ملخص
إضافة إلى كونها كارثة إنسانية من العيار الثقيل، ترتب الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة كلف بيئية باهظة ومدمرة قد تستمر آثارها لعشرات الأعوام المقبلة.
وسط الأنقاض المشبعة بالنيترات والفوسفات وثلاثي الكلور والإيثان والمعادن الثقيلة ومادة الأسبستوس المسببة للسرطانات، يعيش يزيد حسونة (13 سنة) وعائلته المكونة من 10 أشخاص في ما تبقى من منزلهم المدمر شمال غزة، الذي تحيط به مياه الصرف الصحي المتسربة والقمامة المتراكمة. وعلى رغم وجود آلاف الملوثات والأبخرة السامة التي تجعل الهواء من حولهم غير قابل للتنفس، فإنهم كما بقية سكان القطاع، أمام واقع مرير لا مفر منه. وفيما لا يكترث حسونة سوى لرغيف خبز نظيف يقيه وإخوته الموت جوعاً، يحذر باحثون من بريطانيا والولايات المتحدة وغانا وأوكرانيا والنمسا من أن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناجمة عن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ عام ونصف العام، ستتجاوز الانبعاثات السنوية لـ102 دولة، مما سيؤدي إلى تفاقم حال الطوارئ المناخية العالمية، إضافة إلى الخسائر الهائلة في صفوف المدنيين، فضلاً عن تدهور النظم البيئية وتلويث الموارد المائية وزعزعة قدرات عزل الكربون في التربة.
بصمة كربونية
وفقاً لدراسة بحثية لشبكة أبحاث العلوم الاجتماعية (SSRN) مقرها في نيويورك، نشرت قبل أيام، فإن الكلفة المناخية الطويلة المدى لتدمير غزة، وإزالة الأنقاض، وإعادة إعمار المنطقة، ستعادل 31 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، نحو 20 في المئة من هذه الكمية ناجمة عن ثاني أكسيد الكربون المنبعث خلال عمليات الاستطلاع والقصف الإسرائيلية، ووقود الدبابات والمركبات العسكرية الأخرى، إضافة إلى تصنيع وتفجير القنابل. وأوضحت الدراسة أن ما يقارب 30 في المئة من الغازات المسببة للاحتباس الحراري جاءت من الولايات المتحدة، التي أرسلت 50 ألف طن من الأسلحة والإمدادات العسكرية الأخرى إلى إسرائيل، معظمها على متن طائرات شحن وسفن من المخزونات في أوروبا. وبينت الدراسة أن وقود المخابئ والصواريخ التي تستخدمها "حماس" مسؤولة هي الأخرى عن نحو 3 آلاف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، الذي يعادل 0.2 في المئة فقط من إجمال انبعاثات الصراع المباشرة، في حين تم توليد 50 في المئة من هذه الانبعاثات من خلال توريد واستخدام الأسلحة والدبابات والذخائر الأخرى من قبل الجيش الإسرائيلي. وبحسب التقديرات، فإن أكبر كلفة مناخية للحرب الإسرائيلية ستظهر خلال عملية إعادة إعمار القطاع المدمر، إذ توقع باحثون أن يؤدي رفع أنقاض غزة وإعادة إعمار قرابة 436 ألف شقة سكنية، و700 مدرسة ومسجد ودائرة حكومية، وغيرها من المباني والبنى التحتية كالطرقات، إلى انبعاث نحو 29.4 مليون طن من الغازات الدفيئة، التي تعادل كمية انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي أطلقتها أفغانستان خلال عام 2023.
انبعاثات هائلة
وبحسب دراسة نشرها سلاح الجو الإسرائيلي للطائرات المقاتلة من طراز F-15I Ra'am وF-16I Sufa، بين أكتوبر (تشرين الأول) 2023 ومارس (آذار) 2024، استهلكت كل طلعة جوية بواسطة طائرة F-15I نحو 5500 ليتر من وقود JP-8 في الساعة، التي ينبعث منها 14.3 كيلوغرام من ثاني أكسيد الكربون لكل ليتر محترق. وأنتجت 6200 مهمة قتالية موثقة في أول 90 يوماً من الحرب، 476 ألف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون الذي يعادل الانبعاثات الوطنية لدولة الجبل الأسود (Montenegro) لعام 2022. كما أن الجسيمات الناتجة من تفجير 25 ألف طن من المتفجرات المنتشرة، خلال الفترة ذاتها، أخرجت 18 ألف طن من الهباء الجوي الكربوني الأسود، بما يتضمنه من طاقة احترارية كامنة (احتباس حراري) لمدة 20 عاماً، وهي أكبر بنحو 1500 مرة من ثاني أكسيد الكربون. وبينت الدراسة أن الفرق الإسرائيلية المدرعة التي تشغل دبابات ميركافا Merkava IV وتستهلك 3.8 ليتر في كل كيلومتر خلال العمليات القتالية، وناقلات الجنود المدرعة من نوع Namer، أنشأت نقاطاً ساخنة للانبعاثات المحلية. إذ إن تقدم اللواء 40 في الجيش الإسرائيلي عبر شمال غزة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 على مدى 23 يوماً فحسب، استهلك وحده 2.1 مليون ليتر من الديزل (السولار)، مما أدى إلى انبعاث 5670 طناً من ثاني أكسيد الكربون، أي ما يعادل الانبعاثات السنوية لـ1200 مركبة ركاب عادية. في الوقت ذاته، أدى الانهيار الهيكلي لـ62 في المئة من المباني في غزة إلى إطلاق 12 مليون طن من الكربون المدمج من عمليات إزالة الكربون من الخرسانة.
وأكد الباحث البيئي جورج كرزم في دراسة تحليلية حول "انبعاثات سلسلة التوريد المرتبطة بالحرب"، أن كل رحلة من قاعدة "دوفر أي أف بي" Dover AFB الأميركية إلى قاعدة نيفاتيم الجوية الإسرائيلية (في صحراء النقب) أحرقت 72 ألف ليتر من وقود Jet A، بإجمال 14.4 مليون لتر. حيث أسهم إجمال الانبعاثات الناتجة من الجسر الجوي العسكري الأميركي المكثف لإسرائيل خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب عبر 200 رحلة للطائرات من طراز "C-17 Globemaster III" بما في ذلك عمليات الاستخراج والتكرير والتشكيل العارض، بنحو 412 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون، متجاوزاً انبعاثات قطاع النقل في دولة مالطا لعام 2021.
حمل كيماوي
وفي يناير (كانون الثاني) 2025، كشفت دراسات تحليلات متخصصة، أن تلوث التربة في المناطق الزراعية شمال غزة بمادة الفوسفور الأبيض يتجاوز 1800 ملليغرام في كل كيلوغرام وهي أعلى بـ467 مرة من مستوى الفحص البيئي لوكالة حماية البيئة الأميركية. حيث قضى هذا الحمل الكيماوي على مجتمعات الفطريات الجذرية المسؤولة عن احتجاز 70 في المئة من الكربون العضوي في التربة. كما أدى فقدان 125 ألف مليون متر مربع من الأراضي الصالحة للزراعة إلى القضاء على قدرة حوض كربون تعادل احتجاز 225 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، التي تعادل إزالة 155 كيلومتراً مربعاً من الغابات المعتدلة. ووفقاً لأحدث تقييم جغرافي مكاني أجرته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) ومركز الأمم المتحدة للأقمار الاصطناعية، فإن أقل من خمسة في المئة فقط من مساحة الأراضي الزراعية في قطاع غزة لا تزال متاحة للزراعة، مما يزيد تدهور القدرة على إنتاج الغذاء ويفاقم خطر المجاعة. ومع حلول الربع الثالث من عام 2024 وثقت تحليلات الأقمار الاصطناعية متعددة الأطياف انخفاضاً بنسبة 92 في المئة في قيم "مؤشر الفرق النباتي المعياري" (NDVI) عبر الأراضي الزراعية الشرقية في قطاع غزة، وأدى تدمير الغطاء النباتي في قطاع غزة إلى انهيارات غذائية جسيمة، حيث انخفضت أعداد طائر الحجل المرقط الذي يعد موزعاً رئيساً لبذور النباتات المقاومة للجفاف بنسبة 78 في المئة، إضافة إلى انهيار مجتمعات الملقحات كانخفاض مستعمرات النحل بنسبة 92 في المئة، وهو ما يهدد قدرات تجديد المسطحات الطبيعية الجافة في المنطقة الضرورية للتكيف مع تغير المناخ. إلى جانب ذلك، بينت أجهزة استشعار الأقمار الاصطناعية TROPOMI أن التحلل اللاهوائي للمواد العضوية من 11 ألف رأس من الماشية المدفونة و4300 طن من المخزونات الغذائية تحت أكوام الأنقاض في غزة، التي يتجاوز عمقها ستة أمتار، ينتج منها أعمدة غاز الميثان (CH4). وفي ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، أظهرت الأرقام وصول قياسات التدفق إلى 1892 كيلوغراماً من غاز الميثان في الساعة التي تعادل 47300 طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون يومياً. وهو ما يمثل 0.6 في المئة من انبعاثات الميثان العالمية من مكبات النفايات، على رغم تغطيته 0.02 في المئة فقط من مساحة اليابسة على الأرض. وأدت التأثيرات عالية السرعة لقنابل GBU-28 الخارقة للتحصينات (التي تخترق ستة أمتار من الخرسانة) إلى نقل 840 طناً من الجسيمات إلى التروبوسفير العلوي والستراتوسفير (أول طبقتين في الغلاف الجوي). وتظهر بيانات CALIPSO lidar أن 22 في المئة من الجسيمات وصلت إلى ارتفاع 14 كيلومتراً، مما قد يؤثر في تشكيل سحب السيروس (غيوم قصيرة على ارتفاعات عالية جداً).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تكلفة مناخية
على رغم أن الجيش الإسرائيلي، لم يبلغ عن أرقام الانبعاثات العسكرية لهيئة الأمم المتحدة للمناخ قط، قدر باحثون في شبكة أبحاث العلوم الاجتماعية (SSRN) في أحدث دراسة أن الكلفة المناخية طويلة الأمد للتدمير العسكري الإسرائيلي في غزة إلى جانب الاشتباكات العسكرية الأخيرة مع اليمن وإيران ولبنان، تعادل شحن 2.6 مليار هاتف ذكي أو تشغيل 84 محطة طاقة تعمل بالغاز لمدة عام. ووفق دراسة سابقة أعدها الأكاديميان كوري شير من مركز الدراسات العليا في جامعة مدينة نيويورك، وجامون فان دين هوك من جامعة ولاية أوريغون، فإن 59.8 في المئة من المباني في قطاع غزة تضررت أو دمرت منذ بداية الحرب. وبحسب التقديرات، بلغ حجم الحطام الناتج من حرب غزة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ما يعادل 17 ضعف إجمال حطام جميع الحروب بين إسرائيل وقطاع غزة منذ عام 2008. وفيما لم يضع المجتمع الدولي أي خطة تتعلق بإعادة إعمار غزة، تشير التقديرات الرسمية الفلسطينية إلى أن حجم الركام في مختلف مناطق القطاع يبلغ نحو 50 مليون طن، وأن كلفته تقدر بمليارات الدولارات، ويحتاج إلى جهود استثنائية لإزالته. وأكدت بيانات صادرة عن منظمات دولية أن حجم الحطام في القطاع خلال العام الماضي وحده بلغ نحو 51 مليون طن، وقد تستغرق عملية إزالة جميع الأنقاض نحو 21 عاماً. وبحسب التقديرات الأممية، يوجد الآن أكثر من 107 كيلوغرامات من الركام لكل متر مربع في قطاع غزة. في حين أشار خبراء إلى أن تدمير البنية التحتية في قطاع غزة تسبب في زيادة البياض albedo (أي نسبة ضوء الشمس المنعكسة عن السطح) الناتج من الحطام الحضري، الذي أدى إلى انعكاس مزيد من الإشعاع الشمسي وانخفاض درجات حرارة السطح. وتسببت قلة التدرج الحراري بين سطح الأرض والغلاف الجوي بإضعاف الأحمال الجوية الضرورية لتكوين السحب وهطول الأمطار، خصوصاً أن دراسات أشارت إلى أن منطقة البحر الأبيض المتوسط تشهد اتجاهاً ملحوظاً للاحترار، وارتفاع درجات الحرارة بمعدل أسرع من المتوسط العالمي، وهو مرتبط بزيادة الجفاف وانخفاض هطول الأمطار. وبحسب التوقعات الإقليمية، فإن تغير المناخ سيؤدي لتفاقم اتجاهات التصحر في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
بحر ملوث
ويحذر برنامج الأمم المتحدة للبيئة، من أن تدمير محطات معالجة مياه الصرف الصحي الثلاث في قطاع غزة و65 في المئة من خطوط أنابيب خلقت أزمة بيئية مستمرة، فالتصريف اليومي لـ130 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي غير المعالجة في مياه البحر تسبب بأضرار جسيمة للنباتات والثدييات البحرية وأسفر عن مناطق بحرية ميتة وبؤر ساخنة لانبعاثات غاز الميثان، وأدى نقص الأوكسجين الممتد لمسافة 17 كيلومتراً قبالة الشاطئ، إلى القضاء على 94 في المئة من مروج الأعشاب البحرية التي تعد بالوعة كربونية زرقاء مهمة تخزن 4.2 كيلوغرام من ثاني أكسيد الكربون لكل متر مربع سنوياً. كما أن التلوث المتزامن للمياه الجوفية من بقايا الذخائر خصوصاً الناتجة من الوقود الدافع الصاروخي "البركلورات" بتركيزات تصل إلى 86 ملليغراماً لكل ليتر، جعل القسم الجنوبي من طبقة المياه الجوفية الساحلية، غير صالح للشرب، مما تطلب مشاريع تحلية المياه كثيفة الاستهلاك للطاقة، ينبعث منها 48 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً. ووفقاً للباحثة في الهندسة البيئية والكيماوية، إسلام الهبيل، فإن "الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ضربت بعرض الحائط كل الاتفاقات والمعاهدات الدولية التي تعمل عليها دول عظمى منذ عقود للتخفيف من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والانبعاثات الحرارية سنوياً وتبني مصادر الطاقة المتجددة". وأضافت أن "الضرر المناخي للحرب لن يقتصر على الفلسطينيين وحدهم بل ترك آثاراً عميقة تنذر بكوارث بيئة طويلة الأمد ستؤثر في المنطقة بأسرها".
يذكر أن إسرائيل قدمت في أبريل (نيسان) الماضي تقريراً إلى الأمم المتحدة اعترفت فيه بأنها لن تتمكن من تحقيق أهدافها المناخية، من خفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري سوى بنسبة 19 في المئة فقط بحلول عام 2030، مقارنة بالتزامها الرسمي البالغ 27 في المئة، على رغم كون هذه الأهداف أقل بكثير من التزامات معظم دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). وتحدد الأهداف الدولية استناداً إلى توصيات علمية تدعو إلى خفض الانبعاثات العالمية إلى النصف بحلول عام 2030، وتحقيق صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050، لتفادي تداعيات الاحتباس الحراري الكارثية.