Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إملي نصرالله جددت أدب القرية وأطلقت "طيور أيلول"

الجامعة اليسوعية في بيروت تحتفل بتسلم جزء من أرشيفها وكتب لها تصدر تباعا

الروائية اللبنانية إملي نصرالله (مؤسسة الكاتبة)

ملخص

 على رغم مرور سبعة أعوام على رحيلها، لا تزال الكاتبة اللبنانية إملي نصرالله حاضرة في المشهد الثقافي. فسيرتها الذاتية بعنوان "المكان" صدرت بعد ستة أشهر من رحيلها، وأُسست جمعية باسم روايتها الشهيرة "طيور أيلول" عطفاً على مبادرات أخرى، آخرها الاحتفال الذي أقيم أمس الجمعة في الجامعة اليسوعية بتسليم جزء من أرشيفها إلى "المكتبة الشرقية" ببيروت، التابعة لها.

تشغل إملي نصرالله موقعاً متقدماً على خريطة الأدب اللبناني، وتتخذ من القرية اللبنانية عالماً مرجعياً تنطلق منه وتحيل إليه. وهي تختلف عن الآخرين ممن تناولوا هذا العالم في أنها تتناوله بالتعالق مع المدينة أو المهجر. ذلك أن شخوص رواياتها الذين يغادرون القرية إلى المدينة طلباً للعمل أو العلم، يترجحون بين غربتين اثنتين، ويتنازعهم حنين إلى قرية اضطروا إلى مغادرتها وعدم قدرة على التكيف مع مدينة لجأوا إليها. أما أولئك الذين دفعتهم الظروف إلى الهجرة، فيترجحون بين اغترابين، والاغتراب درجة متقدمة من الغربة، يغتربون عن القرية والمدينة والوطن حتى إذا ما قيض لبعضهم العودة لا يجد الأمكنة التي غادرها، ويكون عليه أن يعيش الاغتراب في الوطن، ولعله أقسى من الاغتراب عنه.

إن الموقع الذي تبوأته نصرالله في الأدب اللبناني نسجته بمثابرة نحلة ودأب نملة طوال نصف قرن ونيف، فأكبت على الكتابة في حقول معرفية مختلفة، وتمخض انكبابها عن 64 كتاباً، منها 45 كتاباً منشوراً، تتوزع على تسع روايات و10 مجموعات قصصية وسبعة كتب للفتيان وخمسة كتب للأطفال، وستة أجزاء من "نساء رائدات" وخمسة أجزاء من "حصاد الأيام" ومجموعة شعرية واحدة، وكتاب مقابلات "الزمن الجميل" وسيرة ذاتية صدرت بعد رحيلها بستة أشهر. أما الباقي فلا يزال مخطوطاً، وهو الذي سيُسلم إلى الجامعة اليسوعية خلال السابع من الشهر الجاري، على أمل أن يُبصر نور النشر تباعاً.

 حقول متنوعة

على تنوع الحقول المعرفية التي خاضت فيها نصرالله وشملت الرواية والقصة القصيرة والمقالة والمقابلة والخاطرة والسيرة والترجمة وأدب الفتيان وأدب الأطفال، وعلى رغم أن نسبة الرواية إلى هذه الحقول لا تتعدى الـ14في المئة، فإن اسمها ارتبط بالرواية على قلة نتاجها في هذا الحقل المعرفي، ذلك أن 45 عاماً تفصل بين روايتها الأولى "طيور أيلول" الصادرة عام 1962 وروايتها الأخيرة المطبوعة "ما حدث في جزر تامايا" الصادرة عام 2007، فإن مجموع رواياتها لا يتعدى تسع روايات، أي بوتيرة رواية واحدة كل خمسة أعوام. ومع هذا، تغلب شهرتها الروائية على ما عداها من أبعاد شخصيتها المركبة، وتتمحور رواياتها حول ثيمتي الريف والهجرة. وإذا كان المقام لا يتسع للإحاطة بكل رواياتها التسع، في هذه العجالة، فحسبنا الإلمام بجزء منها يتمثل بروايتيها الأولى والأخيرة، لعل الجزء يشير إلى الكل.

"طيور أيلول"

 قلما ارتبط أثر أدبي باسم كاتبه كما ارتبطت "طيور أيلول" بإملي نصرالله، إلى حد أنه ما إن يذكر أحد الاسمين حتى يستدعي الآخر. على أن سؤالاً عابراً في مناسبة اجتماعية كان السبب لكتابة الرواية التي شكلت فاتحة مسار أدبي طويل، استمر نيفاً ونصف قرن، وتمخض عن الكتب المذكورة آنفاً، ففي بداية الستينيات من القرن الماضي، دعيت الصحافية الناشئة إملي نصرالله إلى حفل استقبال أقامته السفارة الهندية في بيروت، على شرف جواهر لال نهرو وابنته أنديرا خلال زيارة لهما إلى لبنان، وفي ذلك الحفل تفاجئها صديقتها روبا جنسن زوجة القائم بالأعمال الهندي بسؤالها "متى ستكتبين روايتك الأولى؟"، فيشكل السؤال السبب المباشر لصدور "طيور أيلول" عام 1962، وتشكل الرواية علامة فارقة في مسيرة صاحبتها الروائية، ذلك أنها تحوز جائزتي أصدقاء الكتاب والشاعر اللبناني سعيد عقل، وتطبع 14 مرة وتترجم إلى الإلمانية ويُحتفى بيوبيلها الذهبي عام 2012، وتصدر الهيئة الوطنية للأونيسكو في لبنان طبعة منها بصيغة "برايل" للمكفوفين خلال الـ28 من أبريل (نيسان) 2015.

في "طيور أيلول"، "تتناول نصرالله الحياة في الريف اللبناني ومحدودية الخيارات فيه، مما يدفع بشبابه وصباياه إلى النزوح إلى المدينة أو الهجرة إلى بلاد الاغتراب ليعيشوا غربتهم الأولى، حتى إذا ما عاد بعضهم إلى الريف يعيش غربته الثانية. وترصد العلاقات الإنسانية المحكومة بالعادات والتقاليد، وعلاقات الحب المجهضة بسبب ذلك، وخضوع المرأة لعقلية ريفية ذكورية. وخلال الوقت نفسه، لا تغفل الجوانب الإيجابية في الريف. وهكذا، تصدر الرواية عن منظور متعدد، مركب، للريف والمدينة والأب والمهجر".

وعلى رغم مرور أكثر من ستة عقود على صدور الرواية، فإن إملي نصرالله تستخدم فيها خطاباً روائياً حديثاً، يقوم على تداخل الرواة ونمو الشخوص والمزاوجة بين التعاقب والتزامن، ومناسبة الحوار للفضاء الريفي، وعكس السرد في بعض تراكيبه شعبية الفضاء وانفتاح الكلام على أنماط مختلفة وجمالية اللغة. ولعل هذه المقومات هي التي حدت بالناقدة يمنى العيد إلى اعتبار الرواية "كتنويع به يختلف الخطاب الروائي عما قدمته ليلى بعلبكي ومنى جبور. يثري هذا التنويع مسار الكتابة الروائية العربية في لبنان، ويعزز حضور المرأة ومساهمتها في نمو هذا المسار".

"ما حدث في جزر تامايا"  

 في "ما حدث في جزر تامايا"، "تقول نصرالله حكاية الطموح اللبناني من بداياته المحفوفة بالأخطار وحب المغامرة والبحث عن حياة أفضل، مروراً بالكفاح اليومي والسعي إثر الثروة بأساليب مشروعة وغير مشروعة، انتهاء بنهايات فاجعة، مما يجعل من الهجرة حكاية تراجيدية بامتياز، ويحول الرواية إلى ملحمة ومختبر لتجارب إنسانية شتى. وإذا المهاجر هرباً من الفقر والقهر يقع في براثن الغربة والعذاب والمكائد والمؤامرات، ويصح فيه المثل الشعبي اللبناني "من تحت الدلفة إلى تحت المزراب" (شهرزاد والكلام المباح، ص 29، 30). وهي تفعل ذلك من خلال شخصية إبراهيم أبو مراد الذي يهاجر من "جورة السنديان"، الاسم الروائي للكفير إلى "جزيرة تامايا" الاسم الروائي للمهجر، ومن خلال شخوص أخرى من مهاجرين وسكان أصليين، انخرط معهم في علاقات مختلفة، تصدر عن منظومتي قيم مختلفتين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يمثل الأولى الإيجابية إبراهيم أبو مراد المغترب الطموح، العملي، القوي، الشجاع الذي استطاع أن يحقق نجاحاً كبيراً ويؤسس أعمالاً واسعة في الجزيرة، جعلت منه موضوع الحكايات على مصاطب القرية. ومع ذلك، بقي متمسكاً بقيمه الشرقية وعقليته الذكورية، ودفع ثمن تمسكه غالياً، فيضرب من حيث لا يتوقع، ويكون عرضة لسلسلة من المكائد، تبدأ بفقدان ولده الوحيد، وتنتهي بخسارة ثروته وموته بنوبة قلبية.

ويمثل الثانية صهره سعد المهاجر المحتال، النصاب، ناكر الجميل، الجشع الذي لا يتورع عن ارتكاب شتى الموبقات والجرائم للحصول على المال، فيتدبر أمر إغراق جو الصغير ابن حميه ليحرم الأسرة من وريثها الشرعي، ويدبر سلسلة مكائد لمخايل ويوسف ابني أخوي إبراهيم، ويتوج جرائمه بنهب ثروة الأخير في الحساب المشترك بينهما وإقامة مشاريعه العمرانية داخل بيروت. غير أن ربك كان بالمرصاد، فتقضي الحرب الأهلية على تلك المشاريع. وهكذا، تصدر الرواية عن منظور سلبي للاغتراب الذي يطحن أهله ويوردهم موارد التهلكة، سواء كانوا من صنف إبراهيم أو سعد.

هذه الحكاية تضعها نصرالله في خطاب روائي يقوم على تعدد الرواة، الذي يجمع بين راو عليم تتوارى الكاتبة خلفه وترى الأحداث من خلاله، وثلاثة رواة مشاركين يروون الأحداث من خلال مذكراتهم أو يومياتهم، وتتكامل حكاياتهم في إطار الحكاية العامة. توزع النص على النمطين السردي والحواري بالعدل، فيكاد الحوار يعادل السرد في المساحة المخصصة له، مما يجعل الرواية قابلة للتمثيل والتحول إلى نص تلفزيوني أو سينمائي. استخدام لغة روائية مباشرة، تتخفف من المحمولات الإنشائية وتسمي الأشياء بأسمائها، ولا تتحرج من استخدام مفردات محكية وأمثال شعبية وتعابير محلية، فتكون مرآة للواقع الذي تعبر عنه. وبين الروايتين الأولى والأخيرة ثمة روايات أخرى تتناول ثيمة الهجرة كـ"الجمر الغافي" و"الإقلاع عكس الزمن"، مع الإشارة إلى أن هذه الأخيرة تتناولها في الاتجاه المعاكس، من خلال شخصية القروي رضوان، المتشبث بأرضه وبقيم الريف اللبناني، الذي يترك أولاده وأحفاده في أميركا، ويقلع عكس الزمن باتجاه قريته جنوب لبنان بعدما سمع بالغزو الإسرائيلي لها. يقلع باتجاه الموت عكس اللبنانيين الذين كانوا يتركون بلدهم طلباً للنجاة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة