Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مع قرب افتتاحه... هل خسرت مصر معركة سد النهضة إلى الأبد؟

هناك حاجة أكيدة لاتفاق مُلزم مع إثيوبيا بشأن تشغيل وإدارة السد... فما علاقة واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (رويترز)

ملخص

ثمة تساؤل حول "الإجراءات المناسبة" التي يمكن أن تتخذها مصر للدفاع عن مصالحها المائية، في ظل دعوات لإشراك قوى دولية مثل الولايات المتحدة للضغط على إثيوبيا. وترفض مصر المقايضة على قضاياها السيادية، فيما تبقى الخيارات الدبلوماسية مفتوحة، وسط تحذيرات من احتمال تكرار التجربة بسدود إثيوبية أخرى مستقبلاً.

بعد أكثر من 14 عاماً من المفاوضات المتعثرة بشأن سد النهضة الإثيوبي الكثير، أعلنت أديس أبابا، الانتهاء من عملية بناء السد، مؤكدة على حالة الأمر الواقع التي فرضتها على مصر والسودان بشأن الأضرار الخطيرة التي يسببها السد البالغة سعته التخزينية نحو 74 مليار متر مكعب من المياه. 

الإعلان وإن كان لا يأت بجديد على صعيد ذلك الواقع الذي باتت على شعوب دول المصب التعامل معه، لكنه أعاد طرح السؤال الذي يتكرر منذ أن شرعت إثيوبيا في بناء السد عام 2011، بشأن خيارات مصر في التعامل مع هذا التهديد الذي اقتص من حصتها المائية وفرض واقع ثقيل على موازنة الدولة والمصريين، لا سيما مع إصرار قيادتها على رفض الخيار العسكري ومواصلة طريق التفاوض. ومع تقلص تلك الخيارات على مدار السنوات الماضية في ظل مواصلة إثيوبيا بناء السد وجعله أمراً واقعاً ثم مراحل ملئه سنوياً منذ عام 2020، ووصولاً إلى الانتهاء الكامل من تدشينه، فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو ما الذي تبقى من خيارات لمصر في التعامل مع سد النهضة؟ 

عقب إعلان رئيس وزراء إثيوبيا اكتمال بناء سد النهضة، رد وزير الري المصري هاني سويلم، مؤكداً رفض القاهرة القاطع لاستمرار سياسة إثيوبيا في فرض الأمر الواقع من خلال إجراءات أحادية تتعلق بنهر النيل. وقال في لقاء مع سفراء مصريين الخميس الماضي، إن الجانب الإثيوبي دأب على الترويج لاكتمال بناء السد غير الشرعي والمخالف للقانون الدولي على رغم عدم التوصل إلى اتفاق ملزم مع دولتي المصب، وعلى رغم التحفظات الجوهرية التي أعربت عنها كل من مصر والسودان. 

لفت الوزير المصري إلى التزام بلاده على مدار السنوات الماضية، بالمسار التفاوضي للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن تشغيل وملء السد، مشيراً إلى أن جهود مصر قوبلت بانعدام الإرادة السياسية من الجانب الإثيوبي، الذي يسعى لفرض الهيمنة المائية بدلاً من الشراكة والتعاون، وهو أمر لم تسمح به مصر. كما أشار إلى اتباع الجانب الإثيوبي المراوغة من خلال دعوات متكررة لاستئناف المفاوضات. 

عقد ونصف من المفاوضات

بين 2011 و2025، عقدت مصر والسودان عشرات الجولات التفاوضية مع إثيوبيا بهدف توقيع اتفاق ملزم بشأن ملء سد النهضة وتشغيله. وفي مارس (آذار) 2015، وقعت الدول الثلاث اتفاق إعلان المبادئ الذي يلزم الدول الأفريقية الثلاث التوصل إلى اتفاق بشأن المبادئ التوجيهية لملء السد وتشغيله، بهدف تجنب الإضرار بمصالح أي من الأطراف. لكن الاتفاق لم يتعد كونه محاولة من الجانب الإثيوبي للمناورة، إذ تراجعت أديس أبابا رسمياً عن اتفاق في 14 مايو (أيار) 2020، وأبلغت مجلس الأمن في رسالة بأنه "ليس لديها الالتزام القانوني بالسعي للحصول على موافقة مصر لملء السد".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت المادة 5 من إعلان المبادئ تنص على أنه يتعين على الدول الثلاث التوصل إلى اتفاق بشأن قواعد ملء السد وتشغيله، علماً أن سعته تبلغ ستة آلاف ميغاواط قبل بدء عملية ملء الخزان لتجنب الإضرار بمصالح دول الجوار. وبينما تتفق البلدان الثلاثة على حق إثيوبيا في بناء السد، الذي تجاوزت تكلفته 4.8 مليار دولار، تعلقت نقطة الخلاف الرئيسة بالإطار الزمني لملء خزان سد النهضة. 

لم تستجب أديس أبابا للمساعي الدبلوماسي المصرية بشأن تنظيم كمية المياه التي تصل إلى دولتي المصب (مصر والسودان) في فترات الجفاف عند تعارض حاجات توليد الكهرباء مع وصول كميات كافية من المياه إلى دولتي المصب، وكيفية حل أي خلافات مستقبلية. ومضت إثيوبيا في خطتها حيث عملت على ملء خزان السد على مدار السنوات الخمس مما أسفر عن تضرر حصة مصر من مياه نهر النيل. وزعم آبي أحمد في تصريحاته أمام البرلمان الإثيوبي الخميس الماضي، إنه "لم ينقص ليتر واحد من حصة مصر" خلال سنوات الملء. 

خفض 60 مليون متر مكعب من حصة مصر

وفي حديثهم لـ"اندبندنت عربية"، فند عدد من الخبراء والمعنيون، مزاعم رئيس الوزراء الإثيوبي. ويقول مساعد وزير الخارجية الأسبق للشؤون الأفريقية محمد حجازي، إن ما ذكره رئيس الوزراء الإثيوبي هو مخالف للأعراف الفنية، فحديثه عن أن مصر والسودان لم تنقص حصتهم قطرة مياه واحدة هو أمر مجافي للحقيقة. وأوضح أن "الأعوام الأربعة السابقة كان فيضان النيل فيها عالياً لدرجة سمحت بامتلاء السدود في البلدان الثلاثة، ولكن نعلم جميعاً أن نهر النيل له دورة للفيضانات تكون مرتفعة أحياناً كما حدث في الأربع سنوات السابقة ولكن تعود لأن تكون ضعيفة أو متوسطة وشحيحة أو شديدة الشح وهنا تكمن المشكلة عندما ينخفض إيراد النهر وتسحب إثيوبيا من احتياطات سد النهضة وتعيد ملأه، فسوف نتعرض حتماً للجفاف، والجفاف الممتد يُعرض دولتي المصب لمشكلات وأخطار جمة". 

وأوضح أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية عباس شراقي، أنه تم تخزين 60مليار متر مكعب في خزان سد النهضة على مدار السنوات الخمس الماضية وحتى سبتمبر (أيلول) 2024، وهذه المياه كانت من المفترض أن تصل مصر، مستنكراً "هل حجز 60 ملياراً كانت متجهة إلى مصر أليس هذا ضرراً؟". وأضاف أن على سبيل المثال تم حجز 20 مليار متر مكعب من المياه العام الماضي من إجمالي حصة مصر البالغة 55.5 مليار متر مكعب أي نحو 40 في المئة من حصة مصر الإجمالية، بينما تعاني مصر بالفعل من عجز مياه بنسبة نحو 50 في المئة.  

خسائر وتكلفة تصل إلى 500 مليار

وللتعامل مع تلك الخسائر المائية الضخمة، أوضح شراقي أن مصر تقوم بمعالجة أكثر من مليار متر مكعب من مياه الصرف الزراعي سنوياً لاستخدامها في الزراعة مرة تانية، مضيفاً أن تكلفة إنتاج مليار متر مكعب من المياه المعالجة يبلغ 15 مليار جنيه، إذ "بلغت كلفة المشروعات التي نفذتها مصر للتغلب على العجز المائي 500 مليار جنيه مصري". كما اضطرت مصر إلى تقليص زراعة بعض المحاصيل التي تحتاج وفرة مياه؛ مثل الرز الذي قلصت زراعته من مليوني ونصف فدان إلى فدان واحد، لافتاً إلى أن "عائد المليون فدان قد يصل إلى 5 مليارات دولار سنوياً"، مما يشكل خسارة كبيرة، كما استبدلت الري بالغمر بالري الحديث. وتابع أن مشروع تبطين الترع كلف مصر أكثر من 20 مليار جنيه، وفي النهاية اضطرت الحكومة للتوقف عن المشروع لأسباب اقتصادية. ويهدف تبطين الترع لتوفير جزء من المياه التي تُخزن في السد العالي واستخدامها في أوقات تخزين المياه في سد النهضة. 

ووفق تصريحات لوزير الري المصري في ديسمبر (كانون الأول) 2024، فإن مصر تعمل على التوسع في معالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي بإجمالي نحو 21 مليار متر مكعب سنوياً. 

"إجراءات مناسبة" 

يبقي السؤال الشائك، هل خسرت مصر قضية مياه نهر النيل وأنه بات ينبغي التعامل مع الأضرار التي يفرضها الواقع الجديد؟ أم لا تزال هناك خيارات أخرى من شأنها أن تُثني إثيوبيا عن موقفها المتعنت بشأن رفض التفاوض حول تشغيل وإدارة السد؟

 

بالعودة إلى وزراء الري المصريين السابقين، فإنهم لم يبدوا رغبة في الحديث عن الأمر. وفي حين امتنع الوزير السابق محمد نصر علام الذي تولي وزارة الري بين عامي 2009 و2011، عن التعليق مكتفياً بالإشارة إلى منشور كتبه على صفحته بتطبيق "فيسبوك"، فإن الوزير السابق حسام الدين مغازي الذي تولى المنصب بين 2014 و2016 عندما وقعت مصر اتفاقية المبادئ مع إثيوبيا، أكد في حديثه المقتضب لـ"اندبندنت عربية" إن "مصر تحتفظ بحقها في اتخاذ الإجراءات المناسبة حال تأثرت حصتها المائية بوجود السد الإثيوبي وتم إعلان ذلك مراراً من خلال القيادة السياسية... أما بالنسبة للإجراءات الداخلية فإن مصر تعمل حالياً على توسيع إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصحي المعالج وأيضاً التوسع في تحلية مياه البحر مع أن هذه المشاريع تكلف أموالاً طائلة". 

ورداً عن استفسارنا بشأن "الإجراءات المناسبة" التي يمكن لمصر اتخاذها حال تأثرت حصتها، أكتفي الوزير السابق بالقول "هذا يرجع لتقدير القيادة السياسية". 

يتحدث الكثيرون عن حق مصر في ما تراه من "إجراءات مناسبة" للدفاع عن مصالحها حال تضررت حصتها المائية، وهو المصطلح المذكور في المادة 51من ميثاق الأمم المتحدة، لكن في الوقت ذاته تظل تلك العبارة غامضة وليس واضحاً ما نوع هذه الإجراءات التي يمكن أن تراها القيادة السياسية مناسبة. وبحسب مصدر دبلوماسي تحدث لـ"اندبندنت عربية" شريطة عدم ذكر اسمه لحساسية الأمر، فإنه يمكن لمصر أن تلجأ لقوة دولية مثل الولايات المتحدة لتمارس ضغوطاً فعلية، قائلاً إن مصر تمتلك شبكة علاقات واسعة تشمل أطرافاً أوروبية وأفريقية ومؤسسات دولية كالبنك الدولي والأمم المتحدة. ويضيف "من الخطأ اختزال الدبلوماسية في كونها مجرد أداة ناعمة، فالدبلوماسية يمكن أن تكون خشنة، بل وحاسمة في بعض الأحيان. فقد تشمل استخدام أدوات ضغط فعالة مثل وقف التمويل، التحرك عبر المؤسسات الدولية، أو حشد دعم من قوى دولية مؤثرة لدفع أطراف معينة نحو خيارات محددة".

إسرائيل والولايات المتحدة

قبيل جلسة لمجلس الأمن الدولي عُقدت في أغسطس (آب) 2021، قبل الملء الثاني لسد النهضة، دعا الدبلوماسي المصري السابق مصطفي الفقي، القاهرة إلى الاستعانة بإسرائيل في النزاع، قائلاً إن "مصر لم تستخدم بعض الكروت (الأوراق) من أجل الضغط على إثيوبيا، بينها الحديث مع إسرائيل".

ربما ليست الأوقات الحالية هي الأفضل في علاقة مصر وإسرائيل والتي شهدت توتراً منذ حرب غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ومن جانب آخر، توترت العلاقة مع واشنطن منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض مع دعواته المتكررة بقبول تهجير سكان غزة إلى مصر ثم مطالبة القاهرة بإعفاء سفن الشحن الأميركية من رسوم العبور بقناة السويس. ومع ذلك، قد يرغب ترمب الذي يُعرف برجل الصفقات في التفاهم مع مصر بشأن قضية مياه نهر النيل مقابل تنازل ما.

يرفض السفير محمد حجازي بشدة مثل هذا الطرح، قائلاً إن مصر دولة مبادئ لا تقايض في قضايا تمس الشعب الفلسطيني أو تتنازل عن ثوابت سياستها الخارجية. وأضاف أنه حتى بالنسبة لقناة السويس فإن هذا الملف تحكمه قواعد قانونية واضحة أهمها اتفاقية القسطنطينية. ومع ذلك لفت مساعد وزير الخارجية السابق إلى أن هيئة قناة السويس تقدم تسهيلات من وقت لآخر للدول ذات الكثافة في النقل البحري والناقلات والحاويات العملاقة وهو أمر طبيعي في إطار التشغيل الملاحي العالمي. واستدرك "لكن أن يُطلب من مصر تقديم تنازلات نصّية أو سياسية بشأن قناة السويس في سياق تفاوضي– وبخاصة في توقيت دقيق– فهذا أمر غير مقبول ولا يتسق مع قواعد إدارة هذا المرفق السيادي".

وخلال ولايته الأولى، لعب ترمب دوراً بارزاً في التوسط بين مصر وإثيوبيا. ففي أواخر عام 2019، تدخلت إدارة ترمب للوساطة بين البلدين، في محاولة لحل النزاع المتصاعد حول قواعد ملء وتشغيل السد. وجرت المفاوضات برعاية وزارة الخزانة الأميركية والبنك الدولي، وشاركت فيها وفود من مصر وإثيوبيا والسودان، وتم عقد عدة جولات تفاوضية في واشنطن على مدار أشهر، وسط اهتمام دولي وإقليمي كبير.

وبحلول فبراير (شباط) 2020، توصلت الأطراف إلى مسودة اتفاق شامل أعدته الولايات المتحدة، يتضمن آلية ملء وتشغيل السد بطريقة لا تضر بمصالح مصر والسودان، مع ضمانات قانونية ملزمة وآليات لحل النزاعات. وقّعت مصر بالأحرف الأولى على الاتفاق تعبيراً عن التزامها بالتسوية السلمية، وأبدت السودان تحفظات، بينما رفضت إثيوبيا التوقيع، وامتنعت عن حضور الجولة النهائية التي كان من المقرر توقيع الاتفاق خلالها، مما أثار انتقادات واسعة باعتباره دليلاً على غياب الإرادة السياسية لدى أديس أبابا للتوصل إلى حل عادل ومتوازن. ومن جهتها، اتهمت إثيوبيا الوسيط الأميركي بالانحياز. 

ولا يزال الجانب المصري يرى في واشنطن وسيطاً قوياً يمتلك أدوات الضغط على أديس أبابا. فيقول شراقي إن تحريك قوي من الإدارة المصرية لإدخال أطراف قوية مثل أميركا، قد يسهم في التوصل إلى اتفاق مع الإثيوبيين. ومع ذلك حذر من أن التوقف والاستسلام من دون اتفاق "هذا يعني أن إثيوبيا ستواصل هذا الأسلوب في بناء سدود أخرى وهي لديها خطط لبناء ثلاثة سدود أخرى. لذا عندما نسعى للوصول إلى اتفاق فهذا يعني وجود إطار حاكم لغيره من السدود".

وإلى جانب الدور الأميركي، يشير حجازي إلى دور محتمل للاتحاد الأوروبي، قائلاً إن "أمن واستقرار القرن الأفريقي وحوض النيل هو من صميم مصالح أوروبا الاقتصادية والاستراتيجية". ويرفض الدبلوماسي المصري السابق القول إن مصر خسرت قضية مياه النيل، قائلاً إن "ملف المياه هو دائماً ملف معقد ويستغرق سنوات طويلة، فعلى سبيل المثال اتفاقية الأمم المتحدة 97 استغرقت أعواماً للوصول إلى صياغات. نحن نتحدث عن جوهر الحياة، نتحدث عن أمر يحتاج وقتاً وتنسيقاً وأنا أعتقد أن مستقبل هذا الإقليم على رغم ما قد يبدو للكل متشائماً، لكنه سيكون وعداً لأسباب عدة أهمها أن العلاقات التاريخية بين البلدان الأفريقية وأن تصطدم ففي النهاية بحكمة يتم تسوية الأمور". وأكد أن "معركة مصر مع إثيوبيا هي معركة تفاوضية ومعركة ضغوط من أجل الوصول لما هو في مصلحة الطرفين". 

فيما يقول شراقي، إنه القول بخسارة القضية يعني الاستسلام ومن الناحية السياسة والقانونية ما يعني أن إثيوبيا فرضت سياسة الأمر الواقع وهذا غير مقبول.

المزيد من تحقيقات ومطولات