ملخص
يمكننا أن نفترض أن سكورسيزي المحب للسينما كسينيفيل حقيقي لم يقصد محو ذكر "النصاب" من الوجود، بقدر ما تقصد توجيه تحية إكبار وإعجاب إلى زميله القديم من خلال الاستحواذ على فيلمه والانطلاق منه في أبعاد جديدة.
كان ذلك عام 1986 حين قرر المخرج الأميركي النيويوركي الكبير مارتن سكورسيزي، من دون سابق إنذار، أن الوقت قد حان له هذه المرة كي يعود إلى فيلم هوليوودي قديم عنوانه "النصاب" كان سلفه روبرت روسين قد حققه عام 1961 ووعد حينها بطله بول نيومان الذي كان في عز نجوميته أن ينال عليه أوسكار أفضل ممثل، لكن الفيلم القديم وعلى رغم نجاحه، تحديداً بفضل أداء نيومان فيه، لم يحصل له على الجائزة المنشودة فظل الأمر حسرة في قلب الممثل الكبير.
صحيح أن رد الاعتبار الأوسكاري لم يكن هدفاً رئيساً لسكورسيزي حين أقدم بعد أكثر من ربع قرن على "إعادة إنتاج" الفيلم نفسه باسم جديد هو "لون المال"، لكنه فعل ذلك جانبياً. ولم يخلُ الأمر بالنسبة إليه من مجازفة، ذلك أن فيلم روسين كان قد تحول أثناء ذلك، ببول نيومان أو من دونه، إلى فيلم أيقوني يصعب الدنو منه لمكانته في تاريخ السينما وهواتها.
ونحن نعرف أن ذلك النوع من الأفلام الأيقونية يصبح في تاريخ الفن الذي ينتمي إليه صنماً من النادر أن يتمكن من يسعى إلى إعادة إنتاجه من تحقيق ما يبدو أنه أفضل منه. لكن سكورسيزي فعلها حتى في هذا المجال أيضاً، وبالتحديد لأن "لون المال" حل منذ عروضه الأولى محل "النصاب" في مكانة أيقونية متقدمة ربما أنست محبي السينما فيلم روسين. وبخاصة لأن فيلم سكورسيزي حقق لنيومان ما عجز عنه الفيلم السابق. فماذا لو ذكرنا هنا بأن "لون المال" وفي المجال الأيقوني نفسه، عرف كيف يطلق أسطورة سينمائية جديدة تمثلت في توم كروز، الذي كان حين لعب الدور الثاني في فيلم سكورسيزي، في بداياته فاستولى على الأفئدة وبات النجم الذي نعرف منذ ما يقارب الـ40 عاماً، حتى من دون أن يفوز بأية جائزة الأوسكار حتى اليوم.
صرخة مخرج كبير
ثم وكأن هذا كله لا يكفي، عرف مارتن سكورسيزي كيف يستحوذ على الأمثولة الأخلاقية التي ينغلق عليها الفيلم الجديد، جاعلاً إياها أمثولته الخاصة. وذلك بالصرخة التي يطلقها أدي فيلسون، "أدي السريع"، في اللقطة الأخيرة من "لون المال" عندما حقق في لعبة البلياردو التي هي محور الفيلم، صرخة باتت شهيرة في عالم السينما وفي حياة سكورسيزي الشخصية هي: "ها آنذا قد عدت!" التي سرعان ما عدها المشاهدون من محبي سكورسيزي صرخته الخاصة التي لم يحقق هذا الفيلم إلا من أجل إطلاقها تعبيراً عن أزماته الشخصية التي كادت قبل ذلك تورده موارد هلاك جاء إنتاجه "لون المال" نوعاً من الترياق المنقذ له منها.
ومهما يكن من أمر، فقد يكون من المهم هنا أن نشير إلى أن "لون المال" ليس في حقيقته إعادة إنتاج لفيلم روسين. حتى وإن كان قد انتزع منه أيقونيته. ففيلم سكورسيزي المبني حقاً انطلاقاً من السيناريو الذي وضعه المخرج السابق شراكة مع الكاتب سيدني كارول، يستحوذ على الموضوع والأجواء القديمة ليعيد بناء حكاية جديدة بطلها نفس النصاب القديم أدي، ولكن بعد 25 عاماً من الأحداث التي يختتم عليها فيلم "النصاب".
وهذا ما يجعل الفيلم الجديد فريداً إلى حد ما في عالم إعادات الإنتاج الذي يحلو لهوليوود أن تخوضه بين الحين والآخر. وهو أمر لا يتعلق فقط بأفلام السينما الأميركية بل يطاول أفلاماً تأتي بها هوليوود من أنحاء العالم معيدة إنتاجها، على طريقتها. غير أنه قليلاً ما عمدت هوليوود إلى استكمال حكايات ترد في أفلام سابقة، لا سيما كما فعل سكورسيزي في "لون المال" حيث استعاد الشخصية والمناخ ثم أدخل أبعاداً ذاتية خالقاً الفيلم من جديد كما أشرنا.
ومن هنا يمكننا أن نفترض أن سكورسيزي المحب للسينما كسينيفيل حقيقي لم يقصد محو ذكر "النصاب" من الوجود، بقدر ما تقصد توجيه تحية إكبار وإعجاب إلى زميله القديم من خلال الاستحواذ على فيلمه والانطلاق منه في أبعاد جديدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبهذا ربما يمكننا القول إن سكورسيزي الذي سيخوض بعد ذلك مغامرة ترميم كثير من كلاسيكيات السينما، ومن بينها كلاسيكيات سينمائية عربية، إنما سعى هنا في "لون المال"، إلى نوع من ترميم سمعة فيلم روسين بطريقة مبتكرة. وأفلح في ذلك، إذ إن الفيلم لا يزال حياً وأيقونياً حتى اليوم ويحسب دائماً في عداد الأفلام الأكثر أيقونية في تاريخ الفن السابع الأميركي، خصوصاً أنه في حكايته وحبكته يختلف إلى حد كبير عن "لون المال". فعم يتحدث "النصاب"؟
حكاية أميركية خالصة
في هذا الفيلم المقتبس أصلاً عن قصة قصيرة للكاتب والتر تريفس، يلعب بول نيومان إذاً دور أدي الملقب بـ"السريع"، الذي يعيش ويحلم بمباريات يخوضها في لعبة البلياردو التي تشكل هاجس حياته وشاغله اليومي، ولكن أيضاً خططه في ممارسة الغش والنصب المعهودة في البارات والمقاهي الأميركية حيث تنتشر اللعبة.
ويقوم النصب لدى أدي ورفاقه في اللعبة على التسلل بهدوء بغية طمأنة الخصوم حتى اللحظة التي يضربون فيها ضربتهم القاضية. وتنجح العملية غالباً مع أدي حتى اللحظة التي يقرر فيها يوماً ما أن الوقت قد حان للقضاء على بطل اللعبة في الشرق الأميركي مينيسوتا فاتس، الذي يعرف عنه أنه ليس في إمكان أي منافس ومهما علا شأنه أن ينتصر عليه، ولكن لأن "ما كل مرة تسلم الجرة" يخسر أدي خسارة مريعة ومذلة أمام هذا اللاعب العريق ليلتجئ إلى عاهرة المكان محاولاً أن يبدأ حياة جديدة بعدما تساعده هذه على مداواة جرحه النرجسي الذي حطم له كرامته. وهي تتمكن من ذلك ولكن مقابل ثمن باهظ يدفعه أدي الذي قام بدوره كما أسلفنا، بول نيومان وكان لا يزال في ذلك الحين شاباً يصنع بدايات حقيقية لمجد سينمائي كبير.
غير أن هوليوود، وإن كان كثر قد لاحظوا فيها أداءه البديع الذي سيجعله يعد دائماً واحداً من الخمسة الكبار في الأداء الفني فيها، إلى جانب مارلون براندو ولاحقاً روبرت دي نيرو وال باتشينو وداستن هوفمان، فإنها ضنت عليه بأية وسكارات حتى جاء سكورسيزي كما نوهنا ومكنه من الحصول عليها وتحديداً في "لون المال" الذي أعاده إلى الواجهة وهو يدنو من الـ70 من عمره.
ولعل اللافت هنا هو أن الأوسكار التي كان نيومان يستحقها بالفعل، على أية حال، عن "النصاب"، بأكثر مما استحقها عن "لون المال"، إنما عدت هنا أوسكاراً لسكورسيزي نفسه متضافرة مع أوسكار متأخرة ربع قرن لبول نيومان القديم، أي تحديداً بول نيومان "النصاب". وكانت تلك بدورها سابقة لافتة في التاريخ الحديث لهوليوود. هوليوود التي لم يحدث لها كثيراً أن كافأت فيلماً يعد نوعاً ما إعادة إنتاج لفيلم قديم، لكنها هنا فعلتها ولكن من دون أن يبدو مؤكداً أنها فعلتها من أجل نيومان أم من أجل سكورسيزي أو ربما تعويضاً على ما قصرت عن فعله مع "النصاب" الذي يبقى في الأحوال كلها من الأفلام الأيقونية في التاريخ السينمائي الأميركي.