ملخص
في مواجهة توسع نفوذ إيلون ماسك داخل تكساس وتحوله إلى قوة اقتصادية وسياسية تعيد تشكيل المدن والبنى الاجتماعية والبيئية، يجد سكان بلدة باستروب أنفسهم بين مؤيدين للوظائف الجديدة ومعارضين لسياسات التوسع والاستحواذ، مما يثير تساؤلات حول مستقبل المجتمعات المحلية والديمقراطية والهوية البيئية.
أواخر الشهر الماضي، نشر المستثمر في شركة "تسلا" والمؤثر سوير ميريت مقطع فيديو مدته 30 ثانية عبر منصة "إكس" (المعروفة سابقاً بـ"تويتر")، وقد ظهر فيه على متن إحدى أولى سيارات "روبوتاكسي"، المنتمية إلى أسطول صغير من سيارات "تسلا" الذاتية القيادة التي أطلقها إيلون ماسك على طرقات الأسفلت الحارقة في أوستن، عاصمة ولاية تكساس، في محاولة منه لإحداث ثورة داخل قطاع النقل وإنقاذ قيمة أسهم شركته المتعثرة.
وفي منشور ملؤه التملق والإطراء، صدر على ما يبدو بعد 20 رحلة على متن سيارات "روبوتاكسي"، كتب ميريت "لم تسجل أية عراقيل أو مشكلات خطرة تتعلق بالسلامة. ورحلاتي كانت كلها سلسة ومريحة. شكراً ’تسلا‘ على إتاحة المجال لي بالمشاركة في هذه التجربة... نحن على أعتاب حقبة جديدة".
بيد أن مقاطع فيديو أخرى بدأت تنتشر، تظهر سيارات "روبوتاكسي" وهي تنحرف عن مسارها نحو خطوط السير المقابلة، أو تتوقف فجأة وسط حركة المرور، ناهيك بتجربة مثيرة للقلق أقدم عليها نشطاء معنيون بالسلامة [أثبتوا أن] سيارة "روبوتاكسي" عاجزة عن التوقف أمام حافلة مدرسية، إذ اصطدمت بدمية بحجم طفل، مما دفع السلطات التنظيمية الفيدرالية إلى مطالبة "تسلا" بتقديم توضيحات.
ومن جهته، قال ماسك إن إطلاق سيارات "روبوتاكسي" هو "ثمرة عمل دؤوب استمر عقداً من الزمن"، بيد أن هذه السيارات الذاتية القيادة باتت سبباً جديداً للتوتر في العلاقة المضطربة أصلاً بين أوستن وعمالقة التكنولوجيا، فالمدينة التي كانت تفتخر بتاريخ عريق من معارضة الثقافة السائدة، تجد نفسها اليوم في مواجهة واقع تفرضه إمبراطوريات التكنولوجيا، التي تحدد وتيرة النمو وتفرض سياساتها، بل وتتدخل أيضاً في مسائل السلامة العامة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وخلال الآونة الأخيرة، قمت بتأليف كتاب حول تداعيات طفرة التكنولوجيا التي أعادت رسم معالم المدينة، وتسببت بارتفاع أسعار الإسكان، وإبعاد مجتمعات كاملة من مناطق إقامتها، إلى حد وضع الطابع الفريد الذي كثيراً ما ميزها وصنع هويتها على المحك.
وماسك ليس مجرد جزء من تلك الرواية، بل أبرز شخصياتها وأكثرهم جرأة. فالتوسع السريع لأعماله في أرجاء تكساس -بدءاً بمصنع "غيغا فاكتوري" Gigafactory المترامي الأطراف على مشارف أوستن، ومروراً بـ"بلدة الشركة" الناشئة التي أسسها في باستروب، على مسافة 30 دقيقة من العاصمة، وصولاً إلى مدينته الخاصة "ستاربيز" Starbase على ساحل خليج المكسيك– يعيد فعلياً رسم معالم المشهد الهندسي والاقتصادي والسياسي للولاية.
وفي سياق متصل، كشف تقرير نشرته صحيفة "ذا دالاس مورنينغ نيوز" The Dallas Morning News العام الماضي أن شركات ماسك تسهم بنحو 11.1 مليار دولار سنوياً في نشاط تكساس الاقتصادي، وأن هذا الأخير أصبح اليوم أهم وأكبر جهة توظيف ضمن القطاع الخاص في أوستن. وصحيح أن ماسك معروف برؤيته الجريئة، لكن نفوذه المتزايد يثير تساؤلات أكثر فأكثر عن حال القوانين السائدة والوقع البيئي وهوية الطرف المخول تحديد ملامح المكان.
"حافظ على عظمة أميركا من دون المجنون"
لم يسبق لموريس وإيفلين تانر، وكلاهما في سن الـ80، أن شاركا في أية تظاهرة احتجاجية، إلى أن وصل دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، واستولى إيلون ماسك على بلدة باستروب الصغيرة التي يقطنانها.
وعلى مدار ربع قرن من الزمن، عاش الزوجان تانر في دانكنفيل، على مشارف دالاس، لكنهما تقاعدا قبل بضع سنوات وانتقلا للعيش في هذه البلدة الهادئة، على مسافة نصف ساعة بالسيارة من أوستن، ليبقيا قريبين من ابنتهما إيلين، وهي فنانة وناشطة بيئية.
وإيفلين راعية كنسية متقاعدة، وكثيراً ما صوتت للديمقراطيين. أما موريس، فعقيد متقاعد في سلاح الجو الأميركي، ويعد نفسه مستقل الميول. وعندما قررا الانتقال للعيش في البلدة، لم يوليا اهتماماً كبيراً لانتقال [شركات] ماسك إلى تكساس.
ويقول "كنت أعتبر السيارات الكهربائية جيدة"، لكنني اعتقدت أن انتقاله إلى تكساس كان بدافع التهرب من قوانين البيئة والعمل السائدة في كاليفورنيا".
وننتقل إلى عام 2025، وتحديداً إلى اللحظة التي قرر فيها ترمب منح ماسك حرية التصرف الكاملة، وسمح له باستخدام صلاحيات خاصة ضمن الحكومة الفيدرالية، وإقالة آلاف الموظفين، حينها قرر موريس وإيفلين أن الكيل طفح. وبات يشعر موريس أن الولايات المتحدة خطت خطوة كبيرة في الاتجاه المعاكس للديمقراطية.
ومنذ ذلك الحين، شارك الزوجان في تظاهرات داخل البلدة كل يوم خميس، شهدت إحداها، شهر مايو (أيار) الماضي، مشاركة 170 شخصاً نظموا وقفة على جسر "تشيستنات ستريت" الذي يعلو نهر كولورادو. وكتب على إحدى اللافتات "حافظ على عظمة أميركا من دون المجنون"، وعلى أخرى "لا للملوك".
وتقول إيلين تانر، التي رافقت والديها إلى التظاهرة، إنها لم تر أشخاصاً معترضين على غايات التظاهرة على الجسر، لكنها شاهدت أفراداً "مروا أمامها مرات عديدة معربين عن امتعاضهم، وشتموهم عبر إبراز إصبعهم الأوسط أو إبهامهم المقلوب". لكنها تضيف أن أكثر ما فاجأها في هذه المنطقة الريفية من تكساس أن نصف ردود فعل المارة كانت إيجابية.
فرق تسد
من الإنصاف القول إن ماسك قسم البلدة بين ناشطين بيئيين وديمقراطيين من جهة، وناخبي ترمب ومؤيدي ماسك، مع احتمال أن يكون انضم إليهم المستفيدون مادياً من الطفرة، من جهة أخرى. وتقول إيلين "إن أشخاصاً كثراً هنا يعملون لدى ’تسلا‘ أو ’سبيس أكس‘. بالتالي، هم أشخاص يعتمدون [على الشركتين] لتأمين لقمة عيشهم". ولعل بعضاً منهم يشعرون بأنهم عالقون بين المطرقة والسندان.
تقع باستروب على مسافة لا تزيد على 30 ميلاً (نحو 48 كيلومتراً) شرق معمل "غيغا فاكتوري" التابع لـ"تسلا"، والممتد على مساحة 10 ملايين قدم مربعة (1 كيلومتر مربع تقريباً) وهو عبارة عن مبنى قبيح عملاق من الخرسانة والزجاج، يقع بمحاذاة الطريق السريع 71. ولو انعطفت يساراً عن الطريق الرئيس عند مشارف البلدة، وسلكت الطريق المؤدي إلى النهر، لصادفت مجموعة أخرى من المستودعات الشاسعةـ يضم أحدها شركة الحفريات "بورينغ كومباني" التابعة لماسك، وتتخصص في استحداث أنفاق ضخمة تسهل حركة النقل تحت الأرض في المدن، في حين يضم مستودع آخر قسماً من شركة "سبيس أكس" لصناعة مكونات أقمار "ستارلينك" الاصطناعية. أما المستودع الثالث، فيفترض أنه المقر الرئيس لشركة "إكس"، منصة التواصل الاجتماعي المعروفة سابقاً باسم "تويتر"، والتي اشتراها ماسك في خريف عام 2022 مقابل 44 مليار دولار، ثم أعاد لاحقاً تسميتها.
وعند التوجه أكثر نحو الجنوب، وتحديداً إلى شبه جزيرة بوكا تشيكا الواقعة عند الطرف الجنوبي الشرقي لتكساس حيث يصب نهر ريو غراندي في خليج المكسيك، أسس ماسك شركة "ستاربيز" Starbase، وهي المقر الرئيس لشركة "سبيس أكس"، وتضم مكاتب إلى جانب معمل من المزمع إنشاؤه على مساحة مليون قدم مربعة ومركز تجاري ومطاعم، فضلاً عن منصة إطلاق للصواريخ. وفي مطلع مايو (أيار) الماضي، صوت سكان المكان (ومعظمهم موظفون في "سبيس أكس")، لتدشين "ستاربيز" رسمياً كمدينة في ولاية تكساس.
ولم يكن ماسك الوحيد الذي انتقل من كاليفورنيا إلى تكساس، إذ إن كثراً غيره جذبهم أن الولاية لا تفرض أية ضريبة على الدخل. بالتالي، ووفق ما قاله ماسك، بإمكان معمل "تسلا" في تكساس إنتاج ثلاثة أضعاف ما ينتجه معمل الساحل الغربي لكاليفورنيا من سيارات، وأن يوظف ما يصل إلى 20 ألف عامل. ومن ثم، تهكم ماسك بوضوح على حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم، عندما وصفه بأنه "أفضل بائع لشركة ’يوهول‘ لهذا العام" [وهي شركة أميركية شهيرة متخصصة بتأجير الشاحنات لنقل الأغراض عند الانتقال من مكان إلى آخر]، في إطار دعابة أطلقها، قائلاً إن الجميع يوضبون أغراضهم ويرحلون، بالتالي، سيكونون في حاجة إلى استئجار شاحنة لنقل الأثاث.
إنعاش مفهوم "البلدة الصناعية" أم استحواذ بالقوة؟
على ما يبدو، قرر ماسك أيضاً إنعاش مفهوم "بلدة الشركة" وهي إرث من الحقبة الصناعية، إذ كانت الشركات ومجموعات التصنيع تبني مستوطنات لإيواء القوى العاملة (والتحكم بها). واليوم، ومع أن بلدة "سنيلبروك" Snailbrook لا تضم سوى متجر عام وعدد من المنازل المتنقلة خلف مستودع شركة "بورينغ" في باستروب، فإنها مع ذلك قد تشكل نواة مجتمع سكني مصمم لإيواء ما يزيد على 100 عامل.
وفي باستروب، كما هي الحال في "ستاربيز"، تقضي الخطة بأن يقيم موظفو ماسك في الموقع على الدوام، فيعملون هناك ويربون عائلاتهم ويلهون. لكن مع ميل ماسك المتزايد إلى اليمين، هل يزرع بذور الانقسام الذي سيشتت هذه المجتمعات إلى غير رجعة؟
يشبه سكيب كونيت خطوة ماسك في باستروب بـ"الاستحواذ بالقوة". والحال أن هذا الأخير يدير برفقة زوجته إيرين فلين مزرعة لإنتاج المواد العضوية، ولديها فروع في مواقع من أوستن وباستروب. وكان الزوجان يمزحان في الماضي بالقول إن "فأر المسك [اللعب على التشابه مع اسم ماسك] الكاليفورني يحفر نفقاً باتجاهنا وليس هناك ما يوقفه". أما اليوم، فيقول كونيت إن الموضوع ما عاد مضحكاً على الإطلاق.
ويتابع كلامه قائلاً "إن المكان كان هادئاً، وكانت القيادة على طريق ريفي سهلة نسبياً. أما اليوم، فقد أصبحت الطرقات خطرة بسبب شاحنات الحصى والسيارات التي ربما تضاعف عددها على مدار عامين أو ثلاثة أعوام، [وباتت تسير] على طرقات لم تكن أصلاً مصممة لها. بالتالي، فإن البنية التحتية تحاول اللحاق بالركب". ويقول أيضاً "إن حياتنا ومصدر رزقنا يتأثران يومياً... ونشعر أنه استُولي على المجتمع برمته".
ويقول كونيت إنه عندما قرر مع فلين شراء مزرعتهما في باستروب، كان سعر الأرض مقبولاً. "أما اليوم، فقد تغيرت الأمور خلال ما لا يزيد على ثلاثة أعوام. وكان من المقرر أن تستعمل الأراضي [في البلدة] للترفيه والسياحة الزراعية، لكنها تحولت إلى موقع صناعي. وأعتقد أن المكان شهد نمواً خارقاً، وتطوراً خارقاً حصل بطريقة غير طبيعية، وبخاصة بالنسبة إلى مجتمع ريفي".
وتقول فلين إنه قبل مجيء ماسك، أقام في باستروب مزيج من الناس "من جميع الفئات، بدءاً بخريجي جامعة تكساس الذين قاموا بأمور مبدعة ولم يتمكنوا من تحمل كلف العيش في أوستن –كالموسيقيين والفنانين– ومروراً بالعائلات التي أقامت في المكان على مر الأجيال. ومن ثم، قال ماسك إنه سيستثمر أكثر في المتنزهات وفي تحسين نوعية الحياة، لكن ما نختبره اليوم يقتصر على الشاحنات والحشود، وعلى كم كبير من الأبنية والضجيج".
وعلى حد علم كونيت، لم يظهر ماسك علناً في باستروب إلا مرة، بعد إنجاز حفر نفقين تحت الطريق الفاصلة بين شركتي "بورينغ" و"سبيس أكس". وقال إنه "عند بروز آلة الحفر أخيراً من تحت الطريق وظهورها في موقع مبنى ’سبيس أكس‘، جاء [ماسك] برفقة اثنين من أولاده. ففرشوا له السجاد الأحمر وسجل مقطع فيديو قصيراً نشره على ’تويتر‘. وقال ’آه، إنها حفلة ’رغوة‘، في إشارة إلى الرغوة المستخدمة للحفاظ على سلاسة عمل آلة الحفر، ومع ذلك لا نعرف تماماً مدى سميتها. هو اعتبره مزاحاً مضحكاً. أما نحن، فراود فكرنا ’لقد كنت تحفر أنفاقاً تحت طرقاتنا وباتجاه طبقة المياه الجوفية لدينا‘".
من جهتها، تعمل إيلين ابنة الزوجين تانر كفنانة في باستروب، وتعيش في منزل جميل يعود إلى أربعينيات القرن الـ20 على مقربة من وسط البلدة. وكانت هذه الأخيرة حضرت خلال ربيع عام 2023 اجتماعاً نظمته "لجنة تكساس لجودة البيئة" بعدما قدمت شركة "بورينغ" طلباً بالتخلص من 140 ألف غالون (530 ألف ليتر) من مياه الصرف المعالجة يومياً في أسفل مجرى نهر كولورادو.
ومنذ بدء أعمال البناء، تلقت "بورينغ" عدداً من إشعارات بانتهاك البيئة. وخلال أسبوع لقائي بإيلين، تقيم محكمة إدارية جلسة استماع في أوستن لمراجعة طلب ترخيص قدمه مرفق مستقل لمعالجة مياه الصرف على مقربة من "سبيس أكس"، يناشد بزيادة كميات مياه الصرف المعالجة المتدفقة إلى النهر، وذلك من سقفها الراهن الواقع عند 50 ألف غالون يومياً (189 ألف ليتر) إلى 510 آلاف غالون (1.93 مليون ليتر) يومياً.
وتفيد إيلين بأنه عندما باشر ماسك بأعمال البناء في باستروب، غلبها الفضول وفهمت أن تكساس كثيراً ما واكبت النمو الاقتصادي من دون أن تهتم فعلياً بالبيئة، لكن ماسك يمتلك شركة إنتاج سيارات كهربائية، ولهذا السبب لم تشعر بقلق مفرط.
وتقول "عندما انتقلنا للعيش هنا، كان المكان مليئاً بالمزارع والحقول والمراعي. أما اليوم، فتتزايد فيه مشاريع الإسكان، ويكفي أن تسلك الطريق 969 لترى جميع المشاريع ومناجم الحصى. ومع أنني قد أعبر النهر على متن مركب، لا أظنني سأسبح كثيراً فيه".
وبدوره، يقول الناشط البيئي المحلي ستيف بوكس إن جزءاً من المجرى السفلي لنهر كولورادو الذي يعبر بمحاذاة "سبيس أكس" و"بورينغ" لا يمكنه استيعاب مزيد من مياه الصرف من دون إلحاق ضرر أكبر بحال النهر المتدهورة. ويعد بوكس أن "لجنة تكساس لجودة البيئة" تقاعست عن مراقبة النهر بصورة كافية، على رغم ازدياد وتيرة البناء على ضفافه (وقد ردت اللجنة في بيان، بأن لديها سيرة طويلة في مجال مراقبة نوعية مياه النهر وقد استوفت جميع المتطلبات الفيدرالية في مجال مراقبة جودة المياه).
ومن ثم، أخبرني بوكس بأنه خلال وقت سابق من هذا العام، ضمنت مجموعته "إنفايرونفمنتال ستيواردشيب" Environmental Stewardship انتصاراً مهماً، بعدما نجحت في الضغط على شركتي "بورينغ" و"سبيس أكس" لتجيير مياه الصرف إلى مرفق الصرف الصحي الجديد في باستروب، بدلاً من التخلص من مئات الآلاف من غالونات مياه الصرف المعالجة في النهر كل يوم.
أما جودا روس، فلا يمكن القول عنه فعلياً إنه موالٍ لماسك، لكنه أيضاً ليس من ناقديه. فهو يفهم على ما يبدو موقف الطرفين، ويمثل صلة وصل بين المشككين به والموالين له. ويقيم روس في باستروب مع أسرته الشابة منذ عام 2021. ويبيع العقارات في المكان من خلال "مجموعة باستروب العقارية"، وقد عرض علي أن يصطحبني بالسيارة في أرجاء البلدة، ليريني ما هو قديم وما هو جديد فيها.
ولم يتغير شارع "مين ستريت" كثيراً، أقله منذ زيارتي الأخيرة له عام 2019 – إذ لا يزال فيه محل كعك وكنيسة أسقفية ومتجر لبيع الخرز والأشغال اليدوية، ومصرف تأسس عام 1889 لا يزال يعمل– بيد أن روس يقول إن المحال اليوم تباع بمبالغ تراوح ما بين 750 ألفاً ومليون دولار.
ولديه عدد من الأصدقاء الذين يعملون في شركات ماسك، ويقول إنهم سعداء بوظائفهم. "إن العمل صارم جداً، وساعات الدوام قد تكون طويلة فعلاً، وقد يطلب منك الحضور في عطلة نهاية الأسبوع، لكنهم لا يريدون توظيف أشخاص يبحثون فقط عن راتب... بل يجب أن تكون مقتنعاً حقاً برؤية الشركة. وفي كثير من الأحيان، أراهم معجبين فعلاً بماسك، ويتفقون عموماً مع أفكاره وفلسفته".
قبل أن نفترق، عرض علي روس لقطات درون صورها عن "سنيلبروك"، بما يشمل لافتة معدنية للترحيب بالسكان ونادياً رياضياً و16 منزلاً متنقلاً وملاعب لممارسة رياضة بيكل بول ومسبحاً، ولا شيء يذكر غير ذلك حتى تاريخه. وفي مقال منشور عام 2023، تناول عزم ماسك على بناء بلدة "يوتوبيا" [المدينة الفضلى] على امتداد أسفل نهر كولورادو، أوردت صحيفة "وول ستريت جورنال" أنه بحسب الخرائط، سيضم الموقع 100 منزل ومدرسة، بيد أن ماسك غرد قائلاً إن مقال "وول ستريت جورنال" عن "سنيلبروك" زائف، من دون أن يدخل في التفاصيل.
ويضيف روس أنه حتى لو كانت باستروب تبدو كبلدة صغيرة، لكن ارتفاع الضرائب العقارية يشكل مصدر قلق، مشيراً إلى أن أسعار الإسكان تضاعفت منذ أن جاء إلى المكان. ولفت إلى وجود نوعين من الناس في باستروب "الذين يريدون النمو، والذين يعترضون على النمو".
في المقابل، يبدو أن موظفي ماسك يروون غليلهم بالتعليقات على منصات موقع "ريديت" Reddit المكرسة لمواضيع من قبيل "كيف يبدو العمل في ’تسلا‘ حالياً". وفي هذا السياق، كتب شخص زعم أنه يعمل في قسم الطاقة التابع للشركة "كثيراً ما ساد شعور بأننا نكره إيلون، مع أننا نؤمن بمهمته (القائمة على تعجيل وتيرة انتقال العالم إلى الطاقة المستدامة). بالتالي، يحني كثر بيننا رؤوسهم أمامه...". لكنه أضاف أنه في أعقاب دفعات من الإقالة والتسريح، "تغير المزاج داخل الشركة".
وكتب شخص آخر أن الرحيل عن "تسلا" كان "أفضل قرار اتخذته للحفاظ على صحتي النفسية"، في حين كتب شخص آخر "أن إيلون موقت، لكن الكوكب دائم".
ومن ثم، أخبرني مهندس سابق في شركة "بورينغ"، وافق على التحدث شرط عدم الإفصاح عن هويته، إنه ترك الشركة في النهاية بسبب "دوامات العمل التعجيزية [المفروضة] على المهندسين". وشرح قائلاً "كنا نعمل ما بين 12 و14 ساعة يومياً ولو عجز أحدهم عن ذلك فكان مصيره الإقالة. واعتمدت الشركة سياسة قائمة على عدد غير محدد من ساعات الراحة، وما دام ذلك لا ينعكس على مهامك، أمكنك أن تستريح قدر ما تشاء. وبالطبع، لم يكن أي كان قادراً على الاستراحة، لأن العمل كان سيتأثر دوماً لو لم تحضر للعمل خلال اليوم التالي. ولم تكن ثقافة الشركة ممتعة وحماسية [للموظفين]".
وروى لي أنه صادف ماسك مرة واحدة خلال فترة عمله مع الشركة في باستروب. "لقد جاء لزيارة المرفق، وقيل لنا ’لا تنظروا في عينيه مباشرة. ولو جاء يكلمكم وسألكم عن أفضل ما يمكنكم فعله، لا بد أن يكون جوابكم جاهزاً". وكان محاطاً بحراس شخصيين، وساد شعور بأن الملك وصل، وكان الجميع يفسحون له الطريق. كان ذلك مضحكاً".
ويقول الموظف السابق إن شركات ماسك تركت في باستروب أثراً سلبياً كبيراً، مشيراً إلى "أنه بُني عدد هائل من المنازل ومباني الشقق السكنية لتأمين إقامة جميع العاملين في المكان، ولم تكن الطرقات مجهزة لذلك، بالتالي، أصبحت السير مزدحماً إلى حد مريع".
وبقيت سلسلة رسائل إلكترونية موجهة إلى شركات ماسك، طالبة إجراء مقابلات والتعليق على مجرى الأحداث بلا رد. وخلال الآونة الأخيرة، بث فرع الإذاعة الوطنية العامة "أن بي آر" NPR في أوستن المسؤول عن تغطية أحداث باستروب، رواية عن الشعور الذي يراود مالكي سيارات "تسلا" حيال مركباتهم منذ أن انضم ماسك إلى إدارة ترمب. وورد فيه إن ماسك بدا على مر الأعوام كشخص محايد سياسياً، واعتبر امتلاك سيارة "تسلا" بمثابة "نيشان شرف للمستهلكين المعنيين بالمناخ، وهم في غالبيتهم من الليبراليين". واليوم، وجد مالكو سيارات "تسلا" أنفسهم "غارقين في الضغوط الاجتماعية ومستهدفين عشوائياً، وفي بعض الأحيان في خضم معارك أخلاقية داخلية عميقة في شأن الاحتفاظ بسياراتهم".
ومع اتساع رقعة الاحتجاجات الهادفة إلى "الإطاحة بـ’تسلا‘" في مختلف أرجاء الولايات المتحدة، تقدم مالك سيارة "تسلا" في دالاس بدعوى قضائية، مطالباً بتعويض عطل وضرر بقيمة مليون دولار، بعدما تعرضت سيارته من طراز "موديل إكس" لأعمال تخريب، وفق ما نقلته شبكة "سي بي أس نيوز" CBS News. وتشمل الدعوى تعويضات عن إصلاح السيارة، وعن الخسائر المالية، وعن الضرر النفسي.
بيد أن أهمية أوستن لا تتوقف عند كونها مقراً رئيساً لشركة "تسلا". وفي هذا الصدد، كتب الصحافي دان سولومون في مجلة "تكساس مانثلي" Texas Monthly، أن المدينة كثيراً ما اعتبرت عبر التاريخ السوق الاستهلاكية الأكبر حجماً داخل ولاية تكساس، وبفارق واسع. وكتب سولومون "في حال قاطع مستهلكو أوستن شركة ’تسلا‘، فلن تتمكن من تعويض تلك الخسائر في مبيعاتها داخل المناطق الريفية من تكساس".
بيد أن السكان القدامى ليسوا كلهم معارضين لإيلون ماسك. ومن بينهم رئيس البلدية السابق لباستروب كين كيسيلوس الذي يرى أن "وتيرة التغيير وديناميكيته كانتا غير مسبوقتين خلال الآونة الأخيرة". ويزعم أن توافد السكان الجدد إلى باستروب، ممن جذبتهم فرص العمل في شركتي "سبيس أكس" و"بورينغ"، "حسن من نوعية العاملين في الحكومة المحلية للمدينة والمقاطعة، كونهم من المتطوعين المشاركين في مختلف منظمات الخدمة الاجتماعية لدينا". وهو يؤمن بصدق أنهم يقدمون "منظوراً ربما لم يكن ليخطر ببال السكان القدامى. بالتالي، أعتقد أننا استفدنا كثيراً من هذا التغيير".
ومع أنه من المستبعد أن تصل مدينة باستروب إلى حجم جارتها الكبرى أوستن، التي لا تبعد عمنها أكثر من 30 ميلاً، فإن الأخيرة تمثل نموذجاً محتملاً لما قد يحمله المستقبل، وبخاصة بالنظر إلى التحول الذي شهدته بفعل طفرة التكنولوجيا. فقد وصفت صحيفة "نيويورك تايمز" سوق العقارات فيها بأنها "جنونية"، وأُرغم الناس العاديون على التفكير كمضاربين. وبالفعل، إن هذه المدينة الأميركية هي الأسرع نمواً، لكنها الوحيدة التي يتناقص فيها عدد السكان السود.
بالتالي، لا عجب أن يكون سكان باستروب القدامى يتطلعون غرباً على امتداد الطريق السريع 71، ويتساءلون إن كانوا سيختبرون أمراً مماثلاً خلال يوم من الأيام. إن التغيير آت، وبسرعة.
ولا يختلف المشهد كثيراً على مسافة 350 ميلاً (563 كيلومتراً) جنوبي باستروب. فشركة "سبيس أكس" باشرت بأعمال البناء في مرفقها الواقع داخل بوكا تشيكا عام 2014، وأجرت أول اختبار طيران من الموقع بعد ذلك بخمسة أعوام. ومنذ ذلك الحين، تحول المكان إلى "ستاربيز" أي مرفق "سبيس أكس" لتطوير الصواريخ الفضائية واختبارها، وأصبح عبارة عن بلدة صغيرة يقيم فيها العاملون داخل المكان.
لقد زرت بورا تشيكا منذ أعوام عديدة، وقدت السيارة على طريق فارغ من براونزفيل –المدينة الكبرى الأخيرة قبل الحدود الأميركية في منطقة خليج المكسيك– إلى شاطئ بوكا تشيكا. وبدا المشهد قاحلاً تخللته مساحات من الحقول الطينية وبين الحين والآخر نقاط تفتيش لحرس الحدود، الذين كانوا يوقفون السيارات المتجهة غرباً ويفتشونها. وينتهي الطريق عند المحيط، حيث يرمي صيادون صناراتهم على أمل اصطياد قرش أسود الرأس. وفي الأفق خلف الكثبان لاحت هياكل فولاذية شاهقة تعود لمنشأة الإطلاق التابعة لشركة "سبيس أكس".
خلال الصيف الماضي، اكتشف مفتش بيئي من تكساس أن "سبيس أكس" تخلصت أربع مرات بطريقة غير مشروعة من مياه الصرف الصناعية في خليج المكسيك، في أحدث واقعة ضمن سلسلة انتهاكات للقوانين اقترفتها الشركة. وخلال العام السابق، تدمر صاروخ "ستارشيب" إبان انطلاقه من المنصة أثناء اختبار، وتناثرت شظايا الخرسانة على مسكن حيوانات معرضة لخطر الانقراض في الجوار، متسببة بحريق على مسافة 3.5 أكر (14200 متراً مربعاً) في منتزة بوكا تشيكا الحكومي.
وقامت المجموعات البيئية بمحاكمة "سبيس أكس" و"إدارة الطيران الفيدرالية" لموافقتها على عمليات الإطلاق. وفي موازاة ذلك، تسعى "سبيس أكس" لزيادة عمليات إطلاق صواريخها إلى 25 كل عام. بالتالي، يطالب ناشطون متخوفون من حصول ضرر بيئي وتقييد الوصول إلى الشاطئ بإجراء مراجعة بيئية شاملة. وخلال السادس من مارس (آذار) الماضي، انفجر صاروخ آخر وانهمرت شظاياه على أجزاء من فلوريدا ومنطقة الكاريبي.
في هذا المكان تحديداً، بلغت خطط ماسك المتعلقة بالشركة مراحل أكثر تقدماً بكثير من باستروب. فخلال عام 2021، أعلن ماسك عبر "تويتر" إنه يقوم "باستحداث مدينة ستاربيز، تكساس" في بوكا تشيكا، التي تعد منطقة غير مدمجة إدارياً. وبعد ذلك بوقت قصير، بدأت "سبيس أكس" تستحوذ على المنازل القائمة في المنطقة وتحولها إلى وحدات سكن للموظفين. ووصلت مقطورات جديدة فاخرة من طراز "إيرستريم" Airstream [مقطورات سياحية متنقلة]، وأوردت تقارير أن السكان المحليين يخشون أن يأتي هذا التطوير مقابل كلفة باهظة للبيئة المحلية.
وخلال فبراير (شباط) الماضي وافقت مقاطعة كاميرون، حيث تقع بوكا تشيكا، على طرح إجراء للتصويت أكد –بعد ثلاثة أشهر– أن "ستاربيز" هي المدينة الأحدث عهداً. وكانت غالبية التوقيعات على العريضة تعود إلى موظفي "سبيس أكس". وأشارت إلى أن الشركة تملك جميع المنازل والأراضي تقريباً في المنطقة المقترحة، مع بعض الاستثناءات القليلة. وورد أيضاً أن المرشح الوحيد لمنصب رئيس بلدية البلدة كان مدير الأمن في "سبيس أكس" غونار ميلبورن.
بنظر هاردي غرين الذي ألف كتاباً عن الموضوع فإن بلدات الشركات الأميركية التي تأسست مطلع القرن الـ20، على غرار "هيرشي" في بنسيلفانيا مقر معمل الشوكولا، أو "بولمان" في إيلينوي التي بنيت لإيواء موظفي شركة "جورج بولمان" لقاطرات سكك الحديد، كانت بُنيت على يد صناعيين أثرياء كان لديهم تصور بإنشاء مستوطنات يوتوبيا لموظفيهم. لكن غرين قال إن التاريخ يثبت أن العلاقة بين رب العمل والموظفين غالباً ما كانت متوترة، لا سيما عندما كان العاملون ينشؤون اتحاداً وينظمون إضراباً.
من السابق لأوانه الجزم بما إذا كان مصير ماسك مماثلاً في أماكن مثل باستروب وستاربيز، لكن ملامح ديناميكية مألوفة بدأت تتضح، في ظل التشدد الظاهر في إدارة العمليات وساعات عمل طويلة، والتوقعات بأن يقتنع الموظفون بأيديولوجيا الشركة. ويشير التاريخ إلى أن أجواء التناغم في الشركة قلما تدوم إلى الأبد.
بالعودة إلى باستروب وإلى المتحف ومركز الزوار، تروي ريتشل هاتش أن باستروب أخذت اسمها تيمناً برجل أعمال ومستعمر هولندي كان يدعى فيليب هنديك نيينغ بوغل، بات يُعرف بلقب بارون باستروب. وكان باستروب يزعم أنه غادر هولندا أواخر القرن الـ18 هرباً من الغزو الفرنسي، مع أن الروايات تفيد بأنه كان يتهرب فعلياً من الملاحقة القضائية بتهمة الاختلاس.
لقد كان باستروب صاحب مشاريع حذقاً، مع أنه اتسم أيضاً بالغموض والاحتيال، على حد تعبير هاتش. "يحب الناس مقارنة إيلون ماسك ببارون باستروب، مع أن ذلك فيه ظلم نسبي". بيد أنها لم تدخل في تفاصيل هوية الطرف المظلوم [في هذه المعادلة].
© The Independent