ملخص
شهادات الجنود التي نقلتها عنهم صحيفة "هآرتس" تؤكد أن هذا الضابط أصدر أوامر بإطلاق النار على الفلسطينيين على رغم أن ضابطاً آخر كان في المكان حينها ولديه صلاحيات إلغاء أوامر هذا الضابط القاتل، ولكنه لم يتجاوب معه وأصر على إصدار أمر لجنود معه بقتل الفلسطينيين.
بعد تجاهله الشكوى التي قدمت ضد ضابط إسرائيلي أمر بإطلاق النار على شابين فلسطينيين كانا يرفعان الراية البيضاء في قطاع غزة، منح الجيش الاسرائيلي ترقية لهذا الضابط إلى قيادي في كتيبته، على رغم ما أثارته اللقطات التي رصدت جريمة اغتيال الفلسطينيين من ردود فعل عالمية ومحلية واسعة وأيضاً بين جنود يعترضون على حرب غزة وكانوا يقاتلون آنذاك.
الترقية أثارت نقاشاً حتى داخل الكتيبة التي تبوأ فيها الضابط منصبه الجديد، بعدما رفضت قيادة الجيش الاطلاع على الشهادات التي قدمها جنود في الكتيبة شاركوا في الحرب في غزة عند تنفيذ جريمة الاغتيال في ديسمبر (كانون الأول) 2024.
شهادات الجنود التي نقلتها عنهم صحيفة "هآرتس" تؤكد أن هذا الضابط أصدر أوامر بإطلاق النار على الفلسطينيين على رغم أن ضابطاً آخر كان في المكان حينها ولديه صلاحيات إلغاء أوامر هذا الضابط القاتل، ولكنه لم يتجاوب معه وأصر على إصدار أمر لجنود معه بإطلاق النار تجاه الفلسطينيين.
سهولة الضغط على الزناد
الجيش، وبعد التوجه إليه إثر ترقية هذا الضابط، من قبل وسائل إعلام اسرائيلية، لم يرد، وتبين أن الشرطة العسكرية لم تفتح تحقيقاً، حتى إنها لم تستدع هذا الضابط لاستجوابه، وتجاهلت شهادات الجنود والاحتجاجات التي أثارتها جريمة الاغتيال.
المحلل العسكري يانيف كوفوفيتش، الذي تابع الملف وكشف عن ترقية الضابط، قال إن الشهادات التي قدمها الجنود تعكس جريمة قتل تعسفي لسكان أبرياء يرفعون الراية البيضاء ولم يشكلوا خطراً على أي جندي، حتى إن صورهم لا تثير أية شكوك بأنهم مسلحون أو خطرون.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقعت الحادثة في ممر "نتساريم"، وكشفت شهادات الجنود الذين وُجدوا في المكان مدى سهولة الضغط على الزناد عندما يكون الهدف فلسطينياً، "بل إن الجيش يعتبر أي فلسطيني تم اغتياله هو مخرب حتى لو كان طفلاً"، يقول كوفوفيتش.
ونقل المحلل العسكري عن الجنود شهادات تشكل بحد ذاتها لوائح اتهام خطرة ضد الجيش الإسرائيلي في حربه على غزة، بينها ضد الضابط الذي تمت ترقيته وأطلق النار على الفلسطينيين.
والشهادات تعكس قوة غير محدودة منحتها القيادة للوحدات، ليس فقط في غزة وإنما بمختلف الجبهات المنتشرة في ما وراء الحدود في لبنان وسوريا. وتبين أن ضباط الفرق منحوا صلاحيات واسعة وأكبر مما في السابق. مثلاً يضيف أحد الضباط في شهادته "قبل الحرب كانت مصادقة رئيس الأركان على القصف من الجو أو ضرب المباني المتعددة الطبقات مطلوبة، اليوم هذا القرار في يد من يقودونهم أو من يقوده هؤلاء القادة". ويتابع "في غزة الآن قائد الكتيبة يمكنه الأمر بالمهاجمة بمسيرة، وقائد الفرقة يمكنه أن يتخذ قراراً باحتلال مدينة. أحياناً يقول قادة وجنود إن قوة الجيش الإسرائيلي تتصرف مثل ميليشيات مستقلة ومسلحة، من دون قوانين، في الأقل ليس مثل القوانين المكتوبة في أوامر الجيش الإسرائيلي".
لا شيء اسمه راية بيضاء
بحسب ما تبين، فإن الضابط الذي تلقى الترقية العسكرية كان يقف مع جنود وضباط من كتيبته في نقطة المراقبة، ويروي أحد الجنود الذي قدم شهادة بتفاصيل الحادثة وتجاهلته الشرطة العسكرية "شخصت الفرقة اثنين يذهبان نحو وادي غزة، في ممر (نتساريم)، وهو مكان يفترض ألا يوجد فيه أي شخص، ربما تاه الاثنان في الطريق". وأضاف "الجنود أطلقوا حوامة، وتبين أنهما يحملان راية بيضاء ويلوحان بها وأيديهما مرفوعة إلى أعلى، نائب قائد الكتيبة أعطى الأمر بإطلاق النار عليهما وقتلهما. أحد الضباط لفت الانتباه إلى رفعهما الراية البيضاء، لكن الضابط نائب قائد الكتيبة صمم على موقفه وقال: 'لا أعرف ما هي الراية البيضاء، يجب إطلاق النار من أجل القتل'، لكن الضابط الذي لفت إلى الراية البيضاء لم يتنازل، بل صرخ عبر جهاز الاتصال داعياً إلى عدم إطلاق النار عليهما ما دامت هويتاهما غير واضحتين، لكن أوامر نائب قائد الكتيبة نفذت وتم قتلهما".
"من دعموا موقف إطلاق النار من الجنود صرخوا بالضابط الذي دعا إلى عدم ارتكاب الجريمة: جبان، بينما وبّخه قادة الجيش بسبب اعتراضه على القتل"، قال الجندي.
أما الضابط الذي أمر بقتل الفلسطينيين البريئين، فقد تمت ترقيته بل وأشادت القيادة بعمله.
في عدد غير قليل من القصص يتم ذكر الخطوط الوهمية نفسها في شمال ممر "نتساريم" وجنوبه، التي يحظر اجتيازها، وعقوبة هذا الاجتياز هي إطلاق النار من أجل القتل. هكذا قال أحد الجنود الذين شاركوا في مكامن الجيش الإسرائيلي على طول الممر، مشيراً إلى أنه أيضاً لم يكن واضحاً له ولرفاقه دائماً أين هي حدود القطاع، "من يقترب من الخط في تلك اللحظة يعتبر شخصاً يشكل تهديداً، ولا حاجة حتى لطلب المصادقة على إطلاق النار عليه".
في شهادته يشير الجندي إلى حادثة أخرى بممر "نتساريم" راح ضحيتها مسن وطفلان، يقول "أطلق الطاقم حوامة، وفي الصور ظهر عجوز ومعه طفلان يجتازون الخط المحظور اجتيازه. لقد ساروا قليلاً على الممر من دون سلاح أو أي شيء، يبدو أنهم كانوا يبحثون عن شيء ما. كنا نتابعهم بالحوامة ونوجه البنادق نحوهم بينما لا يمكنهم فعل أي شيء، فجأة سمعنا صوت انفجار كبير، وتبين أن طائرة مروحية أطلقت عليهم صاروخاً وقتلتهم. من يعتقد أنه من المشروع إطلاق صاروخ على أطفال بواسطة مروحية؟ هذا حقاً شر لا يمكن تحمله".
معضلة أخلاقية بحسب الشهادات
تشير شهادات الجنود إلى أنه في أكثر من مرة كانت الفوضى تسود عمل القادة والجنود في الفرق العسكرية مما يضعها أمام معضلة أخلاقية صعبة، بحسب ما قال جندي بالفرقة 252 في شهادته، مضيفاً "كل من يمر على الجسر ويدخل إلى منطقة (نيتساريم) التي أطلق فيها الضابط الذي حصل على ترقية النيران، يتلقى رصاصة في رأسه".
وروى أنه "ذات مرة لاحظ الذين كانوا في الحراسة شخصاً يقترب من جهة الجنوب. نحن قفزنا وكأن هذا اقتحام لعشرات المخربين، صعدنا إلى المواقع وببساطة مزقناهم. أنا أتحدث عن عشرات الرصاصات وربما أكثر، خلال دقيقة أو دقيقتين أطلقنا النار على الجثة وضحكنا، ثم تابعنا إطلاق النار. ولم ينته الحدث هنا بل توجهنا نحو الجثة المليئة بالدماء، وقمنا بتصويرها وأخذنا الهاتف، كانت لشاب لا يتجاوز 16 سنة".
بحسب شهادة هذا الجندي، فقد جاء إلى المكان ضابط استخبارات وجمع المعلومات، وبعد بضع ساعات علم الجنود بأن هذا الفتى ليس من نشطاء "حماس"، بل مجرد طفل. في المساء جاء قائد الكتيبة وقال "كل الاحترام لأننا قتلنا مخرباً، وقد صلى من أجل قتل 10 مخربين في الغد".
عندما أشار أحد ما إلى أنه لم يكن مسلحاً، أو يبدو أنه مجرد مدني وما كان يجب قتله، صرخ الجميع فيه وقال له قائد الكتيبة "بالنسبة إليّ، كل من يجتاز الخط هو مخرب، لا يوجد تهاون، لا يوجد مدنيون، الجميع مخربون".
يقول الجندي، الذي قدم شهادة ضد الضابط الذي قتل الفلسطينيين حاملي الأعلام البيضاء، إن قتلهما مع الأحداث السابقة أصابته بالصدمة الكبيرة، "هل من أجل ذلك تركت البيت وذهبت للنوم في بيت فيه فئران؟ هل من أجل إطلاق النار على أشخاص غير مسلحين؟".
10 من بين 200 كانوا مقاتلين
ترقية الضابط القاتل لم تأت صدفة، بل هي استمرار لسياسة اتبعها الجيش خلال حربه في غزة، وشرعن فيها قتل الأبرياء والمدنيين. في شهادة لضابط كبير في قيادة الفرقة 252 كشف أنه في أحد بيانات المتحدث بلسان الجيش، الذي قال فيه إن "قوات الفرقة قتلت أكثر من 200 مخرب، اتضح أن 10 فقط من بينهم معروفون كنشطاء في (حماس)، والبقية أبرياء". ويضيف "بصورة عامة، في كل الأحداث التي يوجد فيها قتلى يمكن التعرف إلى تفاصيلهم بحسب الإجراءات المتبعة والتعليمات التي حصل عليها الجيش، إذ إننا نقوم بتوثيق الجثة والتفاصيل إذا وجدناها عليها. بعد ذلك يجب إرسالها إلى الاستخبارات للتأكد من أن الأمر يتعلق بمخرب. عملياً، من بين الـ200 قتيل الذين أرسلوا للفحص، فقط 10 منهم تم التأكد من أنهم نشطاء معروفون في (حماس)، إنه لمزعج جداً نشر أن الجيش قتل مئات المخربين".
في حادثة أخرى، وفق شهادة جندي "أعلنوا في مكبر الصوت أن ثمة مخربين، صعدت إلى التلة وقمت بالحماية. دبابة توجهت نحوهم، كانوا أربعة غير مسلحين ويسيرون على الأقدام، لا يظهرون كمخربين. شخصناهم بواسطة الحوامة، ولكن الدبابة تقدمت نحوهم وبعد ذلك بدأ إطلاق النار. لقد أطلقوا عليهم مئات الرصاصات، ثلاثة قتلوا على الفور، الرابع بقى على قيد الحياة، بطريقة ما رفع يديه، لم يسمحوا له بالذهاب. بعض الجنود أخذوه غلى قفص ووضعوه قرب الموقع، خلعوا ملابسه وأبقوه هناك، جميع الجنود مروا من جانبه وبصقوا عليه، كان هذا مقرفاً"، قال الجندي في شهادته، مضيفاً "في النهاية جاء أحد المحققين وسأل الشاب أسئلة عدة في الوقت الذي كان يصوب فيه المسدس نحو رأسه. حقق معه بضع دقائق، وبعد ذلك أمر الضباط بإطلاق سراحه".
يشير هذا الجندي إلى أنه بعد يومين جاءت جرافة من الجيش ودفنت جثث الثلاثة تحت الرمال، "لا أعلم هل يتذكر أحد من أقاربهم أنهم هناك. الأمر الذي لا يعرفه الناس أن مثل هذه العمليات لا تقتل فقط العرب، بل تقتلنا نحن أيضاً، إذا قاموا باستدعائي مرة أخرى إلى غزة فلن أذهب".