Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من أجل الفدية... أجانب في شراك جماعات الإرهاب الأفريقي

لتمويل الميليشيات وشراء الأسلحة ورشوة الجهات المحلية ومحللون: تضعف الوجود الغربي دبلوماسياً واقتصادياً وإنسانياً

الأمن النيجيري في موقع هجوم تخريبي يُزعم أن جماعة بوكو حرام نفذته في ضواحي مايدوجوري، 12 فبراير 2021 (أ ف ب)

ملخص

إحصائياً، لا توجد أرقام حول عدد الذين خُطفوا في صحراء الساحل الأفريقي الشاسعة، خصوصاً أن كثراً يُطلق سراحهم إما من خلال وساطات أو فدية أو غيرهما. لكن عمليات الخطف تصاعدت بصورة لافتة في وقت حزمت القوات العسكرية الغربية حقائبها وغادرت، وحلت محلها روسيا التي دفعت بمرتزقة وقوات نظامية إلى هناك.

في مناخ يتسم بفوضى لا نهاية لها، تتصاعد عمليات الخطف التي تستهدف الرعايا الأجانب في منطقة الساحل الأفريقي التي تتألف من خمس دول رئيسة هي: مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد وموريتانيا.

وفي أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت السلطات في النيجر تعرض مواطنة سويسرية تبلغ من العمر 67 سنة للخطف، لكنها ليست الحادثة الوحيدة، ففي مالي أيضاً تعرض مواطنون صينيون للخطف في منطقة نارينا الحدودية مع غينيا كوناكري في مايو (أيار) الماضي.

وعلى مدى الأعوام الماضية، شكلت حادثة خطف المواطنة الفرنسية صوفي بترونين، من قبل جماعة إرهابية مرتبطة بتنظيم "القاعدة" في شمال مالي عام 2016 إحدى أهم عمليات الخطف التي عرفتها منطقة الساحل، وهي عملية اضطرت باريس وحليفتها الحكومة في باماكو إلى تقديم تنازلات من أجلها تتمثل في إطلاق سراح سجناء من "القاعدة".

فدية وابتزاز

إحصائياً، لا توجد أرقام حول عدد الذين خُطفوا في صحراء الساحل الأفريقي الشاسعة، خصوصاً أن كثراً يُطلق سراحهم إما من خلال وساطات أو فدية أو غيرهما.

لكن عمليات الخطف تصاعدت بصورة لافتة في وقت حزمت القوات العسكرية الغربية حقائبها وغادرت، وحلت محلها روسيا التي دفعت بمرتزقة وقوات نظامية إلى هناك.

الباحث السياسي ومدير تحرير "لوديبلومات ميديا" رولان لامباردي، اعتبر أن "خطف الأجانب في منطقة الساحل يتم عبر استراتيجية متعددة الأطراف تشمل الجوانب الاقتصادية والسياسية والعسكرية وغيرها، فمثلاً يتبع خطف الغربيين أو الموظفين الأجانب (العاملين في المجال الإنساني، والصحافيين، والمغتربين) منطقاً اقتصادياً بحتاً، فتستخدم الفديات المدفوعة، التي تصل أحياناً إلى ملايين اليوروهات، لتمويل الجماعات المسلحة وشراء الأسلحة ورشوة الجهات الفاعلة المحلية، مما يمثل نموذجاً تجارياً حقيقياً للجماعات المسلحة في الساحل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح لامباردي لـ"اندبندنت عربية"، أن "لعمليات الخطف هذه قيمة سياسية. إنها تتيح لهم ابتزاز الحكومات الغربية، إما لإطلاق سراح أعضائها المعتقلين أو للضغط على السياسات الخارجية مثل سحب القوات العسكرية، كما تغذي التغطية الإعلامية لعمليات الخطف هذه الدعاية الإرهابية، معززة صورة الجماعات كقوى لها وزن وثقل قادرة على مواجهة الدول الغربية وأيضاً المركزية في الساحل الأفريقي".

وشدد على أنه "في بعض الحالات أيضاً، تسعى الجماعات المسلحة إلى فرض سيادتها الفعلية على مناطق معينة، ويعد خطف الرعايا الأجانب وسيلة لإثبات أنهم الأسياد الوحيدون على الأرض، حيث تكون الدولة المركزية غائبة أو عاجزة".

ومن شأن هذه العمليات أن يكون لها ارتدادات على سمعة دول الساحل الأفريقي، التي تعاني أصلاً وصم هيمنة الجماعات المسلحة والإرهابية وغير ذلك، ويعتقد لامباردي أن "عمليات الخطف هذه تعزز تصور الدول الفاشلة، وينظر إلى حكومات مالي وبوركينا فاسو والنيجر على أنها عاجزة عن ضمان الأمن داخل أراضيها، مما يغذي انعدام الثقة العامة ويعزز توسع الجماعات المسلحة".

إضعاف الوجود الغربي

لكن التداعيات لا تتوقف عند المساس بسمعة الدول المعنية، إذ يرى كثر أن عمليات الخطف تحد من الحضور الدبلوماسي الأجنبي بصورة كبيرة في الساحل الأفريقي، كما تدفع منظمات وجمعيات تنشط في مجال الإغاثة ودعم المجتمعات المحلية إلى المغادرة.

وقال لامباردي إن "عمليات الخطف المتكررة تضعف الوجود الغربي، سواء كان دبلوماسياً أو اقتصادياً أو إنسانياً. وقد اضطرت بعض الحكومات، ولا سيما فرنسا، بالفعل إلى إعادة المنظمات غير الحكومية إلى أوطانها أو تقليص وجودها، تاركة المجال مفتوحاً أمام جهات فاعلة أخرى على غرار روسيا والصين وتركيا".

ولفت إلى أنه "في سياق إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، أصبح الرهائن، أي ضحايا عمليات الخطف، بيادق في اللعبة الجيوسياسية الأوسع بين القوى المتنافسة والجماعات المسلحة والدول، وتشمل المفاوضات لإطلاق سراح بعض الرهائن أحياناً دولاً ثالثة مثل قطر أو الجزائر، التي ترى في ذلك فرصة لتعزيز نفوذها".

ويتوقع المتحدث أن تستمر عمليات الخطف "ما بقيت دول الساحل ضعيفة، وظلت الحدود مخترقة، واستمر المجتمع الدولي في تبني استراتيجية مجزأة وغير فعالة".

بحثاً عن الفدية

ولا تفرق الجهات التي تتولى خطف الأجانب في الساحل الأفريقي بين ضحاياها ومن أين يتحدرون، فعلى سبيل المثال قبل أعوام خطفت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" بزعامة إياد آغ غالي في مالي الصحافي الفرنسي البارز أوليفييه دوبوا، وبالتوازي مع هذه الحادثة خطفت جماعة أخرى في النيجر ناشطاً أميركياً يعمل في المجال الإنساني هو جيفري وودكي.

واعتبر الباحث السياسي في الشؤون الأفريقية سلطان ألبان، أن ظاهرة خطف الأجانب في منطقة الساحل الأفريقي تأتي مباشرة من أجل الحصول على الفدية لأنها المصدر الرئيس لتمويل الجماعات المسلحة، سواء كانت جهادية مثل "نصرة الإسلام والمسلمين" أو "القاعدة" أو "بوكو حرام"، أو عصابات إجرامية، لأنه في مرحلة معينة أدى اتساع دائرة القتال في منطقة الساحل إلى توليد عصابات إجرامية دورها الأساس خطف الأجانب والإغارة على المناطق السكنية لإجبار السكان على دفع ممتلكاتهم وسرقتها.

وأضاف ألبان في تصريح خاص، أن "هذه الجماعات تخطف الأجانب لضمان الحصول على مبالغ مالية ضخمة، نظراً إلى أن الحكومات والشركات الغربية تكون مستعدة لدفع مبالغ كبيرة مقابل الإفراج عن رعاياهم الذين يقعون ضحايا لعمليات الخطف".

وبين أنه "يُستهدف الأجانب أحياناً لإرسال رسائل سياسية ودبلوماسية في اتجاه آخر، خصوصاً في سياق الصراع بين الجماعات المسلحة والحكومات والقوى الخارجية مثل فرنسا وروسيا، وتستخدم الجماعات المسلحة مثل العصابات والجماعات المتطرفة الأجانب ورقة سياسية ودبلوماسية وأداة للتأثير في العلاقات وزعزعة ثقة المجتمع الدولي في قدرة الحكومات المحلية على حماية الأجانب".

وأشار الباحث إلى أن "هناك عاملاً آخر يرتبط بأن خطف الأجانب يشكل ضجيجاً وهالة إعلامية، مما يعزز مكانة الجماعات المسلحة ويؤرق الحكومات والشركات الأجنبية العاملة هنا وهناك، وهذه وسيلة لإضعاف الثقة في حكومات الساحل الأفريقي".

واستنتج أن "الأجانب هم عبارة عن فدية مهمة جداً في نظر المجموعات، خصوصاً إذا كانوا يعملون في الشركات، سواء في مجال التعدين أو الرعاية الإنسانية أو دبلوماسيين أو عسكريين، عادة ما يحظون باهتمام إعلامي أكبر، مما يعزز فرص حصول الجماعات على الفدية".

وفي خضم تنامي الهجمات الدموية التي تشنها الجماعات المسلحة، والتي تفتح جراحاً يصعب اندمالها، فإن من غير الواضح ما إذا كانت عمليات الخطف ستستمر في منطقة الساحل الأفريقي، التي باتت من أخطر بؤر الإرهاب في العالم، بحسب تقارير رسمية.

المزيد من تقارير