ملخص
عاش الروائي التونسي حسونة المصباحي الراحل عن 75 عاماً الأربعاء الماضي، كما أراد، حراً إلى أبعد حد، متنقلاً بين جغرافيات عديدة ومتباعدة، ضابطاً المسافة بينه وبين السلطة والأيديولوجيا، منتقداً على الدوام كل خطاب رجعي، رافضاً كل فكرة ضيقة وكل إطار يحد حرية الكائن، خصوصاً حين يكون هذا الكائن غارساً قدميه في أرض الثقافة والفكر والإبداع.
تناول حسونة المصباحي في معظم أعماله تحولات الحياة العامة في تونس، وتوقف عند التوترات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد. انتقد المحاكمات السياسية والحيف الاجتماعي والاقتصادي الذي طاول فئة عريضة من الشعب، وكانت أعماله بمثابة قراءة للراهن التونسي وتأمل في الإرث الثقافي والاجتماعي لبلد عرف كثيراً من التقلبات، وانتقل من مناطق التحرر والانفتاح إلى سياقات مختلفة، بدت للكاتب الراحل أنها تعبير عن تقهقر فكري وحضاري.
في سبيل الأدب تخلى المصباحي، عن وظيفته في تونس، واختار أن يسيح في مشارق الأرض ومغاربها، باحثاً عن السعادة كما عبر عن ذلك أحد عناوين كتبه "البحث عن السعادة". وانتبه الأديب المصري الراحل يوسف إدريس باكراً إلى موهبة الكاتب التونسي، وقال عنه: "يكفي أن تقرأ قصة واحدة لحسونة المصباحي لكي تعرف كيف يعيش الإنسان التونسي، وكيف يفكر، وما حكاياته وأساطيره الخاصة، كما لو أنك عشت في تونس عشرات السنين"، فقد نقل الحياة التونسية بكامل مفارقاتها إلى الأدب، منحازاً إلى الهامشي والمنسي والجزئي المهمل. قال عن هذه التجربة: "حرصت منذ البداية على أن تكون قصصي ورواياتي نابعة من القرية الصغيرة التي ولدت ونشأت فيها، ومن واقع بلادي وتاريخها القديم والحديث".
لم يكن انتصاره للريف انتصاراً أدبياً فحسب، من خلال ما كتبه عنه في أعماله القصصية والروائية. بل إن هذا الانتصار الجغرافي والثقافي ترجمه الكاتب الراحل إلى الواقع، إذ عاد للإقامة في بلدته الريفية "الذهيبات" الواقعة بضواحي مدينة العلاء التابعة لمحافظة القيروان، بعد سنوات طويلة من الإقامة في بلدان المهجر.
الكاتب المتعدد
ألف المصباحي في الرواية والقصة والنقد والترجمة، وواظب على كتابات مقالات تهم الحياة الثقافية والاجتماعية. من بين رواياته "هلوسات ترشيش"، و"نوارة الدفلى"، و"حكاية تونسية"، و"رماد الحياة"، و"يتيم الدهر"، و"محن تونسية"، و"لا نسبح في النهر مرتين"، و"على أرصفة الشتات". ومن بين أعماله القصصية: "حكاية جنون ابنة عمي هنية"، و"ليلة الغرباء"، و"السلحفاة"، و"الأميرة الزرقاء"، و"ليلة الغرباء". أما أثره النقدي فتجلى في دراسات عدة من بينها: "إشراقات الثقافة العربية"، و"أنوار الثقافة العربية"، و"تجليات بورخيس". فضلاً عن كتبه في الأدب الجغرافي مثل "الرحلة المغربية"، و"رحلة في زمن بورقيبة"، و"أيام في إسطنبول"، و"أنوار جرمانية".
كان المصباحي صديقاً كبيراً للمثقفين المغاربة، واسماً حاضراً على الدوام في الحياة الثقافية المغربية، وقد أفرد كتاباً سردياً مهماً عن المغرب سماه "الرحلة المغربية". كما كان المغرب حاضراً في عدد من أعماله الروائية مثل "الآخرون"، و"أشواك وياسمين"، و"وداعا روزالي"، فضلاً عما كتبه من مقالات عن هذا البلد تتناول منتوجه الفكري والأدبي وثقافته وعاداته وتراثه وعلاقته به وبأهله. وكان ضيفاً دائماً على منتدى أصيلة الدولي، وصديقاً مقرباً لمؤسسه محمد بنعيسى الذي غادر عالمنا في الفترة الأخيرة. واللافت أن المؤسسات الثقافية المغربية كانت سباقة إلى نشر بيان نعي حسونة المصباحي، من بينها اتحاد كتاب المغرب ومؤسسة منتدى أصيلة، التي سبق لها أن منحته جائزة محمد زفزاف للراوية عام 2016، هو الذي دأب على حضور عدد من دورات منتداها الدولي منذ الثمانينيات. وجاء في بيان النعي الذي نشرته مؤسسة منتدى أصيلة: "لقد كان الفقيد من أبرز الأصوات الأدبية في المشهد الثقافي التونسي والعربي، إذ نسج عبر أعماله عوالم إنسانية عميقة، وصاغ رؤى واسعة حول الوجود والمجتمع والهوية. كما أسهم في مد الجسور بين الثقافات، ودافع عن الكلمة الحرة، وجعل من الأدب فضاء للتأمل والتمرد والتجديد".
وامتلأت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بكثير من التدوينات المؤثرة التي نشرها كتاب ومثقفون مغاربة، من أبرزهم الروائي والناقد أحمد المديني والباحث حسن طارق السفير السابق للمغرب لدى تونس والناقد والمترجم إبراهيم الخطيب والناقد شرف الدين ماجدولين والشاعر إدريس علوش والشاعر والإعلامي ياسين عدنان والناقد إدريس الخضراوي والناشر يوسف كرماح والشاعر محمد عابد وغيرهم.
مزاج المبدع
وفي تصريح خاص بـ"اندبندنت عربية" يقول الشاعر والمترجم التونسي آدم فتحي: "قلت أكثر من مرة، منذ ثمانينيات القرن الـ20، اِقرأ كتاباً واحداً لحسونة المصباحي، تصبح من قرائه الأوفياء. ولعل أبرز ما يلفتك في أعماله، التشبيك بين الواقع والخيال، ومزج المرارة واليأس بالسخرية والأمل، والانفتاح بالشخصية التونسية على العالم، فإذا الرواية صرخة استغاثة تتخللها دعابات ساخرة وتفضي إلى قهقهة عالية. كل ذلك في نسيج لغوي محكم يجمع بين المشافهة والكتابة، وتلك إحدى ميزاته، ومن خلال نصوص تقودك إلى أماكنه وحكاياته، وتشير إلى أشخاص حقيقيين، قد تنتبه من بينهم إلى معارفك، وخصوم الكاتب، في حياتكما اليومية، فإذا أنت تقرأ أعماله في ضوء سيرته وسيرتك. والحق أنه ليس من روائيي التخييل المجرد، إلا أنه كثير التمرد على شروط الميثاق السير ذاتي، لذلك حول حياته إلى تجربة أدبية".
يضيف صاحب "سبعة أقمار لحارسة القلعة" متحدثاً عن مزاج الكاتب الراحل: "والحق أن التعلق بحسونة المصباحي كروائي أسهل من صداقته، وتلك ميزة بعض الكتاب المتفردين، من ذوي الشخصيات التي لا تخلو من مزاج بركاني، التي لا تأمن أن تنفجر في وجهك لحظة بعد معانقتك. تدخل نصوص الروائي متى أردت، لتعيد كتابتها مع كل قراءة، وتحب فيها ما تحب وتنسى ما تنسى. أما الصديق فأنت لا تملك مفاتيحه، وعليك أن تقبله بمزاياه وعيوبه. لذلك صعب حتى على بعض أصدقاء حسونة، تحمل «طول» لسانه".
يقنعنا آدم فتحي أننا أمام "شخصية أدبية ويومية ترفض التكيف، وتفضل قلة الأب على أدب اللياقة والنفاق". لقد عاش، وفق فتحي، بصوت مرتفع، في الكتابة وفي الخصومات وفي الصداقات أيضاً. لسانه مثل قلمه مغزل عسل، شفرة حلاقة، ينبوع سخرية. يصدع برأيه كما يجاهر بخصوماته، لا يحذق ارتداء الأقنعة ولا علاقة له بفن المجاملات. طفل في ضحكاته وانفعالاته، سريع الانبساط، صاحب مجلس ونكتة، ذو قدرة عجيبة على مزج أقذع عبارة شعبية بمقتطف من بورخيس أو هلدرلين أو محمد شكري. وهذه صفات يصعب تحملها، يقول آدم فتحي، ويستطرد: "لكنها جعلته محبباً في نظر من انتبهوا إلى الطفل المتوهج فيه، صفات جعلته يخسر كثيرين. لكنها أتاحت له في المقابل تأسيس صداقات متينة، في مختلف بلاد العالم، استطاعت أن تصمد أمام الزمن".
يختم مترجم إميل سيوران كلمته على هذا النحو: "وإني لأراه يغادرنا اليوم إلى رحمة الله، بصخبه المعتاد، فلا أدري بم أفكر؟ كنا نعرف أن حسونة حاضر في المكان قبل أن نراه. من صوته، من دويه، من ضحكته المجلجلة، والآن ماذا نفعل؟ لا بأس، ليس بعيداً أن يسمع الأصدقاء هناك موكبه يقترب، فيهبون إليه، يسلمون عليه، يسألونه عن أخبارنا هذه الأيام. ولعلهم يأنسون به على قدر ما نفتقده، أما نحن فلنا قصصه، ورواياته، وترجماته، وبورتريهاته، والوحشة في غيابه".
الصدق والشجاعة
لا يعتبر الكاتب والمخرج المسرحي التونسي طاهر العجرودي أن رحيل حسونة المصباحي فقداناً لكاتب أو صحافي أو روائي فقط، بل هو غياب لصوت ظل يكتب الحياة كما عاشها: بلا ادعاء، ولا افتعال. يقول العجرودي في تصريح خاص بـ"اندبندنت عربية": "تجربة المصباحي لم تكن على الورق فحسب، بل كانت موزعة بين المدن واللقاءات والقراءات والخيبات، وبين تونس التي ظل وفياً لها في العمق، على رغم أسفاره التي قادته إلى عواصم عربية وغربية عديدة، كتبها، وعاش تفاصيلها، واختبر من خلالها معنى أن تكون كاتباً يحمل أسئلته معه أينما ذهب بكل الصخب و الضحك و الدموع الممكنة".
لم يكن حسونة مصباحي معزولاً في برجه، وفق طاهر العجرودي، بل "كان قريباً من الناس، ومن الكتاب والمبدعين الذين التقاهم في بيروت ودمشق والقاهرة وباريس وبرلين والدار البيضاء وطنجة، تلك المدن التي لم يمر بها مرور السائح، بل عاشها كأنها محطات شخصية في سيرته. وكان للمغرب الأقصى، تحديداً، مكانة خاصة في وجدانه، شكلت له ملاذاً ثقافياً وروحياً، وترك فيه صداقات وتجارب ظل يعتز بها".
وعن علاقته الشخصية به يقول مخرج مسرحية "تواتر" مستعيداً ذكرياته معه: "عرفته في أواسط التسعينيات: ضحوكاً، ثائراً، مختلفاً، ومحباً للحياة. حياته ذاتها، بتفاصيل ترحالها الدائم من مدينة لأخرى حاملاً معه البهجة والاكتشاف، كانت الكتابة همه الأعظم. ومع هذا الحضور الأدبي الطاغي، كان حسونة صاحب موقف صلب. قد نختلف أو نتفق مع مواقفه، لكن لا يمكن إلا أن ننبهر بشجاعته وصلابته في الدفاع عما يؤمن به".
يختم المسرحي والإعلامي التونسي حديثه بالإشارة إلى خصوصية تجربة المصباحي: "في كتاباته، كما في حياته، حافظ حسونة على صوته الخاص: نبرة صادقة، وأسلوب لا يتكلف، ونظرة نقدية لا تساوم. لم يكتب ليرضي، ولم يتخذ الكتابة وسيلة لتزيين الواقع، بل وسيلة لفهمه ومساءلته. كان يؤمن بأن الأدب الحقيقي يبدأ من الذات، من التجربة، من العيش الحقيقي، لا من الصنعة الباردة".
دفاع عن الحرية
أكد لنا الشاعر منصف المزغني أن المصباحي "عاش عاشقاً للأدب، ولفن السرد ، والترجمة عن الفرنسية، وقرر طوال حياته قراراً صعباً في بلاد تؤمن بأن الأدب هو هواية، وليس حرفة أو مصدر رزق موثوق، أو شغل كبقية الأشغال. لقد قرر أن يعيش من جهده، متوكئاً على قلمه الصحافي بعيداً من الراتب الشهري القار من وزارتي التربية أو الثقافة. وكان محباً لحريته، فهاجر لألمانيا منذ سنوات طويلة، وسعى عبر النشاط الصحافي إلى أن يؤمن معاشه من خلال الكتابة في مجلة (الدستور) التي كانت تصدر بلندن، كما كان صديقاً لمجلة (فكر وفن) الألمانية التي كانت تصدر (وربما اختفت إلى الأبد) وتعتني بمحاور فنية وأدبية عربية والمانية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يستعيد صاحب "قوس الرياح" ما كان يتسم به الراحل من صفات شخصية، وما ميز تجربته في الكتابة: "كان حسونة صديقاً للضحك والنكد معاً، وفي جوهره إنسان يحب دراما الحياة، والمغامرة الأدبية في الكتابة والنظر إلى الوجود، وكان صديق مهرجان (أصيلة) المغربية وأسهم بالتعريف بهذا المهرجان في زاويته الأدبية".
وشاءت له موهبة السرد أن يكون صوتاً واضح التفرد في تاريخ القصة القصيرة في تونس، فهو يكتبها من دون بهرج التقنيات المعقدة، ويسرد الوقائع كما لو أنه يحكي الحكاية، حتى أننا لا تكاد نعثر عند قراءته على الخيط الفاصل بين الشفوي والمكتوب. "هكذا كان حسونة يكتب، فيفرض محتواه الدرامي بالبساطة الواجبة، ولم تكن مثل هذه الكتابة سهلة كما قد يتصور بعضهم".
يرى الشاعر التونسي محمد العربي أن حسونة المصباحي "أنجز مهمته ككاتب ومثقف تونسي وعربي، خاض معاركه الثقافية والوجودية بشجاعة، لم يهادن، ولم يتملق. كان قلماً واضحاً، وصوتاً جريئاً في مواجهة القبح والممارسات الدنيئة. حتى في أحلك أوقاته، ظل وفياً للقراءة والكتابة، بحثاً عن سعادته الخاصة، وعن تلك المعرفة الحقيقية التي تبني الإنسان، حجراً فوق حجر، في وجه كل محاولات الهدم والزيف التي سعت إلى إلغائه وإقصائه".
يضيف صاحب "اختراع العالم" في تصريحه لنا بـ"اندبندنت عربية": "كان يدافع بغضب وسخط عن حق تونس في مشهد ثقافي حر وأصيل، وكلما أنهكته المشاريع الثقافية في البلاد، عاد ليكتب الطريق من قرية الذهيبات لمدينة حفوز: تلك المسافة التي كان يقطعها طفلاً صغيراً، خائفاً من الكلاب السائبة، ومن ظلال الأشجار التي تتحول في الظلمة إلى وحوش. هذه المسافة نحو الكلمات والقصص والمعرفة ظلت حاضرة في كل أعماله، في الرواية، والسيرة، والمذكرات. لم تتوقف تلك الطريق يوماً عن مناداته، على رغم أنه مشى في مدن العالم وشوارعه، كما مشى في كتب كثيرة. بقيت تلك الطريق، طريق الطفولة والخوف والاكتشاف، كأنها جرحه الأبدي".