Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحجاج في مكة... "آخرون" على طريقة لفيناس أم سارتر؟

ضيوف المكيين جربوا "السكن التشاركي" قبل عصر "إير بي إن بي" وأخواتها... فهل يعودون سيرتهم الأولى؟

على الرغم من فترة الجائحة التي أخّرت تطبيق السياسات المتعلقة بالحج والعمرة، إلا أن السعودية مصممة على تمكين الحجاج من تجربة إيمانية تحوّلية (أ ف ب) 

يقود السعوديون تجربتهم بهدوء هذه المرة، لا أحد يفهم ما يجري سوى قلة من أهل مكة، المدينة التي يفد إليها قبل كورونا عشرات الملايين من الحجاج والمعتمرين سنوياً. إنه أوان تطبيق الجانب المتعلق بـ"الحرمين" من "رؤية السعودية 2030" بعد أن أخرّته الجائحة أعواماً لكنها لم تلغِه.

قد يظن بعض السعوديين في الأمر مبالغة، لكن دعونا نلقي نظرة على تصريحات وزير الحج الجديد توفيق الربيعة، الذي اشتهر بشخصيته الودودة بين مواطنيه والحازمة كذلك في تنفيذ السياسات في الميدان، وطبّقها بشكل استثنائي في وزارتين من قبل، هما التجارة، والصحة في أحرج مواقيتها إبان حقبة "كوفيد" المستعصية.

يقول الربيعة "القنوات المتعارف عليها سابقاً لقدوم المعتمرين من خارج السعودية تكون عن طريق وكلاء السياحة، أما الآن فقد أطلقت الوزارة خدمة إلكترونية للتقديم على العمرة وتسهيل أدائها، إذ يستطيع الشخص التقديم إلكترونياً والحصول على تأشيرة العمرة مباشرة، واختيار كل التفاصيل إلكترونياً كالسكن والتنقل وغيرها عند التوجه إلى مكة المكرمة". إضافة إلى ذلك، كشف الوزير عن تحول آخر، أن التأشيرة ستكون "لمدة 3 أشهر من دون قيود على المعتمرين، إذ بإمكان الشخص الآتي للعمرة التنقل بين مناطق السعودية من دون قيود".

مرت التصريحات كأنها أمر اعتيادي، حتى إنها لم تحظَ بهالة نشرات الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي، إلا أنها على الأرجح عندما تصبح واقعاً بين بيوت السعوديين في مكة وجدة والطائف والرياض والعلا وعدد من المدن السعودية، ستحدث تلك الهالة بأثر رجعي.

على طريقة "أوبر"

أكثر من يستطيع استيعاب ذلك، هم المكيون والمدنيون الذين عاشوا عهداً قديماً، كان فيه المعتمرون والحجاج إلى المدينتين المقدستين عند المسلمين، يشاركون الزوار منازلهم، على طريقة تطبيقات "السكن التشاركي" اليوم في كل أقطار العالم، مثل "إير بي إن بي" و"أوبر" وأخواتهما، في عصر لم يكُن فيه هذا النهج شائعاً في أرجاء عدة من الكرة الأرضية.

من أولئك المطوف السعودي السيد سمير برقة الذي توارث مهنة "الطوافة" أباً عن جد، ويروي كيف أنه أدرك عهداً كانت فيه البيوت المكية أشبه بخليّة نحل ومنازل تتدثر بالبياض، ويختلط فيها السكان بزوار البيت الحرام. فقبل حلول الموسم، يبدأ المكيون يستعدون للوافدين الجدد، ليس من خلال استقبالهم بالأهازيج والأفراح، ولكن أيضاً بتهيئة منازلهم، إذ تقوم الأسر بتخصيص الجزء الأكبر من بيوتها للزائرين.

ومع أن الذي يدفع أكثر السكان إلى ذلك قلة الفنادق المخصصة لإيواء الزوار في ذلك العهد، إلا أنه "نتج منه تواصل ثقافي واجتماعي حميم، يتجاوز الحج إلى تبادل الزيارات بين أبناء مكة، خصوصاً المطوفين منهم وبين زوارهم من المعتمرين والحجيج في دولهم"، وفقاً لبرقة، الذي كان والده متخصصاً في خدمة الحجاج من تونس والمغرب والجزائر وبعض دول غرب أفريقيا مثل النيجر وبنين.

وإلى عهد قريب، كان شائعاً بين بعض أهالي مكة أن يخلوا منازلهم في أشهر الحج لتأجيرها للراغبين من الحجاج، فيما يذهبون هم إلى أقاربهم في الأحياء البعيدة من المنطقة المركزية، بل إن المستأجرين في تلك المناطق، من الشروط الأكيدة في عقودهم أن يقوموا بإخلاء الشقق في شهر ذي الحجة، ليقوم المالك بتأجيرها للحجيج. وكان آخر ما جرى، تطبيق ذلك في حي العزيزية الاستراتيجي في مكة المكرمة بوصفه يقع على مسافة قريبة تصلها طرق مشاة ونقل عام بين الحرم المكي والمشاعر المقدسة في منى ومزدلفة وعرفات.
 

و"المطوف" اسم شائع في السعودية والعالم الإسلامي يعنى به المتخصص في خدمة المعتمر والحاج، وأكثرهم توارثوا تلك المهنة "الطوافة" كابراً عن كابر. والآن جرى تطوير المهنة لتصبح تقدم عبر "شركات تضم اتحادات أولئك المطوفين". وجاء المصطلح على الأرجح من إرشاد الوافدين الجدد نحو المسجد الحرام إلى طريقة "الطواف" بالكعبة المشرفة وأداء مناسك العمرة، وهي مهنة ضمن وظائف مكية عدة كانت بطون قريش تقاسمتها قبل البعثة النبوية بعقود، قبل أن تتطور في عهد المماليك.

وتشير المطوفة سونيا مالكي إلى أن المصادر التاريخية تذكر أن "الطوافة أول ما ظهرت 1480م على يد القاضي إبراهيم بن ظهيرة حينما كُلّف تطويف السلطان قايتباي، أحد سلاطين الشراكسة، وظلت داخل قطاع القضاة فترة من الزمن، ثم انتقلت إلى الوجهاء والأعيان من أهالي مكة المكرمة"، إذ كان المطوفون يُسكنون  الحجاج في دورهم "ويقومون على رعايتهم وخدمتهم وتكلف زوجة وبنات المطوف ضيافتهم طوال فترة إقامتهم"، كما تقول مالكي.

موسم الهجرة من البيوت

ويذكر إمام أحد المساجد في مكة، يدعى محمد عثمان، أنه كان قبل أعوام يؤم مسجداً في منطقة الجميزة القريبة من المسجد الحرام، واتفقت إدارة المسجد من المحسنين وأهالي الحي على "أن يكون من الملزم إخلاء أوقاف المسجد بما فيها سكني الخاص والمؤذن وقت الحج، لتأجيرها للحجاج الأفراد الذين يدفعون في سبيل ذلك مبالغ كبيرة، لأنهم بالعشرات، ما يساعدنا على تغطية نفقات المسجد طوال العام".

لكنه لفت إلى أن تلك العادة أخذت تتراجع حتى اندثرت على نحو شبه كلّي، بعد أن صارت الوحدات الفندقية حول المنطقة المركزية في مكة والمدينة بأعداد كبيرة، خصوصاً بعد تنظيم الحج والعمرة على النحو السائد الآن بواسطة "شركات، أو حملات" تنهض بكل الأعباء نيابة عن الحاج والمعتمر، منذ تحركه من بلده إلى أن يودع السعودية عائداً من حيث أتى.

تنوع قد يثري التجربة

ذلك العهد ربما سيكون على وشك العودة، خصوصاً في جانبه الاجتماعي، إذ يرى رجل الأعمال السعودي فهد الوذيناني، المتخصص في الاستثمار بخدمة الحجاج في الداخل والخارج، أن "رؤية السعودية غيّرت وجه المجتمع الذي صار أكثر حيوية وانفتاحاً، ولذلك من بين المبادرات التي ستضيف كثيراً إلى تجربة الحجاج والمعتمرين، فتح المدن السعودية أبوابها أمامهم".

ولفت إلى أن الشخصية العربية مضيافة بطبعها، خصوصاً السعوديين، الذين عرفوا بشغفهم بالثقافات الأخرى، فهم ينتمون إلى بلد هو في ذاته متنوع جغرافياً وثقافياً وفكرياً وحتى تنموياً، فالأزياء والأشخاص والتجارب التي تعيشها في جدة والمناطق الحجازية، تختلف عن الأخرى التي ستعيشها في الجنوب حيث الباحة وعسير وجازان، أو الشمال في تبوك ونيوم وحائل، فضلاً عن المنطقتين الشرقية على ضفاف الخليج والوسطى بين الرمال والواحات والتضاريس الملهمة في فصل الشتاء والربيع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويناقش في هذا السياق الفيلسوف السعودي عبدالله المطيري، نظرية "الآخرية" في كتاب أصدره حديثاً، خلص فيه إلى أن النظر إلى الآخر فلسفياً، أخذ أنماطاً عدة، أبرزها تلك التي اشتهر بها الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر (1905-1980م) الذي يرى أن اللقاء بالآخر "محكوم بالصراع" وأن "الآخرين هم الجحيم"، على النقيض من مواطنه إيمانويل لفيناس (1906-1995م) الذي نظر إلى العلاقة بالآخر على العكس من ذلك، فيراها "أولوية وجودية قبل كل العلاقات اللاحقة بما فيها علاقة الذات بالوجود"، منتقداً الفلسفة الغربية في تعاملها مع الآخر من منظور اعتبره غير أخلاقي بوصفه يتعامل مع الآخر من منظور يوجب عليه "التضحية بآخريته" وخصوصيته.

"وجود من أجل الآخر"

لكن المطيري اعتبر أن مفهوم "الضيافة" عبر تطبيقاتها الشائعة بين مختلف الشعوب، تعطي الآخر مساحة أعلى مقاماً، فهي "شكل من أشكال الوجود من أجل الآخر، ما يعني أن اهتمام الإنسان يتحول أثناء الضيافة من رعايته لذاته إلى رعايته للآخر، والمتوقع من المضيف أن يصب تركيزه على حال ضيفه قبل أي شيء آخر"، لافتاً في معالجته نظرية "بهجة الضيافة" مقارنة بسابقاتها إلى أنها تحدث تحولاً جذرياً.

وفسر ذلك بأن أنماط الوجود المتمحورة حول الذات عادة "تدفع الإنسان إلى اتخاذ مواقف تتسق مع انحيازاته الذاتية وانتماءاته الاجتماعية التي ينخرط فيها... بينما الضيافة تغير كل ذلك"، فتجعل الضيف أولوية لتصبح "حماية الضيف من أي إزعاج أو مضايقة" تسبق أي مؤثرات أخرى قبلية أو دينية أو اجتماعية أو طبقية.

ومن هذا البعد، يرى برقة الذي أسقط هذه الفكرة على قاصدي الحرمين، أن أهل مكة منذ القدم اهتدوا إلى هذا المعنى فطرياً، فخلعوا على زائر البيت الحرام لقب "ضيف" ليكون في منزلة استثنائية، ضمنت له على مر العصور حتى في عهد الجاهلية نوعاً من الحماية والمكانة اللتين يفتقر إليهما أحياناً بعض الأقارب والسكان.

"الوزير المرافق"

وفي حديث مع المطوفة وفاء محضر، تشير إلى أن العلاقة مع الحاج في السابق كما الآن بالنسبة إلى السعوديين تتجاوز الضيافة المجردة إلى ما يشبه التبني، "ففي وقت مضى، لم يكُن الحاج يؤدي مناسكه في أيام ويغادر، بل يبقى في منازل المطوفين وأهل مكة نحو أربعة أشهر".

وفي الوقت الحالي، قالت إن هناك محاولات لاستعادة تلك التجربة من خلال مبادرة "المرافق" التطوعية، القائمة على تأهيل شباب من أهل مكة يقومون بمرافقة مجموعات من الحجيج منذ وصولهم إلى السعودية حتى مغادرتها، إمعاناً في العناية بالضيوف على طريقة نهج "الوزير المرافق" الذي كان تقليداً دبلوماسياً بين أشهر من وثّقه الراحل غازي القصيبي، وهو يروي تجربته في مرافقة زعماء دول زاروا بلاده وكان هو رفيقهم أثناء إقامتهم.

ومن ضمن برنامج المبادرة وفق الأكاديمية محضر من مطوفي حجاج الدول العربية "تنظيم زيارات ميدانية للنساء والرجال على حد سواء، للبيوت المكية يدخلونها ويشاركون أهلها طعامهم وتقاليدهم ولحظات أنسهم وأفراحهم، إلى جانب زيارة المتاحف والآثار المشهورة في مكة المكرمة".

وطبقاً للتحولات الجديدة في تنظيم سكن المعتمرين والحجاج، فإنه بوسع الوافدين من بعض الدول مثل أوروبا وأميركا الاختيار تلقائياً من البرامج التي يشاؤون، عبر منصة أنشأتها وزارة الحج، من السكن والضيافة والنقل، من دون واسطة حملة أو شركة متعهدة.

ويتوقع الوذيناني أن تكون الخطوة التالية مستقبلاً، تأهيل بعض تطبيقات "السكن التشاركي" لتوفر خياراً آخر للمعتمر والحاج، ليكون سائحاً مثل غيره من زوار السعودية، فيختار عبر إحدى التطبيقات المعتمدة على سبيل المثال، أن يقضي فترة ما بعد أيام الحج في مجلس أو ملحق أحد سكان مكة، أو المدينة أو حتى العلا، وأي مدينة شاء.

"من الفكرة إلى الذكرى"

وعندما تتصفح تطبيقاً مثل "إير بي إن بي"، يظهر عدد من المدن السعودية التي يعرض فيها السكان، أجزاء من منازلهم مهيأة لاستقبال الضيوف، وسط تنافس بين العارضين أيهم يقدم فكرة مغرية للفئة التي يستهدفها ويرغب استقبالها في منزله.

ويقول السيد برقة إنه يتذكر كيف كانت والدته تقوم بطبخ الطعام وأخواته مع نساء الحجيج، ويعيشون في منزلهم في منطقة الشامية (قرب الحرم) كأنهم أسرة واحدة، في جو تسوده الألفة والمحبة، فتربية السعوديين لأبنائهم منذ الطفولة في الديار المقدسة في ذلك الحين وحتى اليوم، تقضي بالنظر إلى الحجاج على أنهم "ضيوف الرحمن"، ويجب الإحسان إليهم، ليس فقط من أجل المنافع التي تأتي منهم ولكن "أولاً لوجه الله تعالى الذي لا تُعدّ ألطافه ولا جوائزه لمن أحسن وفادة ضيفه الذي لبى نداء نبيه إبراهيم عليه السلام، الذي أمره أن يؤذن في الناس بالحج، فأتوا "من كل فج عميق".

وتستهدف "رؤية السعودية 2030" في المرحلة المقبلة إحداث تحول في "تقديم تجربة روحانية لضيوف الرحمن من خلال تسهيل الإجراءات وتيسيرها لاستضافة مزيد من المعتمرين، وتهيئة مواقع التاريخ الإسلامي بشكل يضمن إثراء التجربة الدينية والثقافية للحجاج والمعتمرين".

وعلى الرغم من فترة الجائحة التي أخّرت تطبيق السياسات المتعلقة بالحج والعمرة، إلا أن السعودية لا تزال مصممة على "تمكين 30 مليون معتمر من تجربة إيمانية تحوّلية... من الفكرة إلى الذكرى" خلال بضع سنين.