انا كندريك تتحدث عن فيلم "سيأتي اليوم" والشك في الذات واسباب "التخلف الكبير" لاميركا

الممثلة تؤدي دور عميلة سريّة للـ"آف بي آي" وتبين أن الكوميديا العبثية تلائم موضوع الشريط القاتم

لماذا لم يكن مسار الممثلة الأميركية آن كندريك سهلاً، على الرغم من نجاحات كثيرة فيه؟ ("يونيفرسال بيكتشرز")

 خلال حقبة اندفاعتها السابقة في 2012، قبل أن يصبح اسمها متداولاً بسبب فيلم "بيتش بيرفكت" بعام واحد، لم تحبّذ آنا كندريك الخوض في الأحاديث السياسية. وذكرت في مقابلة مع أحد الصحافيين، "لا أحبّ أن أتكلم في هذه المواضيع كثيراً لأنها صعبة دوماً. ونحن لسنا ضيوفاً حول مائدة العشاء". وبعد مرور أربع سنوات على ذلك الحديث، انتخبت الولايات المتحدة رئيساً لها وصف المهاجرين المكسيكيين بالـ"المغتصبين" واعتبر المنادين بتفوق العرق الأبيض "أشخاصاً ممتازين" وناشد نائبات في البرلمان ممن لا ينتمين إلى العرق الأبيض "أن يعُدْنَ" إلى بلادهن الأصلية. وأضحى الصمت أصعب.

وفي تلك المشهدية، تتحدث الشابة البالغة من العمر 34 عاماً عبر اتصال هاتفي من نيويورك، دون أن تكون ضيفة على مائدة عشاء، مشيرة إلى أنّ "ما يثير القلق بالفعل يتمثّل في أنه خلال ثمانينيات القرن الماضي، لم تُعطَ لشخص فرصة التعبير العلني عن سعيه لإقامة فرع جديد لمنظمة "كو كلوكس كلان" أو ما يشبهها. آنذاك، اعتاد الناس تهامس تلك الأخبار مع الاختباء في الأقبية. في المقابل، بات الأشياء كلها حاضراً مفضوحة وعلنية... إنّ ذلك التراجع والتخلف صادمين بعض الشيء".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بصورة عامة، تتصرف كندريك بحيوية وتلقائية. وربّما تبدي تحفظاً أقل من ناحية الخوض في المسائل السياسية لأنّ دونالد ترمب يتربّع على عرش الحكم في هذا العالم. وفي المقابل، وبالنظر إلى هوية الفيلم الذي تروّج له، لا مناص من ذلك الحديث في كل الأحوال. وستكون فصاحة سطحية غير منصفة إن اعتبرنا أنّ فيلم "سيأتي اليوم" (The Day Shall Come  "ذا داي شال كوم")  الذي يشكّل أول عمل للمخرج البريطاني الساخر كريس موريس الذي يتمتع بقاعدة معجبين خاصة به منذ تصويره فيلم "الأسود الأربعة" ("فور لايونز") في 2010،. ويحفل ذلك الشريط بالمواضيع الخلافية، لكن لا شكّ أنه يظهر خلال زمنٍ تبدو فيه مواضيع العنصرية المؤسساتيه التي يتناولها الفيلم، ملائمة للغاية، وضرورية للغاية كذلك. ويذكر موريس إن الفيلم "يحكي خيانة الحكومات للمواطنين باسم حرب مزيّفة على الإرهاب".

ويتأرجح الفيلم بين الفوضوية والقوة والهزلية والقلق البالغ، ويحمل رسالة لا يمكن التنكّر لأهميتها. ويتطلّب إنصاف حبكته المحكمة التحدث عنها لوقت أطول من وقت عرضه القصير الذي لا يتجاوز الـ87 دقيقة. وفي الأحوال كلها، يمكن عرض قصته. يعاني موسى (يؤدي دوره الممثل الجديد ميرشانت ديفيس) المبشّر الفقير من مدينة ميامي، مشاكل عقلية، ويدير مزرعة وإرسالية جماعية لا ترتادها سوى حفنة صغيرة من الناس. وفي المقابل، يصر موسى على رأيه المتمحور حول الحاجة إلى ثورة سلمية ضد "الهيمنة العرضيّة للعرق الأبيض". وكذلك يؤمن بأن الديناصورات ستقدّم له يد العون. وتؤدي كندريك دور كيندرا، عميلة سليطة اللسان في قسم مكافحة الإرهاب داخل "مكتب التحقيقات الفدرالية"، لكنها متّقدة الذكاء وقليلة الأخلاق. وتكتشف موسى عبر "فيسبوك" وتتراءى لها فرصة ترأّس قضية. وباستخدام عملاء سريّين، تعرض الوكالة المال والأسلحة على موسى في محاولةٍ منها لجعله خطراً إرهابياً حقيقياً ما يتيح لها اعتقاله. وبعد ذلك، تعمّ الفوضى.

لا يتهرّب الفيلم من ظلمة المسائل التي يسعى إلى كشفها، مثل طريقة السلطات الأميركية في استمالة أكثر الناس ضعفاً وتهميشاً، ويكونوا في الغالب من أصحاب البشرة السوداء أو السمراء، وحرفهم صوب التشدد وتمويلهم ومحاصرتهم. وعندما أقول لكندريك أنني ضحكت أثناء عرض الفيلم ثم غادرت القاعة وملء فمي شعور بالمرارة، تجيبني "أليس شعوراً معقّداً؟... يتمثّل العامل الجاذب في القصة بعبثتيها تحديداً، إذ إنّها مضحكة لكن الموضوع كئيب وسوداوي إلى درجة تثير لديك خليطاً غريباً من التفاعلات الكيماوية... التي آمل أن تكون مؤثرة لأن الفكاهة طريقة قوية للغاية من أجل حضّ الناس على التفكير".

لطالما لجأت كندريك إلى الفكاهة. تابعوا على "يوتيوب" مشاهدها المصورة على أشرطة فيديو قديمة، وتظهر فيها في عمر الثانية عشر أثناء أدائها على خشبة "مسرح برودواي" دور داينا، الفتاة النزقة التي تتعلم التمثيل، في مسرحية "هاي سوسايتي" ("المجتمع الراقي")، وسترون بداية أسلوبها الفكاهي المخيف.

حصلت كندريك على ترشيح إلى "جائزة توني" عن ذلك الدور، واستغلت صوتها الغنائي المعبّر لاحقاً في الاقتباس السينمائي لقصة سوندهايم "في الغابة" ("إنتو ذا وودز") في 2014، و"السنوات الخمس الأخيرة" ("ذا لاست فايف ييرز") في 2014 أيضاً. ويضاف إلى ذلك وطبعاً في أفلام "صوت كامل" الثلاثة التي حققت نجاحاً ساحقاً. لكن، قبل تلك الأفلام كلها، ظهرت في فيلم "الشفق" ("تويلايت").

وكان يمكن أن يطوي النسيان فوراً ذلك الدور (في "الشفق") الذي لعبته لولا قدرتها على التنقل بسلاسة بين اللطف والتهكم. إذ جسّدت فيه الممثلة التي كانت آنذاك في الـ22 من العمر، شخصية جيسيكا ستالني، الصديقة "الوقحة والخرقاء" لبيلّا التي أدّت دورها الممثلة كريستين ستيوارت. لم تحوّل تلك سلسلة أفلام "الشفق" المتمحورة حول مصاصي الدماء، كندريك التي ترعرعت في مدينة بورتلاند في ولاية ماين، وهي إبنة استاذ تاريخ  ومحاسبة، إلى نجمة يلاحقها مصورو الـ"بابارازي" على غرار ما حصل مع الممثلة ستيوارت وزميلها روبرت باتينسون اللذان شاركا كندريك  التمثيل في تلك السلسلة. وفي المقابل، فتحت أفلام "الشفق" أمام كندريك أبواباً كانت موصدة حتى ذلك الحين. وقررت عدم الانتقال مباشرة إلى المشاركة في فيلم ضخم جديد مفضّلةً استخدام راتبها الكبير في أداء أدوار أصغر تنطوي على مخاطرة أكبر. وكتبت في مذكراتها "الفلانة المشاكسة" التي ظهرت في العام 2016 "لم يحضر المخرجين الذين عملت معهم خلال تلك السنين أفلام "الشفق"، لكن السلسلة أمّنت لي قوتي ومكانتي فيما مثّلت في أفلامهم بلا مقابل. بدا ذلك شبيهاً بأداء أسخف وظيفة نهارية ممكنة في العالم".

ويثير تنوّع الأدوار التي أدّتها كندريك بعد تصوير "الشفق" الإعجاب. وبعد حصولها على ترشيح إلى جائزة الأوسكار عن دور جسّدت فيه شخصية سيدة أعمال طموحة تفتقر إلى الخبرة، ووقفت فيه إلى جانب جورج كلوني، في فيلم "في الهواء" ("أب إن ذي إير") في 2009، اختارت إجمالاً المشاركة في أفلام تقل ميزانيتها عن 10 ملايين دولار (كلّف آخر فيلم في سلسلة "الشفق" عشرة أضعاف هذا المبلغ). وتتمتّع كندريك بجاذبية ممثلات الصف الأول وكان ليسهل عليها أن تقضي مسيرتها المهنية في التنقل بين الأدوار اللطيفة. لكنها بدلاً من ذلك، اختارت أن تستخدم قامتها القصيرة ومظهرها البارد الجامد سلاحاً في وجه كلّ من يستخف بها، فاختصّت بلعب أدوار شخصيات لاسعة لا تُظهر عواطفها كثيراً.

عملت مرّتين مع مخرج أفلام الميزانيات المنخفضة جو سوانبيرغ على فيلميه الارتجاليين "الندماء" ("درينكينغ باديز") في 2013 و"عيد ميلاد سعيد" ("هابي كريسماس") في 2014. وأدّت دور المعالجة النفسية الجاهلة التي يزورها جوزيف غوردون ليفيت في الفيلم الكوميدي الدرامي حول مرض السرطان "50/50" في 2011، وجسّدت دور حبيبة جايك غيلنهال في الدراما البوليسية العنيفة "نهاية فترة المراقبة" ("إند أوف واتش") في 2012. ويتشابه الفيلم الأخير مع "سيأتي ذلك اليوم" لجهة فضح عنف النظام الجنائي الأميركي، لكن طُلب منّا أن نقف إلى جانب الشرطة التي تعنّف وليس إلى جانب ضحاياها. وتعتبر كندريك هذا الأمر "ملفتاً" وتتساءل "ترى إن شاهدته الآن، هل سأجد بعض النقاط الإشكالية؟".

سيجد الناس الكثير من النقاط الإشكالية في "سيأتي اليوم" كالمظاهر الكثيرة للعنصرية التي تستخدم لإثارة الضحك، ومثلاً يخاطب رئيس كيندرا مرؤوسته فيقول "انتبهي من اللطفاء. يتغلغلون بك وفجأة قبل أن تنتبهي، يختفي تمثال الحرية تحت البرقع ونقطع رأس بروس سبرينغستين". وبالنسبة إلى كيندرا، هذه الجملة دعابة ناجحة لأننا "نعلم يقيناً أنّ الذي يتفوه بهذه العبارة المخبولة رجل سيء. ولذا نسمح لأنفسنا بالضحك على شيء بمثل تلك العبثيّة. لا نقول إنّ الدعابة مضحكة بل من يقولها يمثّل العبث التام".

وفي السياق نفسه، يأتي بعد ذلك التمييز الجنسي. وعلى الرغم من أن كيندرا ليست من ضحاياه فعلياً، وتقول "أردتُ أن أوضح أنها تنتمي إلى السيئين" باعتبارها المرأة الوحيدة في الغرفة، تتلقى سيلاً من العداء والكراهية الذكورية ضد النساء. وتضيف كندريك، "رافقتنا مستشارة رائعة، عملت مع "مكتب التحقيقات الفدرالية" سنوات طويلة، كما أنها تساويني في قصر القامة. كانت التجربة صعبة جداً عليها. إذ لا يمكن التغلب على الشباب الأقوياء طويلي القامة، لذا يتوجّب عليكِ أن تكوني ذكية ومثابرة وتبذلي جهداً أكثر من الجميع... تلك بعض الأشياء التي تضطر النساء إلى فعلها سعياً منهنّ إلى مجرد انتزاع موقع على الطاولة".   

هل وجدت نفسها في موقع مشابه خلال مسيرتها المهنية؟ "همم، نعم...صوّرت فيلماً منذ عدة سنوات مقابل طاقم أغلبه من الممثلين الذكور، وهذا لا يبسّط الأمور أبداً". وتضحك باستهزاء ثم تضيف، "أحياناً كنت أقول لهم "يا إلهي أنتم تعتبرونني أضحوكة". وأعتقد أنه إذا رأى أولئك الأشخاص فيديوهات لهم الآن عن تلك الفترة، سيشعرون بالخزي التام. وقد لا يتعرّفوا حتى على أنفسهم، لأن العالم يتغير ووعي الناس بتصرفاتهم يكبر". ربّما تغيّر العالم لكن التعصّب الذكوري المؤسساتي ما زال محفوراً في قطاع صناعة الأفلام وقطاعات كثيرة غيره. بعد فوزها بجائزة "إيمي" عن مسلسل "فوس/فيردون" الشهر الماضي، ألقت ميشيل ويليامز الضوء في خطابها على عدم المساواة. ووفق كلمات ويليامز، "في المرة التالية التي تطلب منك امرأة، خصوصاً إذا كانت من العرق الأسمر لأنها لن تكسب سوى 52 سنتاً مقابل كل دولار يتقاضاه زميلها الأبيض، ما الذي تحتاجه من أجل أداء وظيفتها، استمع إليها وصدقها". ذُهلت كندريك بذلك الخطاب، "فكّرت أنّ صياغته ممتازة. وعندما يطلب منك أحدهم، لا سيما إن كان مهمّشاً، شيئاً ما، فإنه لا يطلب ذلك رغبة منه في الإزعاج لكن لأنه يريد أن يبذل كل ما في وسعه من أجلك، لذا عليك أن تشعر بالامتنان. أحياناً يعتقد البعض أن الناس يطلبون أشياء لأنهم استيقظوا وأول ما فكروا به كان "كيف أستطيع إزعاج مديري اليوم؟".

ليس مخيباً للأمل بل مربكاً، أن تكتشف أنّ كندريك لا تتحدث بالطريقة نفسها التي تستخدمها عبر "تويتر" حيث اكتسبت 7.4 مليون متابع وذاع صيتها بسبب ملاحظاتها المقتضبة التي غالباً ما تحمل نقداً ذاتياً. وكان إنتاجها أكثر غزارة منذ سنوات قليلة حين انتشرت مقالات لها كثيرة تحمل عناوين على نسق "19 تغريدة مضحكة من آنا كندريك" أو "35 مقولة تغيّر الحياة غرّدتها آنا كندريك في العام 2014" أو "215 سبباً يجعل من آنا كندريك أكثر الأشخاص طرافة على "تويتر"". نعم، 215.

في ذلك الصدد، يمكن القول إنّ تغريداتها مضحكة جداً من دون شك. وتقول في إحداها، وقد تشارك الناس تلك التغريدة 32 ألف مرّة، "أع- لن أذهب مجدداً لحضور فيلم للمثل راين غوسلينغ في صالات السينما. يبدو أنّ الاستنماء في الصفوف الخلفية ما زال يعتبر أمراً "غير لائق"". وتلخّص تغريدتها الثابتة في أعلى صفحتها طبع محو الذات الذي تتميز به "بالنسبة إلى شخص لديه رغبة شديدة في إثارة إعجاب الآخرين، كان المرء ليظنّ أنني سأكتشف كيف أخفّف من حقارتي". 

وفي المقابل، ثمة مشكلة تتمثّل في أنّ هذا النوع من التغريدات، إضافة إلى ظهورها الناجح عبر مختلف البرامج الحوارية الأميركية، قد أكسب كندريك صيتاً بأنها "قريبة" و"متواضعة". ولنتذكر أنّ سواها من الممثلات اللواتي أُلصقت بهنّ تلك التصنيفات واللواتي اندفعن في التصرف بصراحة أو بطرافة أو بفجاجة أو بأية طريقة يتصرف بها الرجال دون أن يتأثروا، قد واجهن موجة انتقاد مفاجئة. وتطرّقت كندريك إلى هذا الموضوع منذ بضع سنوات. وأشارت إلى معاناة جينيفر لورانس من "أن تكون في كل مكان وثم من يقول الناس "أففف... جينيفر لورانس تلك في كل مكان". هذا صحيح ولكن أنتم من وضعها في كل مكان".

أتساءل إن خشيتْ من مواجهة القدر نفسه. بعض الشيء، كان ردها. "أخشى من كل شيء طوال الوقت. ينتابني شعور عام بالقلق. لكن، من ناحية أخرى، لا أعلم. أحياناً يميل الناس إلى الاعتقاد بأنك لا شك شخص غريب يرمي الشراب في وجوه الناس ويهتم بحصول كلبه على تقليم أظافره، وتلك النظرة غريبة. لكن، لا أعتقد أنه من الممكن إقناع هؤلاء بأنني أصارع الشك الذاتي والكسل وكافة الجوانب غير الجميلة من النفس الإنسانية".

وتبدو تلك المعركة خاسرة من الناحيتين. من ناحية، إذا أظهرتَ إيماناً زائداً بنفسك يتهمونك بالغرور. ومن الناحية الاخرى، إذا انتقدت نفسك كثيراً يعتبرونك مزيّفاً وغير صادق في تعبيرك. وتوافق كندريك على ذلك. ووفق كلماتها، "أفهم ما تقولينه. أليس علينا أن نعظّم من شأننا كي لا يبدو أننا نواصل الدفاع والقول "كلا أنا ما زلت أظن نفسي حثالة؟ ولذا أستحق أن أكون جزءاً من المجتمع؟ طالما أعتقد أنني أسوأ كائن على وجه الأرض؟".

تخلّت كندريك عن المقاومة. وتقول في إشارة إلى لامبالاتها "لا معنى من الاستماتة في محاولة إقناعهم. وأترك لهم أن يعتقدوا بأنني أهتم بتقليم أظافر قوائم كلبي".

يعرض فيلم "سيأتي اليوم" بدءاً من نهار الجمعة في دور السينما البريطانية

© The Independent

المزيد من حوارات