ملخص
مع زخم أندية الشركات والأندية الاستثمارية التي لديها من الإمكانات المادية ما لا تستطيع النوادي الشعبية مجابهته لم يعد الدوري المصري مثيراً وممتعاً كما كان من قبل، فعلى سبيل المثال ذهب نادي المنصورة في طي النسيان، ولم يبقَ الاتحاد هو الاتحاد أو المحلة كما كان، لدرجة أن الإسماعيلي الذي يعد الضلع الثالث في مثلث الكرة المصرية، بات يهرب من شبح الهبوط إلى دوري القسم الثاني في كل موسم بمعجزة حقيقية.
تراجع أندية المحافظات كان بمثابة ضربة قاضية لمتعة الدوري المصري الذي اعتادته الجماهير، إذ كان حصول أحد قطبي القمة الأهلي والزمالك على نقطة واحدة من بورسعيد أو المحلة أو الإسكندرية أو المنصورة أو الإسماعيلية يمثل انتصارا.
مع زخم أندية الشركات والأندية الاستثمارية التي لديها من الإمكانات المادية ما لا تستطيع النوادي الشعبية مجابهته لم يعد الدوري المصري مثيراً وممتعاً كما كان من قبل، فعلى سبيل المثال ذهب نادي المنصورة في طي النسيان، ولم يعد الاتحاد هو الاتحاد أو المحلة كما كان، لدرجة أن الإسماعيلي الذي يبق الضلع الثالث في مثلث الكرة المصرية، بات يهرب من شبح الهبوط إلى دوري القسم الثاني في كل موسم بمعجزة حقيقية.
جاء قرار رابطة الأندية المصرية أخيراً بإلغاء الهبوط في الموسم المنقضي لينقذ عدداً من الأندية الجماهيرية من الاندثار، مثل الإسماعيلي والاتحاد وغزل المحلة، فكل منها كان على شفا هبوط إلى دوري الدرجة الثانية مما يشكل كارثة على تلك الأندية لأنها قد لا تستطيع العودة مرة أخرى، على غرار أندية عريقة هبطت ولم تعد مثل الترسانة والأوليمبي صاحبي التاريخ في التتويج بالدوري والكأس.
أزمة تمويل
مع نهاية الموسم الكروي الحالي وترقب آخر استثنائي لتفادي هبوط الأندية الجماهيرية وتحديداً الإسماعيلي، يتصاعد السؤال، إلى متى ستُنقذ تلك الأندية بقرارات إدارية ليس لها علاقة بلائحة المسابقة، فهل هناك خطة لإصلاح حال الإسماعيلي خلال الموسم المقبل؟ وكيف سيتمكن الاتحاد والمحلة من حل أزمات الموسم الحالي؟ وماذا لو تدهور حال المصري بعد استقالة رئيسه رجل الأعمال الشهير كامل أبو علي؟
يعد التمويل أحد أبرز الأزمات التي تهدد بقاء الأندية الشعبية مع نقص حاد في الموارد المالية، مقارنة بالأندية الكبرى التي تستفيد من استثمارات ضخمة ورعاية إعلامية، وفي الوقت ذاته لا تحظى الأندية الشعبية بدعم كاف من الدولة أو الاتحادات الرياضية.
وعن كيفية حماية الأندية الشعبية، قال نائب رئيس النادي المصري البورسعيدي الحسيني أبو قمر لـ"اندبندنت عربية" إن هناك مسؤولية كبيرة جداً على الدولة، إذ يجب أن تتدخل الوزارة والبرلمان ورابطة الأندية من أجل وضع تصورات وحلول تحمي تلك الأندية من الاندثار.
وأضاف "نحن لسنا ضد الأندية الاستثمارية، ولكن يجب أن يكون الاهتمام الأكبر بالأندية الجماهيرية، لأن لعبة كرة القدم في العالم كله تلعب من أجل الجماهير، ولا يوجد معنى من الأساس لأن تكون عدد أندية الشركات في الدوري تمثل نسبة 75 في المئة من حصيلة الأندية المتنافسة".
ومن بين 18 فريقاً في الدوري المصري الممتاز لموسم 2024/2025، اقتصرت الأندية الجماهيرية على الأهلي والزمالك والمصري في مجموعة تحديد البطل، إضافة إلى الاتحاد السكندري والإسماعيلي وغزل المحلة في مجموعة تحديد الهابطين.
دمج الأندية وتعديل القانون
يرى أبو قمر أن الهدف من تأسيس أندية الشركات هو عمل دعاية للمنتجات التي تقدمها المؤسسات، متسائلاً "ما المانع أن تتوجه كل شركة للاستثمار في الأندية الشعبية، وقتها سيكون حجم الدعاية أكبر، لأنها أندية تحظى بدعم ومتابعة جماهيرية".
ويتفق ذلك مع ما طرحه رئيس رابطة الأندية أحمد دياب حول إمكانية دمج النوادي الاستثمارية أو التابعة لشركات مع شركات الكرة بالأندية الجماهيرية. وقال في تصريحات تلفزيونية إن عدداً من الأندية الاستثمارية أبدت استعدادها لذلك، لكنه ربط إمكانية تحقيق المقترح بتعديل قانون الرياضة بما يسهل الاستثمار في الأندية الجماهيرية.
ومن جانبه، أكد المتحدث الرسمي باسم وزارة الشباب والرياضة محمد الشاذلي أن الوزارة قطعت شوطاً مهماً في ملف تعديل قانون الرياضة، بما يتماشى مع متطلبات المرحلة الحالية، وبهدف تهيئة مناخ أفضل للاستثمار الرياضي، خصوصاً في الأندية الشعبية التي تعاني أزمات متكررة تهدد استقرارها.
وأوضح الشاذلي في تصريحات صحافية أن الوزارة أعدت التصورات والتعديلات اللازمة على قانون الرياضة الصادر عام 2017، ورُفعت رسمياً إلى مجلس الوزراء تمهيداً لإحالتها إلى مجلس النواب خلال الأيام المقبلة.
وقال الشاذلي "القانون الحالي حاول تشجيع الأندية على إنشاء شركات للاستثمار الرياضي، لكن الواقع لم يشهد استجابة فعلية من معظم الأندية الشعبية، باستثناء الأهلي الذي نجح بالفعل في تأسيس شركات تابعة له، فيما لا تزال أندية كبيرة مثل الإسماعيلي والمصري والاتحاد السكندري تفتقر إلى هذا النوع من التنظيم المؤسسي".
وكان النادي الأهلي أعلن عام 2022 إنشاء شركته لكرة القدم، بعدما ظلت الدعوة إلى إنشائها محل نقاش في إدارات النادي المتعاقبة على مدار نحو 20 عاماً، لكن النادي لم يعلن حتى الآن توجهه لطرح أسهم شركته في البورصة. وتبع ذلك إعلان مجلس إدارة نادي الزمالك موافقته على إنشاء شركة لكرة القدم.
وأوضح الشاذلي أنه على رغم وجود أمثلة لأندية ترتبط بشركات مثل غزل المحلة وإنبي، فإن الغالبية من الأندية الشعبية ما زالت بعيدة من منظومة الاستثمار المؤسسي، مما دفع الوزارة للتفكير بجدية في تعديل القانون لفتح الباب أمام المستثمرين، وتسهيل الشراكات التي يمكن أن تنقذ هذه الكيانات من أزماتها المتكررة.
ويستند الاستثمار الرياضي وبخاصة في مجال كرة القدم داخل مصر إلى قانون الرياضة الصادر عام 2017، الذي أجاز بيع النادي الخاص على اعتبار أنه يتخذ شكل الشركة المساهمة، على غرار ما حدث في نادي الأسيوطي الذي تحول إلى مسمى "الأهرام" ثم "بيراميدز" قبل أعوام. أما الأندية الحكومية فيحظر القانون تحولها إلى شركات مساهمة لا تملك حق الإدارة، وفقاً للمادة الـ23 من اللائحة الموحدة للأندية. ويعني ذلك أن أي مستثمر في شركة تابعة للنادي ستتوقف نسبته عند 49 في المئة، لأن الجمعية العمومية لأعضاء النادي لا بد أن تملك في الأقل 51 في المئة من النادي.
تشجيع الاستثمار
وينص القانون المصري على أن تتخذ الشركات التي تُنشأ لمزاولة أعمال الخدمات الرياضية بكل أنواعها شكل الشركات المساهمة، ويجوز طرح أسهمها في اكتتاب عام وفقاً لأحكام قانون سوق رأس المال، وقيد أسهمها في بورصة الأوراق المالية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبحسب المتحدث باسم وزارة الرياضة، فإنه ضمن التعديلات المقترحة يُعمل على معالجة بعض العراقيل التي كانت تعوق دخول المستثمرين، مثل النسب الحاكمة للأندية في الشركات التي كانت تمثل نقطة خلاف، "فقد فتحنا الباب الآن أمام مرونة أكبر في هذا الجانب مع الإبقاء على شرط موافقة الجمعية العمومية للنادي حال رغبة أي مستثمر في الحصول على حصة حاكمة أو مؤثرة".
وأكد الشاذلي أن الوزارة راعت في هذه التعديلات حماية حقوق الأندية الشعبية وخلال الوقت نفسه تشجيع بيئة الاستثمار الرياضي، بما يضمن تحقيق التوازن بين الحفاظ على الهوية التاريخية للأندية وفتح الباب أمام تمويلات واستثمارات جديدة.
وأضاف أن مشروع القانون المعدل حالياً في مجلس الوزراء وسيحال إلى مجلس النواب خلال أيام، مع استهداف إقراره وبدء العمل به رسمياً خلال يوليو (تموز) المقبل، واصفاً تفعيل القانون بصورته الجديدة بأنه "سيكون نقطة تحول حقيقية في ملف الاستثمار الرياضي داخل مصر، وبخاصة إذا فُعِّل بالصورة الصحيحة التي تضمن إشراك القطاع الخاص في دعم الأندية الشعبية واستقرارها المستقبلي".
أخطاء متراكمة وصحوة
على رغم أن أزمات الأندية الجماهيرية تمتد لأعوام سابقة فإن تهديد النادي الإسماعيلي بشبح الهبوط لدوري القسم الثاني أدى إلى صحوة في ذلك الملف. رئيس النادي الإسماعيلي نصر أبو الحسن أكد أن الأوضاع الصعبة التي عاشها النادي خلال المواسم الأخيرة ترجع إلى تراكمات مشكلات مالية ضخمة، مطالباً الدولة بفرض رقابة فعالة على الأندية الشعبية حتى لا تحمل الإدارات المتعاقبة مسؤولية تراكم الديون الناتجة من إدارات سابقة، بحسب تعبيره ضمن تصريحات صحافية.
وطالب أبو الحسن وزارة الرياضة بمساعدة الإسماعيلي، وبخاصة في ملف حقوق الرعاية بما يتناسب مع تاريخه، وكذلك جميع الأندية الجماهيرية مثل غزل المحلة والمصري والاتحاد لتتمكن من الوقوف على قدميها ومنافسة أندية الشركات، مؤكداً أن عدداً من الأندية التاريخية لم تعد تستطيع منافسة أندية الشركات في ظل القوة المالية الهائلة التي تتمتع بها.
ومع تحجيم الحضور الجماهيري منذ أكثر من 10 أعوام اختفى مصدر دخل مهم للأندية الشعبية، وبخاصة أن تذاكر المباريات والفعاليات الرياضية كانت جزءاً مهماً في توفير دخل جيد لهذه الأندية، وعلى الصعيد الرياضي تقلصت الفرص داخل الملعب مع أندية الشركات التي لا تملك أي جماهير.
صعوبة المنافسة
من أبرز الأندية الجماهيرية التي هبطت ولم تعد نادي المنصورة الذي كان رقماً صعباً في معادلة الدوري المصري خلال عقود السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، لكن ضعف الإمكانات المالية لا يساعده حالياً سوى على البقاء في مراكز متأخرة من دوري القسم الثاني (دوري المحترفين)، وتفادي الهبوط من جديد إلى دوري القسم الثالث.
ويرى المدير الرياضي لنادي المنصورة أشرف الموجي أنه لا يمكن مطالبة الأندية الجماهيرية بالمنافسة بينما تظل مكبلة بغياب الموارد، التي تمكنها من شراء لاعبين وتوفير أفضل الإمكانات لهم. وقال لـ"اندبندنت عربية" إن موارد نادي المنصورة تنحصر في الجهود الذاتية وتبرعات محبيه، بينما أندية الشركات لديها موارد ضخمة ومتجددة.
وأشار إلى أن على الدولة إيجاد حل للأندية الجماهيرية كي تعود كرة القدم في مصر لعهدها السابق، واقترح دمج أندية الشركات والأندية الجماهيرية، أو أن "تجبر" الدولة الرعاة على تقديم الدعم لتلك الأندية أو تتيح الدولة للأندية الشعبية موارد تدر دخلاً دائماً. وانتقد تأخر صدور تعديلات قانون الرياضة التي تطالب بها الأندية الجماهيرية منذ أعوام، وعدم صرف عائدات مناسبة من البث التلفزيوني لمباريات دوري المحترفين.
حتى لا يتحول لدوري شركات
بدوره، كشف رئيس نادي غزل المحلة وليد خليل عن أزمة كبرى تواجه ناديه، قائلاً "الفوارق المادية لم تعد الأزمة الوحيدة بين أندية الشركات والأندية الشعبية، لكن الأمر وصل إلى رفض اللاعبين الانضمام إلى أندية المحافظات الأخرى غير القاهرة"، موضحاً أن أندية الشركات تعسكر وتخوض مبارياتها في القاهرة، وهي ميزة بالنسبة إلى عدد من اللاعبين الذين يعيشون في الأساس داخل العاصمة.
وقال خليل إن "هذا الأمر سيجبرنا على خوض تدريباتنا ومعسكراتنا في القاهرة، كي نتمكن من ضم اللاعبين المناسبين الذين سيصنعون الفارق للفريق، وهو ما يعني تكبد كلفة كبيرة لخوض التدريبات في القاهرة، بخلاف المعسكرات ورواتب اللاعبين والصفقات".
وعن الحل الأمثل لأزمة الأندية الجماهيرية، قال "ما لم تستثمر تلك الشركات في الأندية الشعبية يجب أن يكون هناك تحرك من الدولة ودفع الرعاة لضخ الأموال ومساعدتنا، وإلا سيحدث ما لم يتمناه جمهور الكرة، وسيتحول الدوري المصري لدوري شركات".
وحاول نادي غزل المحلة طرح أسهم شركته لكرة القدم في البورصة المصرية خلال أغسطس (آب) 2022، لكن الاكتتاب فشل لعدم جذبه مستثمرين كافيين، إذ غُطِّيَ الطرح العام للشركة بنسبة 18 في المئة فقط من المستهدف، على رغم مد فترة الاكتتاب مرتين.
وكان غزل المحلة أول نادي ينشئ شركة خاصة لكرة القدم خلال يناير (كانون الثاني) 2021 وأول ناد يطرح أسهماً لشركته في البورصة المصرية، وكان مراقبون كثر يعولون على نجاحه في جذب أندية أخرى للطرح في سوق المال.
جذب الأرباح
وفق تقرير للبنك الدولي نهاية عام 2022، تحتاج منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى تحويل أندية كرة القدم إلى شركات رياضية جيدة الإدارة تجذب الاستثمارات والأرباح، وتحول صناعة كرة القدم إلى الاحتراف والتنافس، بهدف خلق مزيد من الفرص لعدد كبير من الشباب داخل المنطقة للمساهمة في تنمية بلدانهم.
واقترح التقرير اتباع استراتيجية من ثلاث خطوات، أولاها توفير مزيد من التمويل لأندية كرة القدم إما عبر التسجيل في البورصة مما يشجع الشفافية وإشراك القطاع الخاص المحلي والمشجعين، أو فتح باب المساهمة في أسهم رأس المال أمام الشركاء باستخدام الآليات المؤسسية الموجهة في العادة للاستثمار الأجنبي المباشر في منشآت الأعمال الصغيرة والمتوسطة. أما الخطوة الثانية فهي زيادة إيرادات النادي من خلال زيادة تحصيل مبيعات التذاكر وحقوق البث التلفزيوني وتقاسمها، وآخر الخطوات هي تحسين حوكمة الدوري والاتحادات والروابط لتعزيز المنافسة وتحقيق التنمية والتطوير لقطاع كرة القدم، مع وضع قواعد لتعزيز الشفافية المالية والاستدامة للأندية وتحديد سبل لمراقبة إنفاق الأندية.