزيد الاهتمام بهذا المعبر. لكن إن بدأت الدول الغربية برفع العقوبات عن روسيا بعد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في أوكرانيا، وإن أصبح عبور روسيا أقل خطراً، قد تخف رغبة الحكومات ومصارف التنمية للتحرك في هذا الصدد.
اللعب على الحبلين
لا تعني أي من هذه التطورات أن روسيا لن تعود لاعباً رئيساً في ما تعده رقعة نفوذها تاريخياً. بفضل القرب الجغرافي والألفة بين النخب والإرث المديد من الهيمنة الإمبراطورية والسوفياتية، تحتفظ روسيا بقدر لا يستهان به من القوة الصلبة والناعمة في القوقاز وآسيا الوسطى. ويثمن قادة معظم دول المنطقة العلاقات الجيدة مع موسكو وإن كانوا يعارضون غزو أوكرانيا. كما استفاد عدد كبير من هذه الدول من المساعي الروسية للتهرب من العقوبات الغربية منذ فبراير (شباط) 2022. وفرضت حكومات الولايات المتحدة وأوروبا عقوبات على عشرات الشركات في المنطقة بسبب تسهيلها تصدير السلع ذات الاستخدام المزدوج إلى روسيا. وفي عدد كبير من جمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقاً في أوراسيا، توفر التحويلات المالية من العمال المهاجرين العاملين في روسيا مصدر دخل أساسياً، ويشكل أيضاً مصدراً للضغط الروسي حتى بعد بدء موسكو بالتصدي للهجرة غير الشرعية في أعقاب الهجوم الإرهابي الذي وقع داخل قاعة حفلات في موسكو في مارس 2024. كما أن النفوذ السياسي الروسي مستمر كذلك.
يلتقي بوتين بانتظام بعلييف ورئيس جمهورية كازاخستان قاسم جومارت توكاييف وغيرهما من القادة (وفي بعض الأحيان، أبناء القادة الذين يجري تحضيرهم كي يكونوا خلفاءهم المحتملين). وطد الكرملين وصايته بحكم الواقع على بيلاروس وعزز علاقات وثيقة مع الساسة في الحزب الحاكم في جورجيا، الحلم الجورجي، والمعارضة في مولدوفا. والعام الماضي، اعتمد حزب الحلم الجورجي، في تحول لافت في توجهات تبليسي السياسية، قانوناً سن على الطراز الروسي، يقمع المجتمع المدني وعلق مفاوضات الدخول في عضوية الاتحاد الأوروبي. أما مولدوفا، فما زال مستقبلها معلقاً كذلك، إذ خسر المرشح الرئاسي المدعوم من موسكو الانتخابات بفارق ضئيل العام الماضي فيما تسعى المجموعات التي تدعمها روسيا للتوحد قبل موعد انعقاد الانتخابات البرلمانية المقبلة في سبتمبر (أيلول).
بعيداً من الإقصاء عن البنية التحتية الناشئة للشحن في المنطقة، فإن روسيا تشارك، وتستفيد من هذه الهياكل الجديدة. مثلاً، في وقت تسعى فيه كازاخستان إلى تصدير كمية أكبر من الهيدروكربونات إلى أوروبا، منحت الحكومة عقد إنشاء أول محطة لتوليد الطاقة النووية في البلاد إلى شركة "روساتوم" المملوكة للدولة الروسية في يونيو (حزيران). وتعمل روسيا مع أذربيجان وإيران على إنشاء ممر دولي للنقل بين الشمال والجنوب - وهو عبارة من طريق وخط سكة حديد وممر بحري يربط روسيا بالمحيط الهندي مروراً بأذربيجان والهند وإيران، وهي دول لم تعاقب أياً منها موسكو على غزوها لأوكرانيا. إن أهمية أذربيجان الكبرى بالنسبة إلى هذا المعبر والممر الأوسط على حد سواء تشكل دلالة على مقاربة عدة بلدان. فبدلاً من الانحياز إلى طرف دون الثاني في المواجهة بين روسيا والغرب، تفضل هذه البلدان اغتنام الفرصة السانحة.
الجميع يفوز
في خطاب ألقاه في جامعة جونز هوبكينز في عام 1997 قال نائب وزير الخارجية الأميركي آنذاك ستروب تالبوت إن الولايات المتحدة تريد "فوز كافة اللاعبين المسؤولين في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى" وليس أن تصبح المنطقة نقطة تنازع للقوى العظمى كما حدث في مرحلة "اللعبة الكبرى" (أي المنافسة بين روسيا والمملكة المتحدة) في القرن الـ19. إن التطورات التي حصلت خلال السنوات الثلاث الماضية أو ما يزيد على ذلك قربت دول الاتحاد السوفياتي سابقاً في أوراسيا من تحقيق هذه الرؤية حتى في وقت تغير فيه العالم (والولايات المتحدة) بصورة جذرية.
ما زالت دول القوقاز وآسيا الوسطى اليوم على هامش الاستراتيجية الأميركية، ولا سيما بالنظر إلى انعطاف واشنطن نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ وانفتاح الرئيس دونالد ترمب الظاهري على مناطق نفوذ القوى العظمى. ومع ذلك خصصت إدارة ترمب بعض الانتباه للمنطقة، مثلاً، في خضم المفاوضات بين أرمينيا وأذربيجان خلال الشهر الجاري، اقترح السفير الأميركي لدى تركيا توم براك أن تشغل شركة أميركية خاصة الطريق الواصل بين أذربيجان وجيب ناخيتشيفان الذي يتمتع بحكم ذاتي، والذي يمر عبر أرمينيا، فيما طرحت فكرة إشراف طرف ثالث محايد على هذا الطريق في جولات سابقة من المحادثات، كان تصريح باراك المرة الأولى التي يقترح فيها مسؤول أميركي احتمال أن تلعب واشنطن دوراً في هذا الإطار. ومن شأن انتهاج استراتيجية إقليمية أكثر شمولاً أن يساعد الإدارة على الوصول إلى مصادر الطاقة ومراقبة منافسيها من القوى العظمى دون أن تحمل الولايات المتحدة أعباء زائدة جراء التزامات جديدة.
لا شك أن الولايات المتحدة لن تلعب على الأرجح دوراً محورياً في تطورات الداخل الأوراسي، لكنها قادرة على حث الاتحاد الأوروبي وتركيا وحلفاء وشركاء آخرين على الحفاظ على وجود فعال في هذه المنطقة، وهذا ما عليها أن تفعله، كما يمكن لواشنطن أن تدعم المساعي الجارية أساساً، وعليها العمل وراء الأبواب المغلقة لتشجيع حكومات جنوب القوقاز وآسيا الوسطى على تعزيز التعاون الإقليمي بينها. ويمكنها أن تسهم في التوصل إلى اتفاقات إقليمية بين البلدان في حال طلب منها ذلك، لكن ما خلا ذلك، عليها أن تتيح للأطراف المحلية بأن تأخذ زمام المبادرة. يمكن أن تعمل مع بلدان أيضاً المنطقة لخفض العراقيل أمام التجارة وتسهيل مشاركة الشركات الغربية، ومن ضمنها الشركات الأميركية، في مشاريع جديدة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والمعادن الأساسية. ومن المفترض أن يكون هذا النوع من الاتفاقات التجارية والاستثمارية محط تركيز المؤتمر الوزاري المقبل المنعقد تحت عنوان مجموعة "سي 5 زائد واحد" (C5 + 1)، وهو اجتماع سنوي ينعقد منذ عام 2015 بمشاركة وزراء خارجية الولايات المتحدة الأميركية ودول آسيا الوسطى. لم تعقد قمة تجمع رؤساء جمهوريات "C5 + 1" سوى مرة واحدة في عام 2023. وعلى إدارة ترمب أن تتولى زمام عقد اجتماع آخر مماثل.
لكن قبل كل شيء، على الولايات المتحدة الاعتراف بأنها تتشارك هدفاً رئيساً مع دول الداخل الأوراسي. صحيح أن أنظمتها السياسية الداخلية قد لا تروق لواشنطن كثيراً، وأن عدداً من بينها يريد حتى الآن المحافظة على العلاقات المثمرة مع موسكو أو بكين أو طهران، لكن نظراً إلى وضعها الجغرافي، هي لا تملك أي خيار فعلياً، لكن من ناحية أخرى، ستقاوم هذه البلدان وشعوبها محاولات الكرملين لدمجها ضمن إطار دائرة نفوذ روسي يعاد من تشكيله من جديد. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن الحيلولة دون هيمنة روسيا أو غيرها من القوى الرجعية على المنطقة يحتم دعم دول الاتحاد السوفياتي سابقاً في أوراسيا في سعيها إلى تنويع علاقاتها الاقتصادية والسياسية. حتى إن كانت هذه المساعي لا تمتثل دائماً لشروط واشنطن، فإنها تصب في خانة تحويل المنطقة إلى مكان أكثر حرية وانفتاحاً، بما يتماشى مع مصالح واشنطن الاستراتيجية.
*جيفري مانكوف باحث بارز في معهد الدراسات الاستراتيجية الوطنية التابع لجامعة الدفاع الوطني وأحد كبار الباحثين غير المقيمين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومؤلف كتاب "إمبراطوريات أوراسيا: كيف يشكل الإرث الإمبريالي الأمن الدولي؟". الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب.
مترجم من فورين أفيرز، 24 يوليو (نموز) 2025