ملخص
في الأول من هذا الشهر قضت الرسامة الفلسطينية الثلاثينية فرانس السالمي (آمنة السلمي) في غارة إسرائيلية استهدفت استراحة صغيرة على شاطئ البحر، لجأت إليها برفقة مجموعة من الفنانين والصحافيين والأطفال، اعتقاداً منهم أنها بمنأى عن القصف، إلا أن المكان الذي ظنوه آمناً تحول إلى مسرح للمجزرة. رحلت فرانس السالمي في ذلك الهجوم، مع 25 شخصاً آخرين، من بينهم الصحافي إسماعيل أبو حطب.
صورة للصحافية الفلسطينية الراحلة شيرين أبو عاقلة مرسومة بالأسود والأبيض ومعلقة على غصن شجرة. الصورة لم تكن مجرد تحية للصحافية الفلسطينية الراحلة، بل كانت مرآة صغيرة يمكن من خلالها الإنصات إلى ما في قلب من رَسمها، وهي الرسامة الفلسطينية آمنة السلمي المعروفة باسم فرانس السالمي. تلك اللوحة المعلقة على الغصن في فضاء غزة المحاصر كانت تقول كثيراً عن فنانة كانت ترسم لتتحدى قسوة الواقع من حولها.
فرانس السالمي لم تكن فقط رسامة موهوبة، بل كانت شاهدة على تفاصيل الحياة اليومية تحت القصف، وراوية بصرية لأوجاع شعبها. ولدت السالمي في مخيم للاجئين داخل مدينة غزة، وتخرجت في كلية الفنون الجميلة بجامعة الأقصى. عاشت عمرها وسط الحصار، أو ما كانت تسميه رائحة مختلطة من الزهر والدم، إذ كتبت ذات مرة على صفحتها أن الأراضي في قطاع غزة بعضها يفوح برائحة الزهر، والآخر مشبع برائحة الدم... هنا يتحول الجمال إلى خطر والبراءة إلى هدف، كما تقول.
رحلت السالمي وبقيت أعمالها شاهداً على جرائم المحتل، هي ليست لوحات أو مجرد مشاهد عابرة، بل سرديات مصورة تشي برغبة صاحبتها في الاستمتاع بالحياة والاحتفاء بها. ترسم السالمي خيولاً ومشاهد خيالية بالأبيض والأسود لأعماق البحر، ووجوهاً لفتيات يشبهنها يحلقن في فضاء من اللون، كأنها كانت ترسم أحلامها الضائعة وتوقها للتحرر والسفر. وما يميز أعمال آمنة السالمي هو التوتر المستمر بين الأمل والخذلان، وبين الحلم والواقع، وبين الحياة والموت. لم تكن فنانة رمزية أو تجريدية بالمعنى الكلاسيكي لكنها أيضاً لم تسجن نفسها في التمثيل المباشر للأشياء. وفي رسومها بالأبيض والأسود حضور قوي للظل، كما لو كانت تقاوم الضوء الزائف وتفتش عن الصدق في العتمة. وكانت تؤمن بأن الرسم يمكن أن يكون وثيقة، وأحياناً عزاء، وأحياناً أخرى مقاومة.
إحدى أبرز لوحاتها تظهر فيها امرأة ذات ملامح قاسية وفي يدها آلة موسيقية، وخلفها جدار مشتعل. في تلك اللوحة تحديداً تحس بصرخة مكتومة، لا تسمع لكن ترى. عاشت فرانس حلمها مؤجلاً باستمرار، إذ كانت تتمنى إقامة معرض فني خارج غزة، لتروي من خلاله حكايات المحاصرين. لم تنل الفنانة الراحلة تلك الفرصة، لكن لوحاتها التي باتت اليوم جزءاً من إرث غزة الثقافي والوجداني، ربما تحقق هذا الحلم بطريقة أخرى، ففي كل منبر يعرض عملاً لها، وفي كل مقال يذكرها تذكير بها وبأحلامها الضائعة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إن الفن في السياق الفلسطيني ليس ترفاً ولا هواية بل إحدى صور النجاة، وفرانس السالمي كانت من بين أولئك الذين اختاروا أن يصنعوا من الركام لغة، ومن الخوف وسيلة للتعبير. نحن لا نرثي هنا فنانة شابة، بل نشيع جزءاً من ذاكرة غزة البصرية، ومن صمودها الناعم. في صفحتها على "فيسبوك" كتبت فرانس السالمي مقطعاً من قصيدة للشاعر الفلسطيني محمود درويش، يقول فيه "هو القلب، ضل قليلاً وعاد". هذا القلب لم يعد هذه المرة، غير أن نبضه باق ومستمر، في كل ما تركته فرانس السالمي من رسوم ولوحات.