ملخص
في مشهد يختصر جوهر "الدبلوماسية الصامتة" كان موسم الحج لعام 2024 نموذجاً عملياً لكيفية توظيف الشعائر الدينية في كسر الجمود السياسي بين خصمين إقليميين، كما حدث بين الرياض وطهران، فبعد قطيعة دبلوماسية دامت سبعة أعوام مهّد الاتفاق السعودي – الإيراني الذي وُقّع برعاية صينية في مارس (آذار) 2023 لاستئناف العلاقات، لكن أول اختبار ميداني لهذا التقارب لم يكن في قاعة مفاوضات، بل على أرض المشاعر المقدسة.
في زمن يتكاثر فيه الانقسام السياسي وتضيق فيه مساحات الحوار تتسع مكة لشعوب لا تجمعها طاولة مفاوضات تصطف فيها الشعوب من دول متباينة، بل متخاصمة، على طواف وسعي واحد، وحده الحج من بين جميع التجمّعات الكبرى على وجه الأرض يفرض إيقاعاً روحياً لا تُجاريه لغة التحالفات ولا تُناقضه سرديات الخصومة، إذ تُعلّق الخلافات قسراً ويخفت صوت الجغرافيا لتحل محله لغة المناسك وسكينة النية.
لكن خلف هذا المشهد الموحّد تُقرأ إشارات لا تغيب عن أعين المراقبين، فالتنسيق المحكم بين البعثات الرسمية ومستوى الجاهزية الأمنية، فضلاً عن حضور وفود رسمية رفيعة من دول لا يجمعها سوى موسم الحج، تكشف عن تفاعلات غير مرئية تُدار بهدوء وتحت مظلة الشعيرة، لكن بين الصفوف تمارس دبلوماسية صامتة بين الحجاج، يشارك الجميع في نشر ثقافتها، بل ممارستها قسراً أو عمداً، لتعكس شكلاً من أشكال الاتصال السياسي والدبلوماسي على مستويات مختلفة.
مفعول سياسي ناعم
يرى المتخصص السعودي في الشؤون الخارجية، عضو جمعية العلوم السياسية بجامعة كينغستون عزام الشدادي، أن موسم الحج وإن بدا في ظاهره فعلاً دينياً خالصاً، إلا أنه "يمتلك مفعولاً سياسياً ناعماً لا يقل أهمية عن أية أدوات دبلوماسية تقليدية"، مضيفاً في حديث إلى "اندبندنت عربية" أن "المناخ العام الذي يسود موسم الحج القائم على التجرد والتساوي والانصهار في هوية إيمانية واحدة، يُشكل فرصة نادرة للقاءات غير رسمية بين أطراف كانت بينها خصومات سياسية".
ويتابع الشدادي "كثيراً ما مثّلت مواسم الحج فضاءً غير معلن للحوار الخفي، فهناك مسؤولون يأتون لأداء الشعيرة، وآخرون يرافقون بعثات بلدانهم، لكنهم جميعاً يجدون أنفسهم في بيئة آمنة، تتيح لهم مساحة للتواصل بعيداً من أعين الإعلام ومقاعد التفاوض المتشنجة"، ويؤكد أن هذا الإطار "لا يُصنّف تواصلاً سياسياً معلناً، بل يُفهم ضمنياً كجزء من سلوك أخلاقي يتّسق مع قيم الحج نفسه، مما يُخفف من وطأة الحسابات الرسمية التي تُقيد التحرك في العادة".
تقاربات تمهيدية
ويشير الشدادي إلى أن التاريخ الحديث "شهد تقاربات تمهيدية جرت في مكة خلال مواسم الحج كالتواصل غير المباشر بين شخصيات من سوريا ولبنان أو حوارات جانبية بين ممثلين عن حركتَي ’فتح‘ و’حماس‘ الفلسطينيتين وحتى مشاركات محسوبة بين وفود عراقية وخليجية في ذروة التوتر السياسي"، لافتاً إلى أن "كل تلك المواقف لم تُعلن، لكنها لم تكن بلا أثر".
وبسؤاله عن إمكان أن يؤدي الحج دوراً أكثر وضوحاً في تهدئة الخلافات الإقليمية، يجيب الشدادي "من الوارد حال توافرت الإرادة السياسية، وأن يُترك المجال لهذا النوع من الدبلوماسية غير الصاخبة كي يُمارس بطريقته"، متابعاً قوله "ما يجعل الحج إطاراً فريداً هو غياب الطابع الرسمي عنه، وكونه محاطاً بروحانية تُسقط كثيراً من الاعتبارات البروتوكولية، فضلاً عن المساحات التنظيمية في موسم الحج التي تمنح الحجاج شرعية الصمت".
وأردف المتخصص السعودي قائلاً "لا يُنتظر من الحج أن يحلّ الأزمات لكنه قد يُعيد ترتيب المشهد النفسي، ويمنح العلاقات المتصلبة بداية جديدة لا تُكتب في قمم السياسة، بل تبدأ أحياناً من مصافحة في بهو فندق أو لقاء عابر بعد المناسك هناك، في أطهر بقاع الأرض، قد يبدأ سلام لا تصيغه البيانات، بل تمهّد له المناسك".
الدبلوماسية في الحج
في دراسة أكاديمية حديثة نشرتها مجلة (Journal of Global Social Sciences) في ديسمبر (كانون الأول) 2023 وحملت عنوان "الدبلوماسية في الحج والعلاقات الاقتصادية بين نيجيريا والسعودية (2012-2022)" يُحلل الباحثان تشوبادو بابي تيجاني وحكيم أوناباجو كيف تحوّلت مناسك الحج إلى منصة دبلوماسية بين الرياض وأبوجا، تتجاوز بُعدها الروحي إلى بعد اقتصادي بحت.
وأشارت الدراسة إلى أن نيجيريا، على رغم حجمها السكاني الإسلامي الهائل لم تستثمر بعدُ بما يكفي في تعزيز شراكاتها الاقتصادية مع السعودية من بوابة الحج، وهو ما يفتح الباب لإعادة النظر في مفهوم "الحج كأداة إستراتيجية ناعمة".
وتأخذ هذه الفكرة بعداً أوسع في مقال نشره مركز (USC) للدبلوماسية العامة في يناير (كانون الثاني) 2023 تحت عنوان "الرحلة المقدسة القوة الناعمة التي لا تُقهر للسعودية وأعباؤها"، إذ يُشير الكاتب رايان اليوسفي إلى أن موسم الحج لم يعد مجرد عبادة، بل تحوّل إلى رمز من رموز الدبلوماسية الثقافية التي تمنح السعودية موقعاً أخلاقياً ومعنوياً فريداً في العالم الإسلامي، إذ تُترجم قدرة السعودية على تنظيم هذا الحدث السنوي إلى "رصيد ناعم" يعزز مكانتها، ويجعل من الحرمين الشريفين محور توازن بين هوية دينية عريقة، وانفتاح سياسي تفرضه الجغرافيا الحديثة.
تذويب التصنيفات السياسية
وفي إطار قراءة الحج كأداة دبلوماسية ناعمة يرى الباحث والمستشار السياسي، باسل الحاج جاسم، أن موسم الحج يُمثل "أحد أرقى أشكال الدبلوماسية الصامتة، لأنه يجمع المسلمين من دول شديدة التباين على أرضية روحية مشتركة، حيث تغيب الخطابات السياسية، ويُترك المجال لتلاقي العابرين من دون توتر".
وأضاف جاسم أن "وجود هذا الخليط البشري والدولي، تحت مظلة واحدة لا يعني بالضرورة إنتاج اتفاقات أو تفاهمات مباشرة، لكنه يخلق مناخاً طبيعياً لكسر الجليد، ويمهّد لخطوط تواصل خلفية قد تُستثمر لاحقاً في التهدئة، أو في الأقل في إعادة ضبط لهجة الخلاف".
وأشار الباحث السياسي إلى أن مناسبات من هذا النوع "شهدت بالفعل توظيفاً سياسياً هادئاً"، مستشهداً بعدد من اللقاءات السعودية – الإيرانية التي عُقدت على هامش موسم الحج في فترات توتر "حين وفّرت الأجواء الدينية بيئة آمنة للحوار غير الرسمي، بعيداً من ضغوط الإعلام والتصعيد السياسي".
وتابع جاسم حديثه قائلاً "في الحج تذوب التصنيفات السياسية أمام وحدة الشعائر، وتجد الأفراد من دول متنازعة يتعاملون بود واحترام، مما يعكس بوضوح أن الخلافات في الغالب تُدار من فوق، لا من الشعوب ذاتها، فالإحرام، بمظهره الموحّد، يُجرّد الإنسان من طبقات التمايز، ليبقى الفرد متساوياً في الهيئة والنية والمكان، وهذه بحد ذاتها رسالة رمزية بالغة القوة في كسر الحواجز النفسية والسياسية".
تهذيب النزاعات
وفي قلب هذا المشهد الروحي لا تغيب التوترات الإقليمية، لكنها تنكفئ موقتاً في موسم الحج كما جاء في دراسة صادرة عن مركز "بيغن - السادات" للدراسات الإستراتيجية في أغسطس (آب) 2017 بعنوان "الحج والصراع على الهيمنة الإسلامية" يتناول الباحث مردخاي كيدار الحج كأرضية رمزية للتنافس بين قوى إسلامية كبرى، وعلى رأسها السعودية وإيران إلا أن الباحث يلاحظ أنه خلال أداء المناسك، تنسحب حدة هذا التنافس من المشهد، ليفسح المجال أمام لغة التسامح والانضباط التي تفرضها قدسية المكان، وسنن الشعيرة الجامعة.
بدوره، يذهب المحلل السياسي الكويتي عايد المناع إلى أن موسم الحج بما يتيحه من تلاقي ملايين المسلمين من مختلف القارات واللغات والثقافات يشكّل من دون مبالغة أحد أنقى صور التعايش البشري والدبلوماسية الأخلاقية غير المعلنة، مشيراً إلى أن "هذا التجمع السنوي الهائل يُذيب الحواجز النفسية، وينزع من الإنسان كل ما قد يُقيّده من انتماءات سياسية أو عصبيات قومية، ليبقى أمام نفسه والآخر كإنسان مجرد، موحد في المقصد واللباس والدعاء".
ويؤكد المناع أن هذا التجرد الإنساني لا يمر من دون أثر حتى على مستوى العلاقات بين الدول، إذ يُهيئ الأجواء لتجاوز ما تعجز عنه اللقاءات الرسمية، قائلاً "ليس سرّاً أن كثيراً من الوفود التي تكون على خلاف سياسي تلتقي خلال الحج بصيغ غير مباشرة، وتُتاح لها مساحة للتعامل بعيداً من الضغط الإعلامي أو التصعيد".
ونوه المحلل السياسي الكويتي بأن "البُعد الإنساني في مكة والمدينة لا يُصاغ فقط على مستوى الدول بل يُلمس حتى في سلوك الناس البسطاء، في الأسواق والخدمات، حيث تتسابق الأيادي لمساعدة الحجاج، خصوصاً من لا يجيدون اللغة أو يعانون ظروفاً صعبة"، لافتاً إلى أن "الإحساس الجمعي بقدسية المكان، وسخاء الدولة في تسخير التكنولوجيا والخدمات الطبية، يبعث برسالة صامتة مفادها أن هذه البلاد تتعامل مع الحج بوصفه أمانة ومسؤولية كبرى".
وأوضح المناع أنه "بين صفوف الحجاج قد تبدأ مقدمات حوارات لم يكن ممكناً لها أن تبدأ في العلن، وتلك إحدى وظائف الحج غير المعلنة لكنها الأعمق".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كسر الجمود السياسي
وفي مشهد يختصر جوهر "الدبلوماسية الصامتة" يبرز موسم الحج لعام 2024 بوصفه نموذجاً عملياً لكيفية توظيف الشعائر الدينية في كسر الجمود السياسي بين خصمين إقليميين، كما حدث بين الرياض وطهران، فبعد قطيعة دبلوماسية دامت سبعة أعوام مهّد الاتفاق السعودي - الإيراني الذي وُقّع برعاية صينية في مارس (آذار) 2023 لاستئناف العلاقات، لكن أول اختبار ميداني لهذا التقارب لم يكن في قاعة مفاوضات، بل على أرض المشاعر المقدسة.
وشارك أكثر من 86 ألف حاج إيراني في حج العام الماضي وفق ما ذكرته وكالة الأنباء الإيرانية "إرنا" في ظل تنسيق مباشر وهادئ بين بعثة الحج الإيرانية والسلطات السعودية، مما لم يكن ممكناً لولا توفر مناخ سياسي أقل توتراً، إذ وصف السفير الإيراني في الرياض علي رضا عنايتي موسم الحج بأنه "فرصة لتعزيز العلاقات الإسلامية بين الشعوب"، مشدداً على أن الجانب الروحي من المناسك لا يمنع أن تكون منصة لتقارب الدول حين تتوافر الإرادة وتغيب الشعارات.