Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الحدائق التوراتية" تخنق المقدسيين وتفاقم الاكتظاظ والفقر

وزارة الداخلية الإسرائيلية صدقت في 2013 على إقامتها عند منحدرات جبل المشارف خلافاً لتوصية وزير حماية البيئة

صدقت اللجنة اللوائية للتنظيم والبناء في وزارة الداخلية الإسرائيلية في عام 2013 على إقامة حديقة وطنية عند منحدرات جبل المشارف (أ ف ب)

ملخص

أخطار المخططات الهيكلية للحدائق الوطنية المنتشرة في القدس، التي تضيق على حق الفلسطينيين بالسكن والتوسع.

على مدار أكثر من عقدين، يحاول سالم درويش (55 سنة) استصدار رخصة لتوسيع منزله في قرية العيساوية شرق القدس المكون من غرفتين صغيرتين بالكاد تتسع لعائلته التي تضم تسعة أفراد، إلا أن زياراته المتكررة لبلدية القدس وساعات انتظاره الطويلة لإثبات حاجته الملحة بمسكن ملائم باءت بالفشل، فاللجنة اللوائية للتنظيم والبناء في وزارة الداخلية الإسرائيلية، كانت صدقت في عام 2013 على إقامة حديقة وطنية عند منحدرات جبل المشارف، خلافاً للتوصية الصادرة عن وزير حماية البيئة والمسؤول عن سلطة الطبيعة والحدائق الوطنية آنذاك عمير بيرتس، بعدم الاستمرار بدفع المخطط قدماً، لأن "غاياته لا تتعلق بالبيئة بتاتاً".

ونتيجة لتقييدات البناء، اضطر درويش مكرهاً إلى البناء من دون ترخيص والمخاطرة بهدم بيته. ويقطن في العيساوية نحو 24 ألف نسمة، في منطقة عمرانية لا تتجاوز مليون متر مربع، وسط اكتظاظ سكاني عال يصل إلى نحو ثلاثة أضعاف ونصف الضعف من الكثافة السكانية في مدينة القدس ككل، التي تبلغ نحو 7466 نسمة لكل كيلومتر مربع.

وينبع الخلاف المتعلق بتصديق الحديقة أساساً من إسقاطاتها على حيي العيساوية والطور المحاذيين والواقعين في القدس الشرقية، وهما حيان يعانيان ضائقة مسكن ونقصاً في البنى التحتية والخدمات المتدنية والناقصة وغياب الأراضي اللازمة للبناء. ومنذ أعوام يحاول سكان هذين الحيين أن يدفعوا قدماً أمام سلطات التخطيط في البلدية ووزارة الداخلية، إمكان توسيع احتياط الأراضي الوحيد المتاح لهم، وهي المنطقة التي تقع جنوب العيساوية وشمال الطور.

وتتبع هذه الأراضي الآن إلى منطقة الحديقة الوطنية المصدقة، الأمر الذي لا يبقي أي إمكان لتحسين الوضع في الحيين. ويعرف القانون الإسرائيلي الحديقة الوطنية بأنها "منطقة مخصصة لاستخدام الجمهور، تحظى بأهمية طبيعية وتاريخية وأثرية ومعمارية".

وفقاً لمعطيات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة "أوتشا"، هدمت السلطات الإسرائيلية 215 مبنى في القدس الشرقية خلال عام 2024، وقد تضرر جراء ذلك أكثر من 40 ألف مواطن مقدسي، ويعيش كثير من السكان في فضاءات غير معدة للسكن، مثل الحوانيت والأقبية. ويضطر بعض الأزواج الشابة في الحي إلى السكن في بيت العائلة بعد الزواج، فيما يؤجل بعضهم الزواج إلى حين العثور على فضاء سكني ملائم.

ضرر جسيم

القائمون على المخطط يدعون أن الحديقة الوطنية التي ستقام على السفوح الشرقية لجبل المشارف، باتجاه شارع رقم 1، لها أهمية من جهة المناظر الطبيعية والأثرية ومن جهة القيمة الطبيعية الكامنة فيه. وفي التوضيح الوارد عن الحديقة، جرى التشديد على أهمية الحفاظ على الحيوانات والنباتات الموجودة في الموقع. فيما يعتبر سكان المنطقة أنه يأتي لمنع تطور أحياء فلسطينية في العيساوية والطور، خصوصاً أن قسماً كبيراً من مساحة الحديقة التي تمتد على نحو 730 ألف متر مربع يعود لأهالي المنطقة الفلسطينيين، كما أن تنفيذ المخطط سيقتضي هدم نحو 15 مبنى قائماً.

وأكد مطلعون على المخطط أن السبب الوحيد لإقامة مثل هذه الحديقة هو السيطرة على الأرض، لإقامة مستوطنة مستقبلاً في المكان وخنق الأحياء الفلسطينية. وتبعاً لذلك، قدمت منظمتا "عير عميم" و"بمكوم - التخطيط وحقوق الإنسان"، التماساً إلى المحكمة الإدارية ضد اللجنة اللوائية للتخطيط والبناء في القدس قبل أيام، مطالبين بإلغاء المصادقة على مخطط الحديقة، ويتمحور حول الضرر الجسيم الذي سيلحق بالسكان الفلسطينيين في كل من الطور والعيساوية.

وبحسب الملتمسين، فإن المخطط يقضي على آخر ما تبقى من أراض متاحة للسكان لتطوير مناطق سكنية، ويمنع إقامة بنى تحتية حيوية كالمؤسسات التعليمية والخدمات العامة. وأكد حقوقيون قائمون على الالتماس عبر الخرائط والوثائق والصور أن "المخطط ينتهك الحق الأساسي للسكان في السكن وفي الحصول على بنى تحتية لائقة، وأن السلطات الإسرائيلية "تستخدم مخططات ذات طابع مهني، لتوظفه في ما بعد لعرقلة تطوير القدس الشرقية".

ضيقة ومشوشة

وعلى رغم أن عدد سكان الجزء الشرقي من القدس وصل إلى 395 ألفاً ليشكلوا نسبة 40 في المئة من سكان المدينة بجزأيها الغربي والشرقي، فإن 13 في المئة من مساحة المدينة فقط مخصص لهم بفعل سياسات التضييق والخنق، وتضم القدس عامة 237 ألفاً و729 وحدة سكنية، منها 57335 للمقدسيين.

ويفتقر حي العيساوية، شبه المسدود من جميع الاتجاهات بحرم الجامعة العبرية ومستشفى هداسا وقاعدة عسكرية وأحياء إسرائيلية وطرق رئيسة، لخدمات ترفيه أساسية مثل المكتبة أو ناد للشباب أو حديقة عامة، ولا توجد في كل الحي عيادة واحدة للأم والطفل، كما أن طرقه ضيقة وخطرة.

ويشير مركز "القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية" في القدس إلى أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تسعى منذ عقود إلى تقليص أعداد الفلسطينيين في القدس الشرقية بتقليص منح رخص البناء وزيادة أوامر هدم المنازل، وكذلك عبر سحب هويات المقدسيين بحجة تغيير مركز الحياة من خلال وزارة الداخلية ومؤسسة التأمين الوطني.

وبحسب مدير المركز زياد الحموري، فإن البلدية الإسرائيلية تمنح الفلسطينيين أعداداً قليلة جداً من رخص البناء لا تتجاوز بالمعدل العام 50 رخصة بناء سنوياً، وفي أعوام سابقة أصدرت 18 رخصة بناء فقط للفلسطينيين في المدينة. وأضاف "الواقع المرير وضيق السكن ورفض المخططات للهيكلية لتوسيع البلدات والأحياء، تدفع العرب إلى مواجهة هذا من خلال البناء من دون ترخيص على رغم التهديدات الإسرائيلية".

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى وجود نحو 22 ألف منزل في القدس الشرقية ضمن ما تسميه البلدية "بناء غير مرخص"، ووفقاً لما تقوله منظمة "بمكوم" فإن مدير "لواء القدس" في سلطة الطبيعة والحدائق قال صراحة أثناء لقاءات التنسيق التي جرت بين مخططي العيساوية ومخططي الحديقة الوطنية، إن الغاية من وراء الحديقة وقف انتشار الأحياء الفلسطينية باتجاه المنطقة المفتوحة.

حلول سياسية

وتشير منظمة "عير عميم" الإسرائيلية المتخصصة بشؤون القدس، إلى أن إسرائيل وبعد قيامها بسلسلة حفريات أثرية تمهيداً لتحويلها إلى مشاريع سياحية، تطلق مسميات "حدائق وطنية" عليها لفرض حلول سياسية مسبقة على الفلسطينيين، معتبرة إقامتها نوعاً جديداً من الاستيطان في قلب الأحياء الفلسطينية بالقدس، فضلاً عن قربها من المواقع الأثرية التاريخية.

وبحسب المنظمة، فقد حرصت منظمات يهودية التركيز على أن تكون الحدائق أو بعض حدودها في قلب الأحياء الفلسطينية أو مجاورة لها، بخاصة أحياء الطور والعيساوية والبستان والشيخ جراح وسلوان. وتعد "الحديقة الوطنية اليهودية" في القدس أول حديقة تقام بجوار أسوار القدس عام 1976، وتقع بعض أجزائها ببلدة سلوان.

وبحسب مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في بتسليم، فإن أهم الحدائق اليهودية في القدس هي "أسوار البلدة القديمة" ومساحتها 1.1 مليون متر مربع، و"وادي تسوريم" ومساحتها 170 ألف متر مربع، و"منحدر جبل المشارف" ومساحتها 730 ألف متر مربع، ووادي الملك ومساحتها 170 ألف متر مربع، ويضاف إليها حديقة "نهر الأشباح" ومساحتها 1.4 مليون متر مربع، وحديقة "حي الشيخ جراح" ومساحتها 170 ألف متر مربع، وحديقة "جبل الزيتون" التي جرت توسعتها لتصل مساحتها إلى 470 ألف متر مربع، إضافة إلى حديقة "متحف روكفلر" في باب الساهرة ومساحتها 40 ألف متر مربع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واقع جيوسياسي

ووفق "بتسليم"، فإن بلدية القدس تستغل الحدائق لإعطاء المدينة طابعاً يهودياً، وفرض واقع جيوسياسي فيها يخدم الراوية الإسرائيلية، ناهيك بوضع اليد الإسرائيلية على مساحات واسعة من القدس ضمن ما يعرف بالمحميات الطبيعية، التي تختلف عن الحدائق.

ويحدد القانون الإسرائيلي تعريف "الحديقة القومية"، بأنها "مساحة من الأرض مستخدمة اليوم أو ستستخدم مستقبلاً لتلبية احتياجات الناس في الترفيه عن أنفسهم بأحضان الطبيعة". كما يملك القانون صلاحية إعلان مكان "حديقة قومية" بأمر من وزير الداخلية الإسرائيلي لما قد يحمله المكان من أهمية تاريخية أو أثرية أو هندسية أو طبيعية، أو حتى مشهدية.

وبدأت سلطة الطبيعة والحدائق الإسرائيلية مطلع العام الحالي 2025 ضمن قانون "الاستخدام الموقت للأراضي الفارغة" الذي يعود لعام 1987، بتنفيذ أعمال بستنة وتشجير في عشرات الدونمات داخل وحول الأحياء العربية، بزعم أنها "لا تؤثر في حقوق الملكية لهذه الأراضي".

وباشرت ببناء مدرجات وترتيب الممرات وأماكن للجلوس، وزراعة الأشجار وتركيب نظام للري وتطوير الطبيعة وتصميم المنحدرات بدعوى "تطوير وتحسين الطبيعة وترفيه الزوار لمدينة القدس". وبحسب عضو لجنة أهالي حي وادي الربابة شادي سمرين، فإن الأراضي التي يشملها القرار الجديد لسلطة الطبيعة والحدائق الوطنية تعود لخمس عائلات من بلدة سلوان، تمتلك طابو عثماني (سندات ملكية للأرض) لـ18 ألف متر مربع.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير