Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عمالة الأطفال... مشاهد حية لجنوح المستقبل في الأردن

أصبحت جزءاً من الحياة اليومية في عمان إذ يعمل نحو 100 ألف صغير في مهن "خطرة" لا تناسب أعمارهم

حررت وزارة العمل 736 مخالفة في حق أرباب عمل قاموا بتشغيل أطفال لدى منشآتهم خلال الأعوام الأخيرة (أ ف ب)

ملخص

يرجع مراقبون ظاهرة عمل الأطفال إلى الفقر والضغوط الاقتصادية، فغالبية الأسر التي يعمل فيها الأطفال من الفقراء، ويسهم عمل أطفالهم بدخل إضافي يقدر ما بين 25 و40 في المئة من دخل الأسرة.

في شوارع العاصمة عمان ومدن الأردن الأخرى، لم تعد مشاهد الأطفال العاملين مشهداً استثنائياً، بل جزءاً من الحياة اليومية، يبيعون المناديل وينظفون السيارات، ويدخلون الورش كـ"مساعدين صغار" في مهن تفوق أعمارهم.

أيديهم الغضة تحمل أثقالاً لا تناسب أجسادهم، بينما تغيب عنهم مقاعد الدراسة، بسبب واقع اقتصادي واجتماعي يدفعهم مبكراً إلى سوق العمل.

وفيما تتعدد الأسباب خلف هذه الظاهرة المتفاقمة، في مقدمها تفشي البطالة وتراجع دخل الأسر، يضاف إلى ذلك نظام تعليمي هش لا يجذب ولا يحمي، وبيئة قانونية غير رادعة، تبقى الطفولة عرضة للاستنزاف في دائرة لا تنتهي من الفقر والتسرب والتهميش.

100 ألف طفل

لكن أخطر ما في هذه الظاهرة الأرقام التي تحدث عنها المركز الأردني لحقوق العمل "بيت العمال" في تقريره السنوي بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال، حيث قدر عدد الأطفال العاملين في الأردن بنحو 100 ألف طفل، نصفهم يعملون في مهن خطرة، محذراً من اتساع نطاق الظاهرة.

وألقى التقرير باللائمة على الجهات الرسمية، مشيراً إلى أن آخر مسح وطني رسمي حول عمل الأطفال يعود إلى عام 2016، في حين أن القطاع الزراعي هو الأكثر جذباً لعمل الأطفال بنسبة 32 في المئة، ثم قطاعات التجارة وإصلاح المركبات، والصناعة والبناء وهي أعمال خطرة.

وفق التقرير ذاته يعمل نحو 45 في المئة من الأطفال لساعات طويلة تتجاوز الحد القانوني، كما أن واحداً من كل خمسة أطفال يتعرضون لمعاملة سيئة داخل مواقع العمل.

إلا أن دراسة منفصلة صادرة عن مؤسسة إنقاذ الطفل أظهرت أن 18 في المئة من الأطفال الأردنيين والسوريين اللاجئين العاملين في القطاع الزراعي ملتحقون بالمدارس الرسمية، في حين أن 65 في المئة لا يتلقون أي صورة من صور التعليم، كما تبين وفق الدراسة أن تسرب نحو 77 في المئة من الأطفال العاملين من مدارسهم هو بسبب الوضع الاقتصادي لأسرهم.

ومن الأرقام الصادمة في الدراسة وجود أطفال يعملون بعمر ست سنوات، في حين أن معظم الأطفال العاملين هم في سن 12 -17 سنة.

هل الأرقام دقيقة؟

لكن خلافاً لهذه الدراسات والتقارير يؤكد الناطق الإعلامي لوزارة العمل محمد الزيود أن الأرقام الدقيقة والعلمية يتم اعتمادها من قبل دائرة الإحصاءات العامة، مضيفاً أن الأردن يعزز جهود مكافحة عمل الأطفال ويحقق تراجعاً ملحوظاً في الظاهرة.

 

 

ووفقاً لوزارة العمل فإن عدد حالات عمل الأطفال المكتشفة في الأعوام الأربعة الأخيرة بلغت 2505 حالات وهو ما يظهر انخفاضاً ملحوظاً.

وحررت وزارة العمل 736 مخالفة في حق أرباب عمل قاموا بتشغيل أطفال لدى منشآتهم خلال الأعوام الأخيرة، كما نفذت زيارات تفتيشية للحد من عمل الأطفال على أكثر من 2000 منشأة خلال العام الحالي.

 وتقول تقارير محلية، إن المناطق الصناعية في العاصمة تشغل كثيراً من طلبة المدارس الصناعية في ورش صيانة السيارات كمتدربين من المدارس الصناعية التابعة لوزارة التربية والتعليم، وفق ساعات عمل محددة ولا يمكن تصنيفهم ضمن عمالة الأطفال، فضلاً عن لجوء بعض الأهالي إلى تشغيل أطفالهم خلال العطلة الصيفية لاستغلال أوقات فراغهم وحصولهم على المهارات.

هل تكفي القوانين؟

تحظر القوانين الناظمة في الأردن عمالة الأطفال كقانون حقوق الطفل لسنة 2022، وقانون التنمية الاجتماعية لسنة 2024 الذي يمنع تشغيل الحدث الذي لم يكمل 18 سنة من عمره في الأعمال الخطرة أو المرهقة أو المضرة بالصحة، إلى جانب نظام حماية الأحداث.

 ويؤكد وزير العمل خالد البكار أن الأردن حريص على الحد من عمل الأطفال، وتطبيق كل التشريعات ذات العلاقة التي تحفظ حق الطفل في التعليم وسحبه من سوق العمل وتأهيله وإعادته إلى مكانه الطبيعي وهو مقاعد الدراسة وليس سوق العمل.

ويشير الوزير إلى أن قانون العمل يمنع تشغيل الحدث إذا لم يكمل الـ16 من عمره بأي صورة من الصور، ويمنع تشغيله في الأعمال الخطرة أو المرهقة أو المضرة بالصحة قبل بلوغ الـ18 من عمره.

فقر وضغوط اقتصادية

يرجع مراقبون ظاهرة عمل الأطفال إلى الفقر والضغوط الاقتصادية، فغالبية الأسر التي يعمل فيها الأطفال من الفقراء، ويسهم عمل أطفالهم بدخل إضافي يقدر ما بين 25 و40 في المئة من دخل الأسرة.

كما أن انخفاض فرص التعليم خصوصاً في المناطق الريفية التي تتسم بضعف البنية التحتية للتعليم في المناطق الريفية، يزيد من تسرب الأطفال نحو السوق، ويتفاقم الأمر بين اللاجئين السوريين حيث تعيش بعض الأسر من دون تصاريح عمل أو دعم مستدام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأدى النزوح السوري إلى الأردن منذ عام 2011 إلى تفاقم ظاهرة عمالة الأطفال في البلاد، فمع وجود نحو 1.3 مليون لاجئ سوري يقدر أن 51.4 في المئة من منهم من الأطفال.

أمام هذا الواقع تقول الأرقام والإحصاءات المتعلقة باللاجئين السوريين، إن 86 في المئة منهم يعيشون تحت خط الفقر، كما أن تخفيض المساعدات الدولية المقدمة للاجئين السوريين، التي لا تغطي سوى 10 في المئة منهم أدى إلى زيادة اعتماد الأسر على دخل الأطفال.

في المقابل ثمة أكثر من 120 ألف طفل سوري في الأردن لا يذهبون إلى المدارس، مما يجعلهم عرضة للعمل في ظروف قاسية.

في السياق ذاته تؤكد الأرقام الرسمية أن نحو 20 في المئة من الأردنيين يعيشون تحت خط الفقر، كما أن ارتفاع معدلات البطالة، خصوصاً بعد جائحة كورونا، زاد من اعتماد الأسر على عمل الأطفال.

وبلغت نسبة التسرب المدرسي نحو 5.2 في المئة إذ يترك كثير من الأطفال المدرسة بسبب عدم القدرة على تحمل كلف التعليم أو الحاجة إلى العمل.

اقتصاد ظل

ويحظر قانون العمل تشغيل الحدث أكثر من ست ساعات في اليوم الواحد على أن يعطى فترة للراحة لا تقل عن ساعة واحدة بعد عمل أربع ساعات متصلة، كما يحظر تشغيله بين الساعة الثامنة مساء والسادسة صباحاً، وفي أيام الأعياد الدينية والعطل الرسمية وأيام العطلة الأسبوعية.

ووفق القانون فإن على صاحب العمل قبل تشغيل أي حدث أن يطلب منه أو من وليه تقديم مستندات عدة، ويشترط أيضاً موافقة ولي أمر الحدث الخطية على العمل في المؤسسة، وحدد القانون عقوبة تشغيل الأطفال، بغرامة بين 300 و500 دينار (نحو 423 و705 دولارات)

 

 

 ويعتقد مراقبون آخرون أن ما يفاقم من حجم الظاهرة هو أن كثيراً من الأطفال يعملون في اقتصاد الظل حيث لا وجود للتفتيش أو الرقابة، كما يعملون في مهن تصنف على أنها "خطرة" كورش الحدادة والبناء، وجمع البلاستيك والنفايات، بمتوسط دخل يومي لا يتجاوز خمسة دنانير (سبعة دولارات)، وبساعات عمل قد تصل إلى 12 ساعة يومياً، ويمكن أن تؤدي إلى تعرض هؤلاء الأطفال لإصابات جسدية، وأمراض تنفسية، وتحرشات لفظية ونفسية من دون أي حماية.

وتربط دراسات رسمية بين عمل الأطفال وجنوح الأحداث، ووفقاً لمديرية الدفاع الاجتماعي في وزارة التنمية الاجتماعية فإن 17 في المئة من الأحداث في دور الرعاية يعملون في مهن حرفية، كما أن 44 منهم متسربون من المدارس.

ويعد المتخصص في الوقاية من العنف ضد الأطفال، هاني جهشان أن هناك غياباً لآليات تنفيذ هذه القوانين وغياب فاعلية البرامج الوطنية لمكافحة عمل الأطفال، إضافة إلى غياب برامج توفير الأمن والسلامة العامة ونظم الإبلاغ عن العنف والإهمال.

ويؤكد جهشان أن اعتماد تعليم الـ"أونلاين" كان له تأثير سلبي وشجع التسرب وعمالة الأطفال، خصوصاً خلال جائحة كورونا.

مما يؤكد أن ظاهرة عمالة الأطفال ليست مجرد أرقام في تقارير سنوية، بل مأساة يومية تعيد إنتاج الفقر وتغذي الأزمات الاجتماعية المقبلة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير