Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما التوتر الجيوسياسي الذي يحدثه سد النهضة على القرن الأفريقي؟

تكمن خطورة الملف في أنه لا يدور حول توزيع حصص المياه فقط بل يتموضع ضمن بنية أوسع من التحولات التي تعصف بالمنطقة

كانت فيضانات النيل الأزرق الموسمية قبل بناء السد تشكل عائقاً كبيراً أمام استقرار المشروعات الزراعية (غيتي)

ملخص

تحول سد النهضة إلى محرك يعيد تشكيل خريطة التوازنات الجيوسياسية في القرن الأفريقي، وتجاوز صداه المثلث التقليدي: إثيوبيا ومصر والسودان ليتمدد نحو أطراف الإقليم. ويتوقع أن تستمر إثيوبيا في ملء وتشغيل السد بصورة أحادية، بينما تصعد مصر والسودان من ضغوطهما السياسية والدبلوماسية مع احتمال اللجوء إلى أدوات ردع غير مباشرة، مما يبقي الصراع تحت مستوى الحرب المفتوحة.

لا تزال منطقة القرن الأفريقي تتصدر مشهد التوترات الجيوسياسية في قارة أفريقيا بوصفها نقطة التقاء لحسابات إقليمية ودولية معقدة. وفي قلب هذا المشهد تتقدم قضية سد النهضة الإثيوبي كأحد أبرز الملفات الاستراتيجية التي تؤجج الخلافات وتعيد تشكيل توازنات القوى بين إثيوبيا ومصر والسودان، محدثة بذلك توترات ومعادلات جديدة في التفاعل بين الأمن القومي للدول الثلاث.

منذ أن بدأت إثيوبيا في تشييد السد عام 2011 لم يكن المشروع محصوراً في كونه مشروعاً تنموياً داخلياً فحسب، بل تحول تدريجاً إلى رمز سيادي وملف أمني حساس. وترى أديس أبابا في السد أداة لتحرير إمكاناتها الكامنة في الطاقة الكهرومائية وتحقيق التنمية، وقد بدأ السد في توليد الكهرباء فعلياً عام 2022 من موقعه في إقليم بني شنقول، قرب الحدود مع السودان، مما مثل خطوة عملية نحو تحقيق أهداف أديس أبابا في تعزيز قدرتها على إنتاج الطاقة الكهرومائية، بينما تنظر إليه القاهرة بوصفه تهديداً مباشراً لأمنها المائي الذي لا بديل له. أما الخرطوم فظلت تتأرجح بين المواقف، متأثرة بمتغيرات داخلية وتحالفات متشابكة، من دون أن تحسم موقعها ضمن هذا النزاع.

 

وتكمن خطورة الملف في أنه لا يدور حول توزيع حصص المياه فحسب، بل يتموضع ضمن بنية أوسع من التحولات السياسية والأمنية التي تعصف بالمنطقة. ومع إعلان إثيوبيا أخيراً عن إنجاز السد ودعوة جيرانها إلى اعتباره "فرصة" لا تهديداً، طرح رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في دعوته مصر والسودان إلى تدشين السد، إضافة إلى دول حوض النيل، رسالة تتضمن "الخروج من منطق النزاع إلى منطق الشراكة".

وحرص رئيس الوزراء الإثيوبي على التأكيد أن السد لم يتسبب في أي نقصان ملموس في حصة مصر المائية، مشدداً على أن تدفقات المياه نحو السد العالي لا تزال مستقرة، وأن القاهرة، "لم تفقد ليتراً واحداً" بفعل المشروع. وقد أرفق هذه التصريحات بدعوة صريحة إلى مصر والسودان للانتظام في حوار مفتوح غير مشروط، يستند إلى مبدأ المنفعة المتبادلة، بهدف إعادة صياغة العلاقة المائية بين دول الحوض على أسس من التعاون لا الصراع، والتنمية لا التهديد.

رسائل مزدوجة

تقف مصر أمام سد النهضة كمنعطف استراتيجي، إذ لم تعد المسألة محصورة في نزاع تقني حول تقاسم المياه، بل باتت تعبيراً مكثفاً عن معادلة القوة في الإقليم، حيث تسعى إثيوبيا من خلال مشروعها الكهرومائي الضخم إلى إعادة تشكيل توازنات النفوذ على حساب مركزية مصر التقليدية في حوض النيل.

وتعتمد مصر على نهر النيل بنسبة تقارب 98 في المئة من حاجاتها المائية، وهي بذلك تجسد أحد أكثر أنماط الاعتماد البيئي حدة على مستوى العالم. وأمام هذا الاعتماد البنيوي جاء مشروع سد النهضة ليهدد ليس فقط الأمن المائي المصري، بل مفاهيم الأمن القومي ذاتها، فالمسألة أصبحت تجسيداً لتحولات جيوسياسية تعيد توزيع السلطة في الإقليم، وتطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الاستقرار في وادي النيل.

 

كثر يرون أن إثيوبيا استغلت لحظة تراجع الدولة المصرية على وقع ما يسمى "الربيع العربي" عام 2011، وانطلقت في مشروعها ببعد قومي، يستند إلى سردية تاريخية تعتبر مصر مستفيدة من منظومة استعمارية لم تعد مقبولة. بينما ترى القاهرة أن هذا التحرك يمثل خرقاً للاتفاقات الدولية ومساساً بحقوق تاريخية غير قابلة للتفاوض. لذلك لم يخل طرح رئيس الوزراء الإثيوبي من رسائل مزدوجة، فهو من جهة يدعو إلى التهدئة، ومن جهة أخرى يحاول إعادة تعريف موازين التفاوض، بتحميل القاهرة عبء اتخاذ الخطوة التالية، ذلك أن إعلان الاستعداد للحوار، في ظل استكمال المشروع وتهيئته للتدشين، يحمل في طياته إشارة ضمنية إلى أن إثيوبيا لم تعد في موقع الترقب، بل في موقع المبادرة، واضعة الأطراف الأخرى أمام اختبار جدية المشاركة في صياغة مستقبل نهر النيل، بما يتجاوز منطق الاتهام المتبادل إلى بناء تفاهمات تاريخية قد تعيد رسم خريطة التوازنات في حوض النهر.

جاء رد مصر على مستويين، داخلي تمثل في مشروع وطني طموح لتعظيم كفاءة إدارة الموارد المائية عبر مشاريع إعادة استخدام مياه الصرف وتحلية المياه وضبط أنماط الزراعة، وخارجي تمثل في مساعٍ دبلوماسية مكثفة لتدويل القضية وخلق توازن ضغط سياسي يمنع الاستفراد الإثيوبي بالمصير النهري.

موقف ملتبس

يتخذ الموقف السوداني منحى ملتبساً يعكس عمق الأزمة الوطنية من جهة، وتشابك المصالح الإقليمية من جهة أخرى. فعلى رغم أن السد يقع على مرمى البصر من الحدود السودانية، وعلى مسافة لا تتجاوز 25 كيلومتراً من سد الروصيرص، لم يصدر عن الخرطوم رد رسمي واضح في شأن إعلان إثيوبيا اكتمال بناء السد ودعوتها السودان إلى حضور حفل تدشينه. ويبدو أن اشتعال النزاع الداخلي في السودان منذ عام 2023، وما تلاه من تدهور مؤسسي وأمني، قد همش هذا الملف الجيوسياسي الحرج وأخضعه لأولويات البقاء والتهدئة المحلية، بدلاً من أن يحظى بالاهتمام الاستراتيجي الذي يستحقه.

من الناحية التقنية ينظر إلى سد النهضة في السودان بعين الريبة والأمل معاً، فبينما يثير القلق من احتمال تأثر حصص المياه السودانية أو تعرض البنية التحتية المائية لخطر في حال انهيار مفاجئ للسد، خصوصاً في سياق النشاط الزلزالي المتزايد في المنطقة، ثمة إدراك مُتنامٍ لإمكانات المنفعة المستقبلية التي قد يجلبها المشروع. فإذا تم تشغيل السد بطريقة منسقة يمكن أن يحدث تحولاً نوعياً في الأمن الغذائي وفرص التنمية الاقتصادية، إذ يسهم في تنظيم التدفقات المائية على النيل الأزرق، ويحد من كميات الطمي، مما يتيح توسيع الرقعة الزراعية المروية بنحو نصف مليون هكتار (الهكتار يساوي 10000 متر مربع). وقد كانت فيضانات النيل الأزرق الموسمية قبل بناء السد تشكل عائقاً كبيراً أمام استقرار المشروعات الزراعية، حيث كانت تتسبب في أضرار جسيمة بالبنية التحتية الزراعية وتحد من إمكانات التخطيط الزراعي المستدام. ومن ثم فإن الإدارة التعاونية للسد تمثل فرصة استراتيجية للسودان لتعظيم الفوائد وتقليل الأخطار، لكن هذه الاحتمالات تظل مشروطة بوجود اتفاق قانوني وعملي ثلاثي يضمن الشفافية في التشغيل، ويؤسس لآلية إنذار مبكر وتنسيق فني بين السدود الكبرى على مجرى النيل، غير أن السودان الذي فقد جزءاً من حصته المائية بسبب عجزه عن التخزين والتشغيل الفعال في ظل الحرب، بات مهدداً بمزيد من التهميش ضمن معادلة النيل، خصوصاً بعد مصادقة معظم دول الحوض على "اتفاقية عنتيبي" التي تتجاوز المفهوم التقليدي للحصص التاريخية.

 

خريطة التوازنات

تحول سد النهضة إلى محرك يعيد تشكيل خريطة التوازنات الجيوسياسية في القرن الأفريقي، وتجاوز صداه المثلث التقليدي: إثيوبيا ومصر والسودان، ليتمدد نحو أطراف الإقليم. فإريتريا التي مثلت في الماضي خصماً شرساً لأديس أبابا باتت حليفاً ظرفياً بعد المصالحة 2018، لكنها تتوجس من التمدد الإثيوبي في البحر الأحمر، خصوصاً بعد اتفاقية أرض الصومال. وبدورها وجدت جيبوتي نفسها محاصرة بمعادلات المنافسة البحرية تتأرجح بين حياد محسوب واستجابة لتحديات اقتصادية ناتجة من احتمال تحول ميناء بربرة إلى ممر بديل.

أما كينيا فترى في الاستقرار الإثيوبي مصلحة حيوية تتجاوز نهر النيل مع حرصها على عدم تقويض شراكتها مع أديس أبابا. في حين تحولت أرض الصومال إلى لاعب مفاجئ بفضل اتفاقية يناير (كانون الثاني) 2024 التي منحت إثيوبيا منفذاً على البحر مقابل اعتراف محتمل، مما أثار استنفاراً صومالياً مضاداً دفع مقديشو إلى توطيد تحالفاتها مع مصر وتركيا، وجعل من النزاع المائي أداة لإعادة رسم التحالفات الإقليمية.

 

في هذا المشهد لم تعد القاهرة وحدها من تخشى السد، بل باتت دول الإقليم كلها تقرأ في تدفق المياه خريطة جديدة لتوزيع القوة، حيث تتقاطع قضايا السيادة مع مشروعات البنية التحتية، ويتداخل أمن الموانئ مع خطوط الكهرباء، ويغدو سد النهضة عنواناً لمعركة نفوذ بطيئة، لكنها حاسمة.

وبينما يستنزف الخلاف حول السد طاقات الدول الثلاث ينفتح الباب أمام مشهد تفكك النظام الإقليمي لمصلحة شبكات من المصالح المتداخلة، التي تدار بمنطق الردع والتحالفات الظرفية، فالسد بات مرآة لهندسة إقليمية تتغير، ومؤشراً إلى ما إذا كان القرن الأفريقي قادراً على اجتراح توازن جديد، أو محكوماً بالانزلاق إلى صراعات مستدامة.

جمود التفاوض

منذ توقيع إعلان المبادئ بين مصر وإثيوبيا والسودان في الخرطوم عام 2015 لم تترجم الالتزامات الواردة فيه إلى اتفاق شامل وملزم، إذ سرعان ما تعثرت الدراسات الفنية التي كان من المفترض إنجازها خلال عام واحد، نتيجة خلافات حول منهجية العمل وتفسير بنود الإعلان، مما أدى إلى شلل اللجنة الثلاثية.

ومع تصاعد التوتر تم تدويل الملف، فاستضافت واشنطن جولات تفاوضية بمشاركة البنك الدولي عامي 2019 و2020، انتهت بصياغة مسودة اتفاق وقعت عليه مصر، بينما رفضته إثيوبيا بحجة عدم مراعاته لمصالحها. وفي يوليو (تموز) 2020 أعلنت إثيوبيا بدء الملء الأحادي للسد من دون اتفاق مع دولتي المصب، مما أثار اعتراضات شديدة من القاهرة والخرطوم، وتصعيداً إلى مجلس الأمن الدولي الذي لم يصدر عنه قرار ملزم. لاحقاً، فشلت جولات التفاوض التي رعاها الاتحاد الأفريقي، خصوصاً في كينشاسا عام 2021، في كسر الجمود حول النقاط الخلافية الجوهرية، وعلى رأسها آلية فض النزاعات وحقوق التشغيل والملء خلال فترات الجفاف. وبحلول عام 2024 أعلنت إثيوبيا إتمام المرحلة الرابعة من ملء السد في ظل استمرار غياب اتفاق قانوني ملزم، وتراجع نسبي في الزخم التفاوضي، مقابل تمسك كل طرف بموقفه وتحصين مواقعه سياسياً وقانونياً، مما أبقى باب المفاوضات مفتوحاً من الناحية الشكلية، بينما بقيت الأزمة تجسد أحد أعقد ملفات الأمن المائي في المنطقة، في ظل غياب إرادة سياسية مشتركة وآليات إقليمية أو دولية قادرة على فرض حلول ناجعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سيناريوهات محتملة

تتمحور أزمة سد النهضة حول معادلة معقدة يتشابك فيها أمن مصر المائي وطموحات إثيوبيا التنموية والهشاشة السياسية في السودان. وفي ظل التعقيد المتزايد للمشهد الإقليمي والدولي يمكن استشراف أربعة سيناريوهات رئيسة.

- السيناريو الأول: اتفاق مرحلي يجنب التصعيد، ويفترض هذا المسار وجود ضغوط دولية فاعلة ووساطة متعددة الأطراف تضمن اتفاقاً ملزماً لإدارة ملء وتشغيل السد، لا سيما في فترات الجفاف، وعليه يعاد تفعيل مبادرة حوض النيل بآلية عادلة لتقاسم الموارد، ويعاد التوازن لعلاقات القوى الإقليمية، ويحتوي التنافس المصري - الإثيوبي ضمن أطر دبلوماسية مستقرة.

- السيناريو الثاني: استمرار إثيوبيا في ملء وتشغيل السد بصورة أحادية، بينما تصعد مصر والسودان من ضغوطهما السياسية والدبلوماسية، مع احتمال اللجوء إلى أدوات ردع غير مباشرة، مثل الحرب بالوكالة أو التحشيد الإقليمي. هذا السيناريو يبقي الصراع تحت مستوى الحرب المفتوحة، لكنه يغذي انعدام الثقة، ويعرقل التعاون الإقليمي، ويبقي على خطر الانفجار في أي لحظة.

- السيناريو الثالث: إذا شعر أحد الأطراف أن تهديداته لم تجد صدى، فإن احتمال توجيه ضربة جراحية للسد، أو البنية المحيطة به، تزداد. هذه الخطوة، وإن كانت محفوفة بالأخطار، قد تبرر أمنياً في الخطاب المصري كسلاح أخير للدفاع عن "حق الحياة"، لكن الرد الإثيوبي، إن وقع، قد يدفع نحو تدويل الصراع، ويجعل القرن الأفريقي ساحة تنافس مباشر بين قوى كبرى.

- السيناريو الرابع: في ظل التصدعات الداخلية في إثيوبيا يمكن أن يؤدي تفاقم الصراعات الإثنية وانهيار البنية السياسية إلى إعادة ترتيب إقليمي، بحيث يعاد التفاوض على السد كأمر واقع في سياق جديد. كما قد تفضل القيادة الإثيوبية لاحقاً، بفعل الضغوط الاقتصادية أو تغيرات في ميزان القوى إعادة صياغة خطابها نحو التعاون، حفاظاً على استقرارها الداخلي.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل