ملخص
يستعرض المقال مسيرة الكاتب النمساوي توماس برنارد الذي رحل مبكراً لكنه خلّف أثراً إبداعياً بالغ التأثير، خصوصاً عبر روايات تُعد فصولاً من سيرته الذاتية. رغم عزوفه عن الأوساط الثقافية، ظلّ مراقباً وساخراً للواقع الأدبي والفكري، مشابهاً في سلاطة لسانه كارل كراوس. ويحتفي عام 2025 بالذكرى الخمسين لانطلاقته الأدبية.
لم يعش الكاتب النمسوي توماس برنارد طويلاً، بل إن الحياة القصيرة التي عاشها لم تكن شديدة التنوع والغنى كما يمكن لقارئه أن يعتقد اليوم إذ يقرأ رواياته أو مسرحياته أو يطلع على آرائه، علماً أن الجانب الأكثر ثراء من حياته الإبداعية لم يظهر إلا خلال النصف الثاني من حياته، أي خلال نحو 30 عاماً انصرف خلالها إلى الكتابة مهدداً بين كتاب وآخر بأن ما انتهى من كتابته، سيكون الأخير. مهما يكن من أمر، بدت تلك الأعوام على أية حال مثمرة، نوعياً إن لم يكن كمياً، إلى حد أن كثراً كانوا يتوقعون له أن يفوز بين عام وآخر بجائزة نوبل الأدبية التي حتى وإن فاتته فإنها لم تذهب بعيداً. فهي مرة أو مرتان أعطيت لمبدع أو اثنين من بلده النمسوي لم يفتهما أن يصرحا بأنه كان يستحقها أكثر منهما (الفريدة يلنيك وبيتر هاندكه).
المهم أن توماس برنارد قبل رحيله المبكر في عام 1989 كان قد ترك وراءه ما لا يقل عن خمس روايات سينظر إليها النقد في نهاية الأمر باعتبارها فصولاً من سيرة ذاتية أكثر كثيراً مما هي نصوص روائية، لا سيما أن ناشري عمل هذا الكاتب، ومنهم "غاليمار" الفرنسي على وجه الخصوص حرصوا دائماً على نشرها معاً في مجلد واحد، ومن هنا قرئت "الأصل" و"القبو" و"النفس" و"البرد" و"الطفل" غالباً وكأنها تحكي ولو بصورة مواربة، فصولاً متعاقبة من حياة بطلها الذي لا يمكن أن يكون سوى توماس برنارد نفسه، ولئن كان بعض القراء قد احتجوا على تلك الفرضية بقولهم إن الفصول الخمسة ينقصها التتابع الزمني المقنع، فإن جواباً مستعاراً من السينمائي الفرنسي جان لوك غودار كان كافياً للإقناع إذ قال مرة، وفي مجال آخر تماماً، إن لكل عمل بداية ووسطاً ونهاية وإن لم يكن على مثل ذلك الترتيب المنطقي!
حياة من الإبداع
ولعل ما يتعين الإشارة إليه هنا هو أن هذا العام الذي نعيش فيه، 2025، يشهد في عالم الأدب الذكرى الـ50 لظهور توماس برنارد ككاتب، وذلك تحديداً من خلال "الرواية" الأولى بين الخمس روايات التي تم التعارف على أنها تشكل سيرته الذاتية. فرواية "الأصل" ظهرت في الألمانية في مثل هذه الأيام من عام 1975 وكان الكاتب في الـ25 من عمره لا يعرف عنه أحد شيئاً. فهو على أية حال، كان لتوه قد كف عن حياة التنقل وارتياد الأوساط الاجتماعية، وقد قرر أن ينأى بنفسه معتكفاً عن العالم ومجتمعه منصرفاً إلى الكتابة. فكانت تلك بداية النصف الثاني من حياته إذ كتب حتى عام 1982 النصوص التي أشرنا إليها من دون أن يزعم أبداً بالطبع أنه يروي فيها سيرته. لكنه لم يكتف طبعاً بذلك. أو هذا في الأقل ما يمكننا أن نستشفه من كتاب ضخم صدر بعد أعوام قليلة من موته تحت إدارة اثنين من كبار عارفيه ومحللي نصوصه، وباربارا هات.
ولعل أول ما يثير الاستغراب هو أن الكتاب صدر بالفرنسية قبل أن يصدر بالألمانية، حتى وإن كان قد عرف على الفور بأن أخاً غير شقيق لبرنارد، هو بيتر فابيان، كان وراء المشروع وزود مؤلفي الكتاب أو بالأحرى محرريه، بعشرات الدراسات والمراجع وألوف الصفحات التي سهلت عليهما إنتاج عمل ضخم عن كاتب لم يسع أبداً إلى أن يترك وراءه أي أثر يخلده، سوى "خماسيته" ولم يهتم بأنه حتى خلال الأعوام الأخيرة من حياته كان يعد أكثر كاتب معاصر باللغة الألمانية يقدم على مسارح العالم، إلى جانب برتولد بريخت وهاينر موللر.
ومن هنا أتى هذا المجلد الضخم في وقته، ليعيد إلى الواجهة الأدبية ذكرى كاتب، صحيح أنه لم يكن سينسى على أية حال، لكن كثيراً مما كتب عنه كان سيضيع ويبقى مشتتاً لولا ذلك الجهد الذي حملت صفحاته الـ500 عنواناً بسيطاً هو "توماس برنارد"، وحملت مقدمته وعداً بأن الغاية من إصداره ليست أكثر من السعي إلى الإبقاء على نتاج ذلك الكاتب الفذ مشعاً وحياً، ناهيك بالعمل على "تبسيط سيرته بعيداً من الكليشيهات ولكن انطلاقاً منها". ويقيناً أن هذا العمل وفى بالوعود ومكن بالتالي المهتمين بذلك الكاتب الذي رحل قبل الأوان من أن يصل إلى قرائه بقوة ووضوح.
صورة متكاملة... تقريباً
ولا بد من الإقرار على الفور هنا، بأن الكتاب لم يقصر في الوصول إلى أهدافه، بل زاد على ذلك بتخصيصه فصولاً بأكملها ليس فقط للنصوص التي كتبها برنارد، أو النصوص التي كتبت عنه، بل كذلك لنشر عشرات الصور والوثائق التي لم يكن معظمها معروفاً من قبل، إضافة إلى عدد كبير من شهادات كتبها مقربون من الكاتب بعضها في مناسبات سابقة متعددة، ولكن بعضها الآخر خصيصاً للكتاب بصورة خاصة. ولئن كان من الطبيعي أن يغوص العدد الأكبر من نصوص الكتاب في تحليلات وشهادات تلقي أضواء كاشفة على حياة برنارد وأدبه، فإن الجديد المفاجئ في ذلك كله كان في مكان آخر تماماً، بل في مكان لم يكن متوقعاً على الإطلاق، أو ربما في مكان كان منسياً.
فصحيح أن برنارد لم يكن متنسكاً تماماً يعيش في عزلة عن الناس والحلقات الاجتماعية خلال النصف الثاني من حياته، لكنه كان يراقب ما يحدث في الحياة الأدبية والفكرية في كل مكان يثير اهتمامه في العالم سواء كان أوروبياً هذا العالم، أو خارج أوروبا، بل إنه لم يكن يفوته أن يعلق على أمور يبدو أحياناً أن التاريخ قد طواها. ولعل ما لا بد من أن نتذكر هنا هو أن تعليقات برنارد شبهت في حياته من ناحية أسلوبها بتعليقات سلفه النمسوي الكبير بدوره كارل كراوس الذي عاش وكتب ومارس سخرية لاذعة قبله بـ50 سنة وكان لسانه من السلاطة بحيث إن فيينا بأسرها كانت تخشاه. والحقيقة أن كثيراً من صفحات الكتاب الجديد المكرس لتوماس برنارد يفيدنا بأنه إذا كان لكراوس من وريث في زمننا، فإن هذا الوريث ليس سوى توماس برنارد حتى ولئن كانت كل الكليشيهات توحي بعكس ذلك. وحتى ولو إن كراوس عاش وكتب وأحدث رعباً داخل فيينا، فيما فعل برنارد ذلك من معتزله الريفي البعيد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
صحافي وشاعر وممثل...
ولاكتشاف المزيد حول هذا الأمر بالذات، ها هو الكتاب يذكرنا، إن كنا نسينا، بأن برنارد كان روائياً وكاتباً مسرحياً لكنه كان أيضاً شاعراً وصحافياً بل حتى ممثلاً مسرحياً مرموقاً ولو في فترات متقطعة من مساره المهني والحياتي. وهو يذكرنا أيضاً بأن برنارد قد تطرق إلى كل ذلك بدوره في حديث صحافي طويل أجري معه قبل عامين أو ثلاثة من رحيله، لم يبد حين نشر يومها مفاجئاً كما يبدو اليوم من خلال نشره في الكتاب أو كما بدا في العام السابق لموته إذ نشر في عدد خاص من مطبوعة محلية فرنسية. لماذا؟ بكل بساطة لأن بعض الآراء التي أوردها برنارد فيه تحمل من المفاجأة ما يبدو مدهشاً اليوم حقاً.
وحسبنا هنا أن نختم بإيراد بعضها كي تكتمل الصورة. فبالنسبة إلى برنارد ليس توماس مان سوى "كاتب بورجوازي صغير مثير للنفور" ومارتن هايدغر مجرد "شخص لا يحتمل عاش على حساب عدد من كتاب استغلهم وامتص جهودهم حتى النخاع، هو ليس أكثر من خواء وهراء ودجال. أما حين سأله محدثه عن نقاد الأدب فقد ضحك ساخراً وقال إنهم ليسوا سوى مهرجين مبتذلين بدائيين لا يتمتعون بالذوق ولا يملكون أية معرفة حقيقية بما يقرأون أو يكتبون. ولا يفهمون شيئاً عما يعالجونه...".