Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معركة كلينت إيستوود ضد "هاري" المفتش القذر

نوع من "القتل على الهوية" في عالم فاشي يحل فيه الفرد مكان الدولة العاجزة عن العدل

كلينت إيستوود في "هاري القذر" (موقع الفيلم)

ملخص

لقد أدرك إيستوود، وكان لا يزال في بدايات "عودته" لهوليوود خلال النصف الثاني من سنوات الـ60 مكللاً بمجد "ثلاثية الدولار"، أن هوليوود ليست سوى طاحونة، وأن ما تطلبه من واحد من أهلها وينجح في تحقيقه، سيبقى هو هو ما تطالبه به دائماً وأبداً. فإذا كان يريد أن يشق لنفسه طريقاً آخر، ليس عليه أقل من أن ينتج ويخرج بنفسه.

بالتأكيد هو الفيلم الذي يمكننا القول إن كلينت إيستوود أمضى عقوداً طويلة من حياته وهو يحقق فيلماً بعد الآخر تستبد به فكرة تكاد تكون مجنونة: فكرة فحواها التخلص من ذلك الفيلم، ومما تركه لدى عشرات الملايين من متفرجيه من صورة للمفتش "هاري"، الملقب بـ"القذر"، والذي لعب إيستوود نفسه دوره على الشاشة في أول فيلم له من إخراج دون سيغل، ثم كرر الأمر نحو أربع مرات أخرى في أربعة أفلام متتالية سيحقق هو بعضها على أية حال، قبل أن يسأم تلك البطولة الفارغة والقائمة على فردية لا تحتمل حتى بالنسبة إلى "البطل الذي لا اسم له"، والذي كان حقق شهرة عالمية، هوليوودية المحتوى، على رغم جغرافيتها الإيطالية، وتنتمي إلى عالم رُعاة البقر الأميركي على رغم أن أفلامها الثلاثة كانت من إخراج الإيطالي الصميم سيرجيو ليوني. كان ذلك كما نعرف في "ثلاثية الدولار" التي أعادت أفلام "الويسترن" إلى ساحة السينما العالمية في أفلام إيطالية صورت في إسبانيا وبعض أنحاء يوغوسلافيا، وكان أولها اقتباساً عن فيلم ياباني لأكيرا كوروساوا. والحقيقة أن هذه الكوزموبوليتية التي وسمت كلينت إيستوود من خلال عمله في تلك الثلاثية، كادت تقضي على كل أحلامه التي سيتبين لاحقاً أنها فنية حقيقية، لولا أن الكيل قد طفح به حين عاد بعد "تجربته الإيطالية" إلى هوليوود مظفراً، وقد استعاد اسمه، لكنه لم يتمكن من استعادة إنسانية كان قد فقدها، وطالبته هوليوود بمواصلة التخلي عنها، إذ راحت تحصره في أفلام، سلسلة المفتش "هاري" تحديداً، تمثل المعادل المديني لويسترناته الإيطالية، وتريد منه أن يواصل الحلول كفرد يدافع عن "القوانين" بقوة مسدسه وعضلاته، ويحاكم المجرمين ويعدمهم من دون أن يأبه بالدولة. كان المطلوب منه أن يكون فاشياً، وأن يبقى فاشياً، لكن الثورة الكبيرة التي حققها إيستوود في حياته، ولا سيما حين تحول إلى الإخراج، كانت تحديداً في نضاله ضد ذلك الواقع في سينما عرفت طوال عقود كيف تصبح إنسانية وتجعل للدولة وللديمقراطية مكانهما في الفن السينمائي.

 

نضال ضد التنميط

لقد أدرك إيستوود، وكان لا يزال في بدايات "عودته" لهوليوود خلال النصف الثاني من سنوات الـ60 مكللاً بمجد "ثلاثية الدولار"، أن هوليوود ليست سوى طاحونة، وأن ما تطلبه من واحد من أهلها وينجح في تحقيقه، سيبقى هو هو ما تطالبه به دائماً وأبداً. فإذا كان يريد أن يشق لنفسه طريقاً آخر، ليس عليه أقل من أن ينتج ويخرج بنفسه. صحيح أن تحوله إلى منتج لم يكن أمراً صعباً، الأصعب كان خوضه الإخراج كي يحقق في الأقل، لنفسه، خروجاً من عالم الفاشية الذي أوصلته إليه سلسلة أفلام المفتش. والأدهى من ذلك أن السلسلة نجحت في زمن كانت قد بدأت تروج فيه التساؤلات حول مفهوم الدولة نفسه. ولقد كان فشل شتى الأيديولوجيات الحاكمة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، سواء كانت لا إنسانية كالنازية والفاشية، أو تتزين بأقنعة إنسانية كالشيوعية والديمقراطية على الطريقة الأوروبية، كان فشلها قد اعتبر فشلاً للدول التي أنجبتها. ومن ثم راح كثر يبحثون عن حلول كان معظمها يقودهم إلى تلك الفردية التي تحاول أن تسوي الأمور في معزل عن الدولة كمفهوم وكممارسة لم تكن الإنسانية بقادرة على العثور على بديل لها، فأتت السينما طارحة تلك البدائل التي لن يلبث أشخاص كإيستوود أن أدركوا أنها واهية، بل إن كثراً من الفئات الأكثر وعياً من بينهم، ومنهم إيستوود نفسه هذه المرة أيضاً، أدركوا أن الأمر الوحيد الذي يعوض على فشل الدولة، ليس سوى التوجه نحو مزيد من الدولة، وربما نحو التوغل في التعبير عن قيم إنسانية همها تعزيز الدولة لا نسفها.

انفصام ما...

والحقيقة أن مثل ذلك التوجه كان من شأنه أن يخلق انفصاماً حاداً لدى خائضيه، لكن إيستوود سيعرف كيف يخوضه تدريجاً من دون إحداث قطيعة حقيقية لا في فكره ولا في ممارساته الفنية. وهكذا، إذ اتخذ قراره قبل أكثر قليلاً من نصف قرن من الآن بالتحول إلى الإخراج، إنما من دون أن يكتب سيناريوهاته بنفسه، وهو أمر سنعود إليه، على أية حال بعد سطور، عرف أن عليه أن يخوض نضاله، على حسابه الخاص وبمجازفات قد تبدو غير محسوبة أحياناً، وهو بالتحديد ذلك النضال الذي يسميه الفكر العربي، النضال ضد الذات، أي المعركة التي يخوضها المرء ضد ذاته لتوصله إلى ما يريد لتلك الذات أن تكون. فهل علينا أن نصف كيف احتاج إيستوود إلى عقود طويلة من السنين وصولاً إلى السينما "الإنسانية" التي باتت سينماه، بدءاً من "العب ميستي لأجلي" وصولاً إلى أفلام بالغة القوة والإنسانية مثل "غران تورينو"، و" رسائل من إيو جيما"، و" طفلة المليون دولار"... وحتى "التبادل"، و"البغل"، وما شابه؟ مهما يكن من أمر، لعل أول ما يدهشنا في ذلك المتن السينمائي هو أنه يبدو منضوياً في سياق فكراني واحد، ومتدرج، يسير من عموميات قيمية إلى خصوصيات معركة تبدو دائماً وكأنها المعركة نفسها، بل يمكننا أن نعدها معركة تنحو ومن خلال ما يشبه النقد الذاتي المبطن، إلى نسف ماضٍ كانت "ثلاثية الدولار"، ثم "خماسية هاري القذر" من علاماته الأساسية. صحيح أن كلينت إيستوود ومن خلال شركته الإنتاجية التي أسسها في مدينته الكاليفورنية كارميل، والتي بات عمدتها لفترة في مسيرته، تمكن من أن يكون حراً في اختياراته الإنتاجية، بالتالي في سيره التصاعدي من أدنى درجات النزعة اليمينية المتطرفة، وتحديداً في اشتغال فردية أبطالها على الضد من الدولة كياناً ومفهوماً، إلى الدفاع عن علاقة إنسانية بذلك المفهوم، وعن السمة الديمقراطية للدولة بالمعنيين نفسيهما، وربما انطلاقاً مما قاله يوماً ونستون تشرشل من أنه يقر بأن "الديمقراطية قد تحمل في داخلها كل مساوئ الحكم، ولكن جربوا أن تدلوني على ما هو أفضل منها!".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

خطوة خطوة

إذاً من خلال سيناريوهات كتبها غيره وغالباً بمعزل عن أية توجيهات منه في هذا المجال، وأحياناً انطلاقاً من روايات كتبت قبل ولادته هو نفسه كمخرج، تمكن إيستوود من بناء صرح فكري في سينما لم تكن لتبدو سائرة في مثل هذا الاتجاه، بل حتى صرح سينما تبدو أحياناً راديكالية في يسارية إنسانية على الطريقة الأميركية، لا على الطريقة الأوروبية أو الشيوعية كأداء، إنسانية بالصورة التي جعلت أفلامه تدافع عن الدولة كفعل إنساني، وعن البوليس ضد الفساد الذي ينخر أجهزتها من الداخل، فيلم "التبادل" مثلاً، ويقف ضد أبلسة العدو حتى في معمعان الحرب العالمية الثانية، حيث نراه يقدم صورة إنسانية للعدو الياباني، "رسائل من إيو جيما"، بعدما كان قدم صورة بطولية للجيش الأميركي، "رايات آبائنا"، ويدافع عن فكرة الموت الرحيم العزيزة على قطاعات عريضة من اليسار، "طفلة المليون دولار"، وعن شرعية القضاء وإنسانيته، "البغل"، وعن فن الجاز كرمز لكينونة الأفارقة الأميركيين، في "بيرد"، وعن قيم الشيخوخة، وعلاقة البطل راعي البقر بها، "لا يسامح"... ويمكن لهذه اللائحة أن تطول طبعاً، بيد أن إيستوود نفسه أغنانا عن ذلك عبر تسجيله مسيرته نفسها من حضيض الفاشية إلى ذروة التسامي الإنساني، في واحد من أفلامه الأخيرة التي توصف عادةً بأنها من "الأفلام الصغيرة"، ونتحدث هنا طبعاً عن فيلم "غران تورينو" الذي حققه في عام 2008 وبدا فيه وكأنه فيلم كتبه لنفسه عن نفسه واصفاً فيه مساراً فكرياً وإنسانياً ورحلة تعليمية يخوضها أنا/ آخر له في علاقته مع جيران كوريين له، تبدأ جيرته معهم بالنفور الفاشي العنصري يستشعره ضدهم، لكنه سرعان ما يتعلم منهم معاني الكرم والأريحية والتفاهم بين البشر... وهي قيم سنراه يعود إليها في العام التالي من خلال واحد من أبدع أفلامه وهو "إنفيكتوس" عن فصل من حياة الزعيم الجنوب أفريقي، نلسون مانديلا، قبل أن يحقق فيلماً ميتافيزيقياً، إنسانياً بدوره يدور من حول تسونامي يقوده إلى تحقيق سيرة لمؤسس الـ"أف بي آي" إدغار هوفر سجل عبره ذروة دفاعه عن الدولة، ولكن على الضد من أهل الدولة الذين أدركوا ذلك أم لم يدركوه، كانوا دائماً أعداءها الحقيقيين بأكثر مما فعل أعداؤها المعلنون، وسعوا إلى نسفها من الداخل.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة