ملخص
مدير مكتب الإدارة والموازنة يتهم جيروم باول بمخالفة القانون في شأن تجديد مقر "الاحتياطي الفيدرالي"
أصبحت هجمات الرئيس الأميركي دونالد ترمب على رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول متكررة ومتصاعدة في هذه المرحلة، لدرجة أنها تلاحظ في الأسواق المالية.
يدخل مستشارو البيت الأبيض الآن بشكل لا لبس فيه في جهد منسق لزيادة الضغط على جيروم باول بصورة كبيرة في التصريحات العامة ومن خلال خطوات بيروقراطية تهدف إلى منح ترمب مزيداً من النفوذ. وتقول مصادر مطلعة إن هذا النفوذ ليس مصمماً لإقالة باول، في الأقل ليس في الوقت الحالي.
لكن مع تزايد إحباط ترمب من رفض "الاحتياطي الفيدرالي" الرضوخ لضغوطه لخفض أسعار الفائدة يوماً بعد يوم، تعد هذه الخطوة الأكثر أهمية حتى الآن لإيصال هذا التهديد إلى عتبة باول. وتمثل هذه الخطوة أوضح نافذة على الجهود المتنامية لتغيير إصرار باول ولجنة السوق المفتوحة الفيدرالية على استقلال السياسة النقدية. قبل ثلاثة أسابيع فحسب، أقر ترمب صراحة بفشل محاولاته، وقال معرباً عن حيرته من رد باول "أطلق عليه كل التهم المتاحة... أفعل ذلك بكل الطرق المتاحة... لا شيء يجدي نفعاً"، فيما يظهر مستشارو ترمب أنهم لن يستسلموا.
باول يخالف القانون
كانت السرعة التي تصاعدت بها الحملة ضد باول الخميس الماضي، مفاجئة ومتوقعة في آن واحد بالنسبة إلى البيت الأبيض الذي تعامل مع ولاية ترمب الثانية برؤية متطرفة للسلطة التنفيذية وفهم مفصل للأدوات القانونية والبيروقراطية لتعزيز هذه الرؤية.
وأثار مدير مكتب الإدارة والموازنة، راسل فوت، هذه السلسلة من الأحداث برسالة إلى باول، نشرها علناً على وسائل التواصل الاجتماعي، مشيراً إلى أن باول ربما يكون خالف القانون في إدارته لتجديد مخطط لمقر "الاحتياطي الفيدرالي". استشهد فوت بشهادة باول أمام الكونغرس الشهر الماضي، وارتباطها بقانون تخطيط رأس المال الوطني، الذي يشترط موافقة لجنة التخطيط الوطني على مشاريع التجديد.
وقدم رسالته كمحاولة لفهم مشروع تجديد "الاحتياطي الفيدرالي" بصورة فضلى، وسط مخاوف في شأن كلفته ووصف باول للمشروع في شهادته. وقال فوت للصحافيين "سنطرح أسئلة صعبة في شأن الاحتياطي الفيدرالي... لكن الأمر يتعلق باستياء الرئيس من تجاوزات الكلف، فالرئيس في الأساس هو مطور عقاري". لكن عندما سئل عما إذا كان ترمب يريد أن يحافظ "الاحتياطي الفيدرالي" على استقلاليته، وصف فوت السؤال بأنه "غير جوهري".
وقال، "للرئيس وجهة نظر سياسية تتعلق بحاجتنا إلى خفض أسعار الفائدة... لديه وجهة نظر سياسية تتعلق بتأخر جيروم باول مراراً... أساء إدارة الاحتياطي الفيدرالي"، لكن تزامنت رسالة فوت مع تحرك هادئ لاستبدال موالين بثلاثة أعضاء من لجنة التخطيط تلك، وأدى الجميع اليمين الدستورية قبل اجتماع اللجنة مساء الخميس.
وتحمل هذه التحركات سمات أسلوب لعب مألوف استخدمه ترمب وكبار مساعديه السياسيين على مدى العقد الماضي، إذ يبدأ الأمر بادعاء غير ملحوظ بارتكاب مخالفات من قبل حلفاء في "الكابيتول هيل" ضد أحد الخصوم، الذي يستغل لاحقاً ويضخم ثم يستخدم كأساس لتحقيق يمكن استخدامه في الأقل لنزع الشرعية عن ترمب أو كأساس لإجراءات أكثر أهمية.
والشهر الماضي، قال فوت "أعتقد أنه على المعينين السياسيين أن يكونوا حازمين للغاية في العودة إلى القوانين الأساسية لمعرفة ما هو ممكن... على الرئيس أن يدير رصيده السياسي، ولكن عليك منحه خيارات تتوافق مع القانون".
ونشر بنك الاحتياطي الفيدرالي أمس الجمعة صفحة "الأسئلة الشائعة" حول تجديد مقره الرئيس المخطط له، نافياً كثيراً من الادعاءات الأخيرة حول كلفة التجديد أو جوانب أخرى منه. وتضمنت الصفحة صوراً لتسريبات في المبنى، وشقوقاً في الأساسات، وجهوداً سابقة لاحتواء الأسبستوس. وجاء في الصفحة "يأخذ بنك الاحتياطي الفيدرالي على محمل الجد مسؤولية الحفاظ على الموارد العامة".
ترمب ينفي عزمه إقالة باول
ويقول مسؤولو البيت الأبيض إنه لا توجد جهود حثيثة جارية لمحاولة إقالة باول، وهو هاجس قديم لترمب، منعه مستشاروه عن متابعته بسبب مخاوف كبيرة في شأن القيود القانونية ورد فعل السوق. والجمعة أكد ترمب مجدداً أنه لن يقيل باول، وقال "لا، أعتقد أنه يؤدي عمله بصورة سيئة".
لكن مع ذلك لم تتبدد هذه المخاوف، لا سيما في أعقاب حكم المحكمة العليا في مايو (أيار) الماضي الذي أكد سلطة ترمب في عزل المسؤولين التنفيذيين. إلا أن المحكمة أوضحت صراحة أن سلطة ترمب لا تشمل الاحتياطي الفيدرالي، الذي وصفته بأنه "كيان شبه خاص ذو هيكل فريد، وله استقلالية خاصة".
الخطر الأكثر حدة - الذي تشير المصادر إلى أنه السبب الرئيس لتردد ترمب في اتخاذ إجراء ضد باول - هو توقع أن أي خطوة ستؤدي فوراً إلى موجة بيع واسعة في السوق. ومن المرجح أن تستنزف المعركة القانونية الطويلة والمعقدة والحافلة، التي لا مفر منها، والتي ستدار في ظل موقف باول الرافض أي عزل قضائي، اقتصاداً أميركياً مستقراً ومرناً لأشهر.
في مقابلة مع صحيفة "هارفرد غازيت"، قال محافظ الاحتياطي الفيدرالي السابق، دانيال تارولو "إذا بذل الرئيس جهداً لإقالة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي فسيكون رد فعل السوق كبيراً للغاية قبل أن تتاح لأي محكمة فرصة لتمرير القضية". وأوضح أن "التأثير المتوقع في السوق يثبط عزيمة محاولة إقالة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بغض النظر عن مدى استياء الإدارة من سياساته".
حساسية واضحة من ردود فعل السوق
في حين شكك بعض مستشاري ترمب في الأساس القانوني لاستقلال مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلا أن هناك حساسية واضحة داخل الإدارة تجاه رد فعل السوق.
كان هذا الأمر يتضمن تحذيراً بالغ الأهمية، "لا يطبق هذا الأمر على مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي أو على اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في إدارتها السياسة النقدية". ويقول المسؤولون إن هذا الواقع لم يتغير، مما يؤكد مدى كون التحركات الأخيرة تهدف إلى زيادة الضغط على باول وأعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة الآخرين المصوتين.
وقال مسؤول لشبكة "سي أن أن"، "نحن ندرك أن باول لا يتخذ القرار بمفرده... وجهة نظرنا هي أن الأعضاء المصوتين يتحملون مسؤولية الاطلاع على البيانات بغض النظر عن رأيه، ونعتقد أن البيانات تدعم وجهة نظرنا".
بالنسبة إلى استبدال جيروم باول فقد تعزز هذا الموقف بالسباق الدائر لاختيار بديل لرئيس "الاحتياطي الفيدرالي" الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي الأميركي خلال العام المقبل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كان كيفن وارش، وهو عضو سابق في مجلس محافظي نظام الاحتياطي الفيدرالي وأحد المرشحين الثلاثة الأكثر احتمالاً للحصول على موافقة ترمب، قد زعم هذا الأسبوع، أن الرسوم الجمركية ليست تضخمية وأن الاقتصاد الأميركي تعوقه "السياسات الاقتصادية السيئة القادمة من البنك المركزي".
فيما قدم مدير المجلس الاقتصادي الوطني لترمب كيفن هاسيت، وهو مرشح بارز آخر، حججاً مماثلة استناداً إلى بيانات اقتصادية. ومن المفارقات أن هاسيت، بصفته رئيساً لمجلس المستشارين الاقتصاديين في ولاية ترمب الأولى، هو من أدى دوراً محورياً في إقناع ترمب بعدم إقالة باول بعد بحثه في المسألة مع محامي البيت الأبيض.
كتب هاسيت في مذكراته عن فترة إدارته الأولى لترمب، "وجدنا أنه ربما لم يكن من الممكن للرئيس إقالته، وأبلغناه بذلك في المكتب البيضاوي... ربما كان بإمكاننا إقالته من منصبه كرئيس، لكنه سيتمكن من البقاء عضواً في المجلس... يمكن للأعضاء الآخرين أن يقرروا معاملته كرئيس، وهذا أقصى ما يمكن أن تصل إليه الأمور".
حملة واسعة لأنصار ترمب على باول
في حين أن غضب ترمب على باول، الذي اختاره رئيساً في ولايته الأولى، قائم منذ زمن طويل، إلا أن الهجمات العلنية العدوانية على آرائه السياسية كانت في المقام الأول. لكن الإحباط الذي اعترف به ترمب صراحة الشهر الماضي إزاء حربه الخطابية الأحادية الجانب وغير الفعالة ضد باول، بدا أنه دفع حلفاءه على الفور للانضمام إلى المعركة.
وبعد ساعات من تصريحات ترمب، دعا مدير الوكالة الفيدرالية لتمويل الإسكان، بيل بولت، الذي انتقد رئيس الاحتياطي الفيدرالي بشدة لأسابيع، باول إلى الاستقالة.
فيما نشر بيتر نافارو، أحد أقدم مستشاري ترمب وكبير مستشاريه للتجارة والصناعة، مقال رأي في صحيفة "ذا هيل" بعنوان "باول يتنافس على لقب أسوأ رئيس لبنك الاحتياطي الفيدرالي في التاريخ". وغالباً ما يشير ظهور نافارو كمستشار تجاري متشدد لترمب، إلى موقف أكثر صرامة من الإدارة تجاه سياسة الرسوم الجمركية. لكن نافارو أوضح مراراً أنه لا يريد التركيز على الرسوم الجمركية، وأنه لا يعتزم مواجهة الرئيس في شأن هذه القضية.
وعندما سئل وزير التجارة هوارد لوتنيك عن باول، لم يكن رد فعله لافتاً وقال "يجب أن يتغير، ويجب أن يرحل".
ومع ذلك يقول المستشارون إن الهدف النهائي لا يتمثل في إقالة باول، بل في توجيه الرسالة والضغط على أعضاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي قبل اجتماعهم القادم. وهي استراتيجية يجسدها على أفضل وجه وزير الخزانة سكوت بيسنت، كبير المستشارين الاقتصاديين لترمب.