ملخص
يقول أحد الطلبة المستقيلين لـ"إندبندنت عربية" "أمرني الآمر بشتم نفسي أمام الطلبة بعد أن رفضت شتمه لي، سكت لثوان، ضربني على ساقي وصرخ: هل تريد أن تصبح امرأة؟ بالعصا هشم مكاناً واحداً في ظهري لمدة أسبوع لأوافق شتمه لي ولوالدي وأجعله يشعر بالنشوة".
"منذ طفولتي، كنت أحلم بأن أكون ضابطاً في الجيش العراقي. تخيلت كثيراً نفسي أقف بثبات وأنا أرتدي البزة العسكرية. قدّمت إلى الكلية العسكرية الرابعة في الناصرية- جنوب العراق، ثلاث مرات متتالية ورُفضت، ونجحت في المرة الرابعة عام 2024، بعد أن اجتزت كل الاختبارات النفسية والجسدية بنجاح. قال لي أحد الضباط خلال المقابلة إنني أمتلك جميع مقومات الضابط من هيئة وثقافة ولباقة. فشعرت بأن الحلم اقترب من التحقق".
بدأ "سلام" (اسم مستعار للحفاظ على هوية المتحدثين وسلامتهم الشخصية) الدوام فعلياً لأسبوع واحد. بعدها خرج في إجازة قصيرة، إذ لا تمنح لهم سوى يوم واحد، وهناك وقعت الكارثة. تعرض في طريق العودة للكلية لحادثة سير مروّعة مع أربعة من زملائه، وكان الأشد إصابة بينهم، فتهشم وجهه من الجهة اليسرى، وانكسر عظم الترقوة، ونقل إلى المستشفى حيث خضع لعملية تجميلية وتجبير الكسر.
يقول سلام، "بينما كنت داخل غرفة العمليات، أرسلت الكلية العسكرية أشخاصاً بلباس مدني للتأكد من أنني لم أكن أدّعي الإصابة. ثم اتصلوا بوالدي وأبلغوه بأنني يجب أن أعود للكلية قبل الساعة الخامسة مساء، وإلا فلن يسمح لي بالدخول. أخبرهم والدي أنني ما زلت أنزف داخل غرفة العمليات. فطلبوا منه إرسال تقارير وصوراً طبية لإثبات الحالة، مما فعلناه. مُنحت إجازة ليومين فقط، ضمنها يوم العملية، واضطررت إلى العودة بخيوط وكسور ودماء جديدة لا تزال تخرج من جسدي".
وعلى رغم أنه لم يكُن يستطيع تحريك ذراعه المكسورة مطلقاً، وغير مسموح طبياً له بذلك، واصل التدريبات من دون اعتراض، ضاغطاً على الألم الذي لا يحتمل، وعُزل عن بقية الطلبة في غرفة منفردة لئلا يساعده أحد، فتدهورت حاله الصحية، ولم يُسمح له بأخذ دواء.
ويقول سلام "فقدت الكثير من وزني، واصفر وجهي حتى صار أشبه بمن خرج من مجاعة. ونفسياً، كنت محطماً. لم أعُد أشعر بأنني أنتمي إلى هذا المكان اللاإنساني. حين طلبت أن أحال إلى المستشفى العسكري للكشف عن الكسر الذي بدأ بالتدهور، رُفض طلبي. وفي النهاية، تحت ضغط نفسي شديد، أُجبرت على تقديم الاستقالة، على رغم أنني لم أكُن أريد الانسحاب".
وتابع "حين عدت لمنزلي، انفجرت بالبكاء. أخبرت عائلتي بأنني لم أرغب في الاستقالة وأن كل ما كنت أريده هو فرصة للتعافي، لا أكثر."
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تقاوم، ظاهرياً، الكليات العسكرية في العراق مشروع الممارسات العنيفة ضد الطلاب، متبنية حدود التدريب العسكري المشروع للقوانين العراقية والدولية. وتعلن تبرئتها من الشكاوى المعلنة ضد بعض الطقوس العنيفة التي لا تحمل سوى النتائج الكارثية، وكان آخرها وفاة اثنين من طلبة الكلية العسكرية الرابعة نتيجة للجفاف والبقاء تحت الشمس لساعات متواصلة وإصابة أكثر من 50.
وتظهر معطيات متقاطعة أن الكلية العسكرية الرابعة في محافظة ذي قار عانت نقصاً واضحاً في المستلزمات المطلوبة للتدريب العسكري، ووضع الطلبة تحت أشعة الشمس في اليوم الأول لهم بداعي اكتشاف طاقتهم البدنية، في حين أن ذلك يحصل بعد 45 يوماً من التأهيل النفسي والجسدي للحياة العسكرية الجديدة. فبدلاً من مراعاة الانتقال التدريجي من الحياة المدنية إلى بيئة الانضباط العسكري، وضع الطلبة تحت ضغط بدني ونفسي شديدين منذ اللحظات الأولى.
وأشار عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية إسكندر وتوت إلى أن رئيس الأكاديمية العسكرية الفريق الركن ناصر الغنام يتحمل المسؤولية المباشرة عن الحادثة التي أودت بحياة طالبين في الكلية، بعدما رفض الاستجابة لطلب آمر الكلية بسحب الطلبة من التدريبات على رغم ارتفاع درجات الحرارة، وأصدر أوامر بإبقائهم تحت الشمس لساعات أطول من المسموح مع عدم توافر المياه.
ما حصل كان جزءاً من نمط متكرر يعكس خللاً مؤسسياً ضمن بنية التدريب العسكري في العراق، حيث تعتمد أساليب قائمة على الانضباط القاسي من دون ضوابط إنسانية أو رقابة صحية.
تبليغات لا نفع لها
والتوجيهات الرسمية التي تمنع العنف والإساءة الجسدية أثناء التدريب العسكري سُمعت بأذن من طين، كترسيخ لمفهوم العنف القائم على إدارة البلاد الذي يبدأ من التأكيد على دعس رأس الطالب ببسطال الضابط والإكثار من الشتائم والسباب لصنع رجل الدولة.
وفي يوليو (تموز) عام 2024 وقبل شهر واحد فقط من وفاة الطالبين، أصدر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني توجيهاً رسمياً يُلزم وزارتي الدفاع والداخلية والأجهزة الأمنية منع العنف والإساءة الجسدية أثناء التدريبات داخل الكليات والمؤسسات التدريبية، مؤكداً على "حسن التعامل مع المتدربين" ومراقبة حالات المبالغة في تعامل الضباط.
والفجوة بين التوجيهات الرسمية والتطبيق الفعلي على أرض الواقع تكبر بزيادة عدد ضحايا بعض الضباط الذين يجدون في العنف والوحشية وسيلة لتمرير مفهوم الرجولة بتقدير القابلية أو قياس مستوى التحمل أكثر على أساس الإساءة المكثفة.
وأحد أوجه العنف النفسي غير القانوني يتمثل في منح الطلاب إجازة لأقل من 24 ساعة أسبوعياً، علماً أن الطلبة بغالبيتهم يقطنون في محافظات تبعد مئات الكيلومترات من الأكاديمية للذهاب والعودة. ويقول أحد الطلاب "في السابق كانت الإجازة يومي الخميس والجمعة، أما الآن فهي أقل من 24 ساعة، وعلى الطالب أن يسافر إلى محافظته، ويرى عائلته، ويعود للناصرية".
وليست هناك أرقام أو إحصاءات حول حالات الاستقالة أو الانسحاب من الكليات العسكرية في العراق سنوياً، وعدد الشكاوى الرسمية المقدمة ضد إدارات الكليات العسكرية أو ضد الضباط، وعدد الأطباء أو الكوادر الطبية المتاحة في كل كلية، ونسبة الطلبة إلى الطاقم الطبي، وعدد ساعات التدريب تحت ظروف مناخية قاسية مقارنة بالتعليمات الطبية أو العسكرية العالمية. كما أن ليست هناك أرقام حول كلفة تجهيز الطالب الواحد بالتجهيزات الرئيسة، وهل ما يتلقاه فعلياً يتطابق مع ما خُصص له مالياً أو لا.
كل شيء مبهم حول الحياة العسكرية في العراق، حيث يرفض المسؤولون التحدث، ويتجنبون الإجابات عن بعض الأسئلة، ويعبترونها محظورة وغير قابلة للنقاش. وحاولت معدة التحقيق ولأكثر من ثلاثة أسابيع الوصول إلى مسؤول أو رتبة عسكرية قيادية، من دون نتيجة. كما أن جميع التفاصيل محاطة بالسرية وممنوعة من الوصول إلى الرأي العام.
ما علمناه فقط هو تخصيص الحكومة العراقية موازنة قدرها 21.6 مليار دولار لوزارة الدفاع عام 2024، بتراجع طفيف عن العام الذي سبقه، إذ بلغت الموازنة 22 مليار دولار، ويصل عدد العاملين في وزارة الدفاع العراقية إلى 429 ألفاً و219 منتسباً.
التحقير وسيلة التدريب
يقول أحد الطلبة المستقيلين لـ"اندبندنت عربية"، "أمرني الآمر بشتم نفسي أمام الطلبة بعدما رفضت شتمه لي، سكت لثوانٍ، ضربني على ساقي وصرخ ’هل تريد أن تصبح امرأة؟‘ بالعصا هشم مكاناً واحداً في ظهري لأسبوع فقط لأوافق شتمه لي ولوالدي وأجعله يشعر بالنشوة". ولم يفهم الطالب يومها العلاقة بين الشتائم المهينة للنفس البشرية وأن يكون ضابطاً أو رجلاً في الساحة. فابتزوه، بحسب قوله، على رجولته بكلمات مثل "إذا لا تستطيع أن تكون رجلاً، فلا تبقى هنا، يمكنك تركه لمن هو أرجل منك، وما المشكلة في أن يشتمك وتشتم نفسك؟"، حتى وقّع الطالب على الاستقالة.
وكان النائب مصطفى سند صرّح سابقاً بأن بعض الجهات تعمد إلى إنهاك الطلاب بالتعرض المفرط للشمس والإجهاد الشديد، بغرض دفعهم إلى الاستقالة وإخلاء أماكنهم لأشخاص محسوبين على جهات نافذة، وأكد أن هذه الممارسات معروفة لكن يجري التغاضي عنها.
تعود جذور العنف في التدريب العسكري العراقي لفترات سابقة قام بالتأسيس لها صدام حسين. وكان التدريب يركز على الترهيب والطاعة العمياء، مع إهمال الجوانب النفسية والإنسانية للطلاب. وتفاقمت هذه الممارسات باشتداد قبضة حزب البعث، فقُلصت مدة التدريب والدراسة في الكلية العسكرية، وأُنشئت الكلية العسكرية الثانية في زاخو- دهوك، كردستان العراق، لتخريج ضباط من أصول حزبية ومن العائلة الحاكمة والعشيرة، مما أدى إلى ضعف في تأهيل الضباط وضباط الصف والجنود ميدانياً، وأوقف إيفاد الضباط بدورات عسكرية خارجية إلا للأغراض الأمنية.
رفض وسائل التعاون
لم يكُن "محمد" (اسم مستعار) يتخيل أن الأيام الأولى في الكلية العسكرية ستكون كذلك بسرعة آخر أيامه داخلها، فهو شاب في مطلع العشرينيات، جاء محملاً بحلم والده القديم بأن يرى ابنه في البدلة العسكرية. لكن الحلم لم يصمد سوى أسبوعين.
وخلال الأيام التسعة الأولى، غاب أي تواصل مع العائلة، وغير مسموح إدخال الهواتف مطلقاً، ولو حدث أي طارئ، مهما كان حرجاً، لم يُسمح له باتصال، أو حتى رسالة. حتى جاء يوم وتلقت العائلة اتصالاً مفاجئاً من أحد الضباط يخبرهم "ابنكم قرر أن ينسحب ويستقيل."
توسلت العائلة للسماح لهم بالتحدث معه، لعلهم يغيرون رأيه، وبعد إصرار طويل فتح الضابط المايكرفون، لكن محمد رفض الحديث، قالها بوضوح "اتركوني أستقيل وخلاص."
حين عاد الضابط وأعطاه الهاتف مرة أخرى، وتحدث إليه أحد أقربائه من الضباط برتبة نائب، انفجر محمد بالبكاء ويقول خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "فتح الضابط المايك وسمعتهم يحاولون إقناعي بأن أتماسك، أن أتحمل. لم أجِب. ولم أستطِع أن أقول لهم إنني لا أقوى على الوقوف، وإن رجلي أصبحت عبئاً عليّ. وقتها لم أتمالك نفسي، بكيت وأخبرتهم كل شيء. قلت له وأنا أرتجف من الألم إن ساقي، لا أستطيع تحريكها، لا أستطيع المشي، كلما عرفوا أني لا أقوى على الوقوف عليها، يضربوني أكثر عليها. وأضافوا الإهانة فوق الإصابة، وقالوا لي ’أنت جبان وكاذب ولا تشكو من شيء‘."
محمد لم يُجبر على البقاء من قبل الكلية، بل من جانب عائلته التي لم تكُن تعرف أن ساقه تنزف من الداخل وأنه يختنق من الألم، وكل ما سمعوه من الضباط أن ابنهم "يشعر بالضيقة لكنه سيعتاد."
وكان محمد يطلب منهم فقط أن يسمحوا له بالذهاب إلى الطبابة، فلم يستجِب أحد
وحاولت عائلة محمد التدخل، فقرر والده السفر إلى الناصرية بنفسه، لكنه اصطدم بواقع مغلق بالكامل "ممنوع الزيارة ولو كان يحتضر".
وقف لساعات على بوابة الكلية محاولاً إقناع أحد الضباط بالسماح له برؤية ابنه أو سماع صوته، بعيداً من المراقبة أو حتى أخذ العلاج بحجة أن "الطبابة العسكرية وحدها تملك صلاحية إعطاء العلاج". وبدلاً من أن يرسل محمد إلى الراحة أو المستشفى، تلقى وعداً زائفاً بالبقاء يوماً كاملاً للاستراحة. لكنه بقي محجوزاً في موقعه، يعاني.
الطبيب الذي فحصه بعد خروجه قال إن هناك "تهشماً في عضلات الساق"، وأوصى بعدم الحركة مطلقاً، ولا حتى قيادة السيارة. وبعد خروجه وزيارة الطبيب في بغداد، تبيّن أن رجله تعرضت لتمزق شديد وتهشم بعضلات الساق، وأوصى الأطباء بامتناعه نهائياً عن ممارسة الرياضة. ومنذ ذلك الحين يعالج محمد بدواء منتظم ويعيش إصابة دائمة ناتجة من تدريب.
بعد استقالته، عاد لمدينته منهكاً، لا يستطيع السير ولا النوم، ولم يُمنح تقريراً طبياً من كليته ولم يسعفه أحد ولم يجِب أي ضابط أو مسؤول عن سبب ما حدث له. خرج من باب الكلية محمولاً لشدة إصابته على كتف صديق حتى أوصله إلى سيارة عند الطريق العام.
وأثناء الليل، كان يصرخ من الألم، وكان ينهض مفزوعاً وهو يضغط على ساقه، كما أنه لم يتحدث كثيراً بعد عودته، وفضّل عزلته وغرفته وذكرياته الثقيلة. ويقول محمد بخيبة كبيرة "ما رأيته ليس تدريباً عسكرياً ولا علاقة له به، كان إذلالاً يعود بالنفع على شخصية الضابط وحده، ولا علاقة له بالوطن أو حمايته.
وقانون انضباط الطلبة في الكلية العسكرية، كما في المادة 31 واضح، كل إخلال بالنظام أو تخلف عن التدريب يعد جريمة انضباطية، وتحدد العقوبات بالتدرج، من الإنذار والتوبيخ والخصم من الدرجات، إلى المنع من الإجازة ثم السجن لأيام معدودة في الحالات القصوى، مثل الاعتداء الجسيم على الآمر، لكنها لم تذكر مطلقاً أن الإصابة الفردية تُجازى بالعنف والتعذيب أو الخصم من الدرجات.
حين تُبنى المؤسسة على الإذلال
يشكل قانون سلوك الضباط في الجيوش ومنذ الأيام الأولى لدخولهم طلاباً إلى الكليات العسكرية باتجاه الاعتداد والثقة بالنفس، ويمتد هذا إلى مستوى تقدير الضابط واحترامه آمراً في وحدته أو شخصاً في المجتمع، بهدف تكوين منزلة قبول للمهنة العسكرية، على رغم الأخطار الكامنة فيها من جهة، ولحث الضابط على الصمود في المعركة وعدم التهرب منها أو التخلي عن واجبه وجنوده من ناحية أخرى.
لكن هذا البناء السلوكي لم يكُن ينسجم مع طبيعة الجيش العقائدي الذي أراده صدام. مارس شخصياً شتماً وضرباً ضد قادة في القيادة العامة أمام مرؤوسيهم، لمجرد "خطأ في الفهم" أو تقديرٍ خاطئ. وبدأوا بتقمص سلوكه ضد من هم دونهم رتبة، فانتقلت عدوى الإهانة والضرب عبر مراتب الجيش كما ينتشر العفن في الجدران القديمة.
وبتكرار هذا الأسلوب ووفق آلية التقمص النفسي، تسلسل الذلّ من الأعلى إلى الأسفل حتى أصبح شتم الضابط وإهانته علناً سلوكاً شائعاً ثم امتد فيروس الشتم إلى الكلية العسكرية والضباط أنفسهم الذين بدأوا بتفريغ الترهيب والشتائم على الطلبة كنوع من التدريبات. ويقول العميد المتقاعد فلاح المحمداوي خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "أصبح العسكر العراقي، تحديداً الطالب لأنه الحلقة الأصغر، منوطاً بالمهانة، فغلب عليهم السعي إلى تجنب الأذى حتى لو كان الثمن ضياع الوحدة أو الوطن. وأصبح الترهيب سياسة ثابتة والعقوبة وسيلة تشكيل. في عهد صدام، بدت العقوبة وسيلة لصناعة سلوك آلي، غريزي. وصار الإعدام عقوبة تبدأ من الغياب غير المقصود، لذا يحاول اليوم بعض الضباط تمرير مفهوم أن الشتائم والتعذيب أهون من الإعدام".
ويوضح المحمداوي أن تلك البيئة ولّدت ضباطاً مكسورين نفسياً، غاضبين، لا يفرغون أوجاعهم إلا فيمن دونهم رتبة أو سلطة، مما أسفر لاحقاً عن سلوك عدواني ضد الطلبة والمجندين، تلبّسه أولئك الذين نُصّبوا من دون ضوابط بعد عام 2003 كما حصل أيام صدام.
الكلية العسكرية الرابعة
"دورة الحوامل" لقب يخضع لتحولات الكلية العسكرية الرابعة في الناصرية، يوصم به المنتسبون إليها، فقط لأنهم سيقضون تسعة أشهر من التدريبات قبل أن تُشد النجمة الأولى فوق أكتافهم.
يقول ضابط رفض ذكر اسمه "يشعر بعض خريجي الكلية العسكرية الأولى وهي التي تشترط ثلاث سنوات دراسية وانضمام خريجي السادس الإعدادي فقط، بالتهديد من الطالب الوافد وهو حامل لشهادة تخرج في إحدى الجامعات أو المعاهد المدنية".
ويضيف الضابط، وهو خريج الكلية العسكرية الرابعة في الناصرية، أن "كثيراً من العقوبات التي تصدر في هذه الكلية تجاه الطلبة تكون محظورة دولياً ضمن التدريبات العسكرية لبعض الدول لأنها تؤدي إلى إصابتهم بالأمراض مثل السكري، أو الإعياء حتى الموت، ومن بينها ’الشناو فوق الرأس‘، أي إجبار الطالب على الوقوف على مقدمة رأسه ثم اللف والدوران لعشرات المرات، ثم يطلب منه القيام سريعاً والجري. وحينما يسقط وهذا هو الطبيعي، يتعرض للعقوبة".
ويتابع أن "الطالب المستجد يخضع لما يسمى ’التدريب العادي‘ لتأهيله للحياة العسكرية، وتكون الساعات التدريبية أكثر من الأيام اللاحقة، فيجري إعداده للفعاليات العسكرية من المشي والاستعداد والاستراحة لمدة 45 يوماً. وبعد انقضاء هذه المدة، يخضع المتدرب لما يطلق عليه ’التدريب الراقي‘، وهذا يخص الأسلحة والمعدات والتدريب التعبوي وفيه معركة الفصيل والحظيرة التي تعد أساسيات بداية إعداد الطالب أو المقاتل".
ويقول "في زمن آخر، كانت الكلية العسكرية تحمل اسم العراق إلى الخارج. فعام 1964، شارك فريقها الرياضي في أولمبياد طوكيو، وكان آمر الكلية رئيس الوفد، بل إن هذا الوفد، وبثقة، استوعب 50 طالباً إضافياً قُبِلوا خلال وجوده هناك".
وختم أن "الكلية كانت تحتفل بـمهرجانات رياضية سنوية ومسابقات فروسية وتخرّج ضباطاً وليس ضحايا معسكرات تدريب عشوائي. لكن ما يمارس اليوم يتجاوز هذا كله، فالعقوبات التي تفرض تشمل حرمان الطالب من إجازته إن رمش بعينه فقط، وهو تصريح قاله رئيس الكلية الرابعة ناصر الغنام بنفسه بفخر خلال لقاء علني".