Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الفوضى هاجس عراقي متصاعد من الإقليم إلى الداخل

تخوف شعبي من تكرار سيناريوهات الحروب الإقليمية

مواجهات عنيفة وقعت في بغداد عام 2022 بين التيار الصدري وفصائل "الإطار التنسيقي" (رويترز)

ملخص

على رغم الضجيج السياسي فإن الصوت الأقوى على الأرض هو صوت الشارع. فمن بغداد إلى الموصل، ومن البصرة إلى النجف، يتكرر مطلب وحيد على ألسنة الناس "نريد دولة".

في ظل اشتداد التصعيد الإقليمي بين دول وقوى مسلحة في المنطقة، ومع تزايد الدعوات السياسية إلى تجريد الفصائل العراقية من سلاحها، يخيم على الشارع العراقي شبح القلق من أن يتحول هذا الملف المعقد إلى شرارة لصراعات داخلية جديدة، أو ساحة مفتوحة لتصفية حسابات إقليمية، في وقت لا تزال البلاد فيه تحاول التقاط أنفاسها بعد سنوات من الحروب والانقسامات.

رفض علني وموقف حازم

أعلنت فصائل مسلحة عدة في العراق خلال الأيام الماضية رفضها الصريح مطالبات تسليم السلاح خارج إطار الدولة، بخاصة بعد خطاب زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي دعا، بصورة واضحة، إلى "حل الميليشيات" و"إنهاء حال السلاح المنفلت"، معتبراً أن العراق "لن يستقر إلا إذا احتكرت الدولة وحدها قرار القوة".

لكن الرد من قبل الفصائل لم يتأخر، فقد شددت فصائل بارزة ضمن "الإطار التنسيقي" أو المرتبطة بـ"الحشد الشعبي" على أن سلاحها "شرعي"، وأنها "جزء من منظومة الدفاع الوطني" في مواجهة التهديدات الخارجية، لا سيما من جانب إسرائيل والولايات المتحدة، بحسب ما أوردته بيانات تلك الفصائل.

فوضى السلاح… فوضى الدولة

وبينما تستمر لغة التصعيد يتنامى القلق الشعبي في الأوساط المدنية والشارع العراقي من أن يتحول هذا التوتر إلى مواجهات مباشرة بين القوى المسلحة، مما قد يعيد إلى الأذهان أحداث عامي 2006 و2022 حين انفجرت نزاعات مسلحة في شوارع بغداد والبصرة وكربلاء والنجف، مخلفة عشرات الضحايا، ومهددة بانهيار الدولة.

وقال علي ناجي، وهو موظف حكومي من الكاظمية، إن "العراقيين تعبوا من لغة السلاح. ما نريده هو دولة قانون لا تعلو فيها أي قوة على المؤسسة الأمنية الرسمية، سواء كانت سلاحاً عشائرياً أو فصائلياً أو جهوياً". وأضاف "إذا استمر كل طرف بحمل سلاحه باسم المقاومة أو الدفاع عن المذهب أو الطائفة، فلن نخرج من هذه الدائرة أبداً".

مخاوف أمنية من تسرب الصراعات الخارجية

يأتي هذا الجدل في وقت حساس إقليمياً، فالتوتر المتصاعد في الجنوب اللبناني، والصراع في غزة، والتدخلات العسكرية في اليمن وسوريا، كلها عوامل تضع العراق في قلب خريطة الاصطفاف الإقليمي.

وأشار محللون إلى أن استمرار انقسام الولاءات داخل البلاد بين قوى موالية لإيران وأخرى قريبة من المحور العربي أو الأميركي، يفتح الباب واسعاً أمام استغلال الساحة العراقية كورقة ضغط أو منطقة صراع بالوكالة.

في السياق أكد المتخصص الأمني علي الكناني أن "الخشية اليوم ليست فقط من السلاح المنفلت بحد ذاته، بل من ارتباط هذا السلاح بأجندات خارجية قد تجر البلاد إلى حرب لا علاقة للعراقيين بها"، وتابع "إذا اندلعت مواجهة إيرانية - إسرائيلية أوسع، أو توسع نطاق الحرب في لبنان، فإن العراق سيكون مهدداً بأن يستخدم كساحة رد أو هجوم من قبل فصائل مسلحة تنتمي لمحور المقاومة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الحكومة بين الحذر والعجز

على رغم تكرار التصريحات الرسمية عن ضرورة بسط سلطة الدولة، فإن الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003 لم تتمكن من فرض احتكارها استخدام القوة. ففي وقت يعتبر فيه بعض الفصائل المسلحة جزءاً رسمياً من "الحشد الشعبي"، هناك فصائل أخرى تعمل خارج هذا الإطار وتتحرك بقرارات مستقلة، ما يضع الحكومة أمام حقل ألغام سياسي وأمني.

وقال مسؤول أمني سابق طلب عدم ذكر اسمه إن "الملف معقد جداً، لأن بعض الفصائل لديه جمهور انتخابي وتمثيل سياسي في البرلمان، وفي الوقت نفسه يحتفظ بقدرات عسكرية لا يمكن مواجهتها من قبل الدولة من دون كلفة عالية"، وأضاف "أي محاولة لنزع السلاح من دون اتفاق وطني شامل ستعد استهدافاً لطرف دون آخر، وقد تؤدي إلى انفجار الوضع مجدداً".

الفوضى القادمة

التاريخ العراقي القريب لا يخلو من نماذج تؤكد خطورة التراخي في ملف السلاح المنفلت. فالمواجهات العنيفة التي وقعت في بغداد عام 2022 بين التيار الصدري وفصائل "الإطار التنسيقي"، كشفت هشاشة الوضع الأمني، وعن أن أية خلافات سياسية قد تتحول بسرعة إلى اشتباكات دموية.

وحذر مراقبون من أن الوضع قد يصبح أكثر انفلاتاً إذا ما تم الزج بالقضية ضمن التجاذبات الإقليمية، بخاصة مع قرب الانتخابات الأميركية وتزايد حدة الصراع بين إسرائيل ومحور طهران، مما يجعل العراق من أكثر الدول المرشحة للانفجار الأمني.

في السياق رأى الباحث السياسي حيدر العبودي أن "العراق لا يزال يعيش في حال غياب العقد الاجتماعي الموحد، فالسلاح ليس فقط قضية أمنية، بل هو نتيجة مباشرة لفشل التفاهم السياسي على أسس بناء الدولة"، وتابع "لا يمكن الحديث عن نزع سلاح من دون إعادة بناء منظومة الولاء الوطني ومراجعة شاملة لعقيدة الحشد الشعبي والدور السياسي للفصائل المسلحة".

بين الحل الأمني والحوار الوطني

أمام هذه التعقيدات رأى بعض المراقبين أن الحل الوحيد يكمن في حوار وطني شامل، تشترك فيه كل القوى الفاعلة، بما فيها الفصائل المسلحة والتيارات الدينية والسياسية، من أجل التوصل إلى صيغة متوازنة تضمن تفكيك مظاهر التسلح الموازي من دون إقصاء أو استفزاز.

واقترح المتخصص في الشأن السياسي العراقي حسن الشمري إطلاق "مؤتمر أمني وطني برعاية دولية"، يتبنى "خريطة طريق من ثلاث مراحل: دمج الفصائل الراغبة بالانتظام في الدولة، تفكيك الفصائل غير النظامية، وتقديم ضمانات سياسية ومجتمعية بعدم الاستهداف أو التهميش".

مطالب الشارع: نريد دولة

على رغم الضجيج السياسي، فإن الصوت الأقوى على الأرض هو صوت الشارع. فمن بغداد إلى الموصل، ومن البصرة إلى النجف، يتكرر مطلب وحيد على ألسنة الناس "نريد دولة".

تقول أم حسين، وهي أرملة فقدت ابنها في تفجير عام 2016 "أريد أن أعيش بقية عمري بلا خوف. لا أريد أن أستيقظ على صوت رصاص أو سيارات مفخخة. نريد حكومة قوية، لا ميليشيات تتقاتل".

بين الواقع والطموح

يتفق معظم المراقبين على أن ملف السلاح المنفلت في العراق هو أحد أعقد الملفات التي تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية بالسياسية والدينية والإقليمية. وبينما تستمر الفصائل في التمسك بسلاحها تحت عناوين المقاومة أو الحماية الذاتية، تظل الدولة عاجزة عن فرض هيبتها، والشعب يعيش في دائرة قلق متصاعدة.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات