ملخص
أثارت النبرة التصالحية التي اعتمدها قائد قوات "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو أخيراً حيال مصر، استغراب طيف واسع من متابعي الشأن السوداني، إذ إته كان قد اتهم القاهرة منذ وقت ليس بطويل، بدعم الجيش بقيادة عبدالفتاح البرهان عسكرياً.
للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في السودان يدلي قائد قوات "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو تصريحات موجهة إلى مصر لا تحمل اتهامات وتهديدات، فالقائد الشهير بـ"حميدتي" فاجأ المراقبين قبل أيام بحديثه عن إمكان حل المشكلات مع القاهرة عبر الحوار وليس المشاحنات، وذلك بعدما "راجع حساباته".
خطاب حميدتي الذي جاء وسط جنوده في ما بدا أنه ميدان تدريبي، أتى بعد أسبوعين فقط من خطاب آخر كرر فيه اتهام مصر بدعم الجيش السوداني عسكرياً، وهو ما نفته القاهرة مراراً.
لكن ما تغير خلال تلك الفترة هو سيطرة قوات "الدعم السريع" على منطقة المثلث الحدودية، التي تمثل نقطة التقاء بين حدود كل من مصر والسودان وليبيا، وذلك بعد اتهامات رسمية سودانية للجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر بمساندة "الدعم السريع"، قوبل بنفي ليبي.
رسائل تطمينية
اعتبر المحلل السياسي السوداني خالد التيجاني أن "تصريحات حميدتي تمثل محاولة واضحة لتوجيه رسائل تطمينية إلى القاهرة في شأن حدودها، وتوقع أن هذا التوجه لا يعكس موقفاً ذاتياً أو مستقلاً من 'الدعم السريع'، بل هو امتداد لمواقف الجهات الخارجية الداعمة له". وأضاف التيجاني لـ"اندبندنت عربية" أن "اقتراب قوات ’الدعم السريع‘ من المثلث يأتي في ظل حاجته الملحة إلى الوصول إلى هذا المعبر الإستراتيجي، بعد تعرض طرق الإمداد القادمة من تشاد لضربات موجعة من الجيش السوداني، مما دفع ’الدعم السريع‘ إلى البحث عن بدائل آمنة للتموين".
حديث التيجاني يتسق مع ما قاله حميدتي في خطابه الأخير حول أن قوات "الدعم السريع" لا تقف ضد أية دولة، بل إنها ترغب في التعاون مع كل دول الجوار لتأمين الحدود، مضيفاً أن "ذهابنا إلى الصحراء آمن لجيراننا المصريين والليبيين والتشاديين، كلهم جيراننا، نحترمهم ونحترم حدودهم، وليس لدينا مشكلة مع أية دولة".
المثلث الحدودي
وبحسب تقارير إعلامية فإن منطقة المثلث الحدودي تُعرف بأنها منفذ للتجارة وتهريب البشر والأسلحة والبضائع، في ظل امتدادها لمسافة شاسعة عند جبل العوينات الذي يبلغ طوله نحو 2000 متر ويمتد على مساحة أكثر من 1500 كيلومتر، في بيئة صحراوية قاحلة.
وفي وقت سابق من يونيو (حزيران) الجاري، أعلن الجيش السوداني "إخلاء" المنطقة بدعوى قيامه بترتيبات دفاعية، واتهم قوات "الدعم السريع" التي يصفها بـ"الميليشيات الإرهابية"، وقوات "الجيش الوطني" الليبي بشن هجوم على تلك المنطقة. في المقابل قالت قوات "الدعم السريع" إنها نجحت في تكبيد الجيش خسائر فادحة في الجنود والعتاد.
وبدا أن هجوم "الدعم السريع" على منطقة المثلث مخطط لها سابقاً، إذ لوح "حميدتي" في مطلع يونيو الجاري بمهاجمة الولاية الشمالية المحاذية للحدود المصرية، وفي الخطاب نفسه جدد اتهامه للقاهرة بدعم الجيش السوداني عسكرياً، مؤكداً أن قواته رصدت طائرات مصرية نقلت إمدادات عسكرية للجيش بقيادة رئيس المجلس السيادي، الفريق أول عبدالفتاح البرهان.
"بالون اختبار"
من جهته يرى مساعد وزير الخارجية المصري السابق السفير صلاح حليمة، أن "تحركات قوات 'الدعم السريع' قرب المثلث الحدودي بين مصر وليبيا والسودان وتشاد تمثل محاولة دعائية لإظهار مكاسب ميدانية بعد تراجعها أمام تقدم الجيش السوداني"، نافياً وجود "أي تهديد مباشر للحدود المصرية".
وأوضح حليمة لـ"اندبندنت عربية" أن "'الدعم السريع' لم يدخل الحدود المصرية، بل اقترب منها"، في ما وصفه بـ"بالون اختبار"، لافتاً إلى أن "تحركات 'الدعم السريع' تأتي بدافع البحث عن موقع إستراتيجي بديل في ظل خسارته ممرات الإمداد من تشاد، وليس بغرض التصعيد مع مصر". واعتبر أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن قيادة "الدعم السريع" "لا وزن لها ولا تأثير سياسي".
وحذّر حليمة من أن "توجهات 'الدعم السريع' لا تحظى بأي دعم دولي أو إقليمي، لأنها تهدف إلى إنشاء حكومة موازية وتهدد وحدة السودان وسلامته الإقليمية"، مشدداً على أن "موقف مصر واضح وثابت في دعم المؤسسات الوطنية السودانية ورفض أية محاولة لتقسيم البلاد".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
القاهرة لم ترد
ولم ترد القاهرة رسمياً على تصريحات "حميدتي"، في حين قال رئيس الحكومة مصطفى مدبولي في مؤتمر صحافي الأربعاء الماضي إن "الرئيس عبدالفتاح السيسي يُحكِّم دائماً صوت الحكمة والعقل"، مشيراً إلى ثوابت الدولة المصرية "المتمثلة بحماية مقدراتها وحدودها".
ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الساببق صلاح حليمة أن "تصريحات حميدتي لا تستدعي رداً مصرياً، بخاصة أن موقف القاهرة محسوم بأن أي تحرك يهدد أمن حدودها سيواجه بحسم".
كذلك، يعتقد المحلل السوداني خالد التيجاني أن "مصر تدرك جيداً طبيعة هذه التحركات، وترى أن موقف ’الدعم السريع‘ لا يعبر عن إرادة وطنية بقدر ما يخدم مصالح داعميه الإقليميين"، لافتاً إلى أن "القاهرة لم تأخذ تصريحات دقلو على محمل الجد، في سياق قراءة أوسع للعلاقات المصرية - السودانية".
وتتبنى القاهرة وصف "ميليشيات" تجاه "الدعم السريع"، ولا تتعامل رسمياً سوى مع الحكومة الشرعية التي تتبع المجلس السيادي برئاسة البرهان، كذلك لم تستقبل حميدتي منذ بدء الحرب في أبريل (نيسان) 2023، بعكس دول أخرى مجاورة مثل إثيوبيا وليبيا. وتؤكد مصر دائماً ضرورة دعم مؤسسات الدولة الوطنية السودانية، وعلى رأسها الجيش. وأعربت عن رفضها القاطع تشكيل حكومة موازية موالية لـ"الدعم السريع".
ونفت الخارجية المصرية في أكثر من مناسبة مزاعم "حميدتي" في شأن الدعم المصري للجيش السوداني، ودعت في بيان صادر في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 المجتمع الدولي إلى "الوقوف على الأدلة التي تثبت حقيقة ما ذكره قائد ميليشيات 'الدعم السريع'"، حول اشتراك الطيران المصري في المعارك بالسودان.
خطورة اختراق الحدود
وتمتد الحدود المصرية مع السودان على مساحة 1280 كيلومتراً، معظمها مناطق صحراوية قاحلة، مما يفاقم من خطورة تهديدات التهريب والتسلل. وظلت مناطق شمال السودان المحاذية للحدود المصرية تحت السيطرة الكاملة للجيش السوداني منذ بدء الصراع، إلى أن وضع "الدعم السريع" قدماً في الولاية الشمالية بسيطرته على منطقة المثلث الحدودي أخيراً.
لكن ذلك قد لا يعتبر ميزة بالضرورة لحميدتي وقواته، إذ اعتبر متخصص الشؤون الأفريقية، رامي زهدي أن "أي اختراق حدودي سيُعد تطوراً خطراً قد يستدعي رداً مباشراً من الدولة المصرية، وفقاً للقانون الدولي الذي يمنح أية دولة الحق في حماية حدودها من تهديدات الميليشيات".
وقال زهدي "إن تصريحات حميدتي ربما تعد محاولة للتراجع وتدارك الخطأ بعدما أدرك أن استعداء مصر ليس في مصلحته"، مؤكداً أن "القاهرة لن تتردد في اتخاذ إجراءات عسكرية حاسمة إذا شعرت بتهديد مباشر، وقد يكون ذلك قريباً في حال تكررت أو استُفزت مجدداً بهذه التحركات".
وأكد أن "حميدتي يدرك حجم مصر ودورها في الإقليم، وربما يدرك أيضاً أنها قد تكون مخرجاً له في المستقبل، إذا ما وجد نفسه في عزلة كاملة"، مضيفاً "ربما وجه نظره إلى أن الدخول في صدام مباشر مع مصر هو مغامرة لا يحتملها". وأضاف زهدي أن "مصر لا تتعامل مع قائد قوات 'الدعم السريع' كمركز ثقة أو فاعل شرعي في المشهد السوداني، وتعتبره ميليشيات مسلحة خارجة عن القانون والنظام"، مشيراً إلى أن "هذا هو سبب تجاهل القاهرة معظم تصريحاته، سواء كانت إيجابية أو سلبية". وقال زهدي إن "الرد المصري – إن وُجد – سيكون عاماً وغير مباشر".