ملخص
يثير الامتداد التركي في مناطق بشمال سوريا المستمر منذ أيام الثورة، مخاوف قطاعات واسعة من السوريين من احتمال اعتماد أنقرة سياسة التتريك تمهيداً للإبقاء على نفوذها هناك.
حسمت إحدى الشركات التي تعهدت باستثمار منشأة رياضية في مدينة حلب جدلاً واسعاً أثير أخيراً حول تبديل اسم "الباسل" الذي حملته قبل عقود تيمناً باسم شقيق الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، إلى اسم جديد في أعقاب تسمية أخرى أثارت غضب السوريين لأنها بعيدة من ثقافتهم وهويتهم.
ووقع الاختيار أخيراً على اسم "الشهباء" كاسم للمنشأة بعدما أصر أهل المدينة على رفض إطلاق تسمية "الأناضول"، مثيرين موجة غضب أجبرت المعنيين في مجلس محافظة حلب على التدخل رسمياً وتغيير اسم "الأناضول" إلى "الشهباء"، نظراً إلى ما تحمله التسمية الأولى من إشارة قومية تركية.
ومع انزلاق البلاد في صراع أهلي مسلح إثر اندلاع الثورة السورية عام 2011، كانت أنقرة تراقب حدودها الجنوبية، وأطلقت وقتها صفارة إنذار خوفاً من اتساع نفوذ المكون الكردي في أعقاب تمتعه بقوة عسكرية متزايدة، تحديداً حين تشكل جسم عسكري جديد تحت مسمى "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) بدعم أميركي، ساعد "التحالف الدولي ضد داعش" على هزيمة التنظيم المتطرف.
ويرى مراقبون أن العمليات العسكرية الثلاث "درع الفرات" عام 2016 و"غصن الزيتون" في 2018 و"نبع السلام" عام 2019 وما تبعها من السيطرة التركية على مناطق واسعة في الشمال بهدف إنشاء منطقة أمنية بعمق 32 كيلومتراً بالتعاون مع فصائل محلية معارضة تتبع للنفوذ التركي، مهدت لاتباع سياسة "تتريك" وفق ما جاء على لسان مصادر أهلية حول حضور تركي واسع شهدته المنطقة قبل التحرير واستهدفت الهوية الثقافية.
التتريك و"الاستتراك"
ونكأت كلمة "الأناضول" هواجس السوريين وأثارت مخاوف شديدة حيال نوايا أنقرة فرض هوية تعيد من خلالها أمجاد العثمانيين الذين احتلوا البلاد قرابة أربعة قرون قبل حقبة الانتداب الفرنسي. ويرى ناشطون أن العلاقة الجيدة مع تركيا التي استضافت نحو ثلاثة ملايين نازح قسراً خلال فترة الثورة السورية، لا تعطيها الحق بفرض الهوية التركية على رغم التقارب والتداخل في الشمال السوري بين البلدين عبر التاريخ.
المدير التنفيذي لمنظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" بسام الأحمد تحدث عن هذه الممارسات، معتبراً أنها "ليست جديدة، بل تأتي استمراراً لسياسة قائمة منذ سنين عندما بدأت تركيا تسيطر سياسياً وعسكرياً على المعارضة السورية ضد الأسد"، وهذا الأمر واضح بحسب قوله في مدن عدة مثل أعزاز والباب وجرابلس وتل أبيض وعفرين وغيرها، سواء كانت في مناطق عربية أو كردية - سورية. وجزم الأحمد بأن "التتريك استراتيجية تمضي من دون توقف"، لافتاً إلى أن "بعضهم يطلق عليها تسمية ’تتريك‘، فيما يطلق عليها بعضهم الآخر ’استتراك‘ بمعنى أن هناك من يساعد على هذا الأمر، ورسالتنا أننا كدولة سورية يجب ألا تكون لدينا عداوات مع دول الجوار، ولكن في الوقت ذاته يجب أن يكون هناك احترام متبادل واحترام ثقافي". وأضاف أن "الحكومة السورية الجديدة يمكنها تسمية حدائق ومستشفيات بأسماء سورية وأسماء مفكرين سوريين، وأن تتعاطى جدياً مع مظاهر التتريك التي حدثت سابقاً أو التي تدور حالياً".
التداخل الحضاري والتاريخي
في المقابل، اعتبر الباحث التركي في شؤون السياسة الخارجية علي أسمر أن "هاجس التتريك في الشمال السوري يراوح ما بين المخاوف المشروعة والحقائق المغيبة". ورأى "أن الأمر يتطلب قراءة المشهد بمنظار واقعي وتاريخي يفرض علينا التمييز بين التتريك الثقافي القسري كسياسة ممنهجة، وبين التداخل الحضاري والتعاون الإداري اللذين تفرضهما الظروف الميدانية والجغرافية". وقال "لا يمكن تجاهل أن تركيا وسوريا ليستا جارتين عاديتين، فالعلاقات بين الشعبين ضاربة في عمق التاريخ وتشمل عوامل جغرافية واجتماعية وتجارية متجذرة، والدليل الحي على هذا التداخل ما نشهده حتى في قلب إسطنبول، حيث يوجد ’ممر حلب‘ في شارع الاستقلال الشهير، واسمه مكتوب بصورة بارزة باللغة التركية من دون أن يثير ذلك أي اعتراض شعبي أو سياسي. بالتالي، فإن وجود منشأة سياحية في سوريا باسم ’الأناضول‘ لا يجب أن يُقرأ كتهديد، بل كمظهر من مظاهر التداخل الحضاري الذي كثيراً ما ميّز العلاقة بين شعوب المنطقة".
وبحسب المعطيات الحالية، فإن معظم المدارس في مناطق مثل إدلب وريف حلب الشمالي تدرّس مناهج معدلة باللغة العربية، مستمدة من المناهج السورية السابقة، كما أن اللغة التركية ليست إلزامية وفق ما يبرر الباحث التركي، بل تدرّس كلغة ثانية اختيارية، بخاصة في منطقة تخضع لإدارة تركية ميدانية منذ أعوام، مضيفاً "بل إن تعليم التركية يعد خطوة عملية لتسهيل التنسيق مع الجهات التركية، ولا سيما أن عدداً كبيراً من الطلاب السوريين يتوجهون لاحقاً للدراسة في الجامعات التركية". وتابع، "كما أن تركيا نفسها تحتضن مدارس عربية عدة، مثل مدارس ’إمام خطيب‘ التي تدرّس بالعربية، إلى جانب جامعات تدرّس بالفرنسية مثل جامعة ’غلاطة سراي‘، مما يدل على احترام أنقرة للتعددية اللغوية والثقافية وكما تقول الحكمة التركية ’لغة جديدة تعني إنساناً جديداً‘، مما ينطبق على السوريين الساعين إلى بناء وطن منفتح ومتعدد".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
والٍ تركي في السرايا
وترفرف الأعلام التركية فوق مقار إدارات المجالس المحلية في مدن الشمال السوري مثل أعزاز والباب وجرابلس وعفرين، في وقت ينتقد مراقبون ادعاء أنقرة حرصها على وحدة الأراضي السورية، وزعمها السيطرة على المنطقة الآمنة لهذه الغاية.
في الأثناء، تشي المعلومات الواردة عن بقاء الوالي التركي الذي يحكم مدينة جرابلس بريف حلب الشرقي، وهي منطقة حدودية بين تركيا وسوريا في الشمال السوري. وقالت إحدى السيدات من أهالي المدينة إن عدداً من الوثائق الرسمية تتطلب "موافقة الوالي التركي وتوقيعه ومقره في السرايا الحكومي، ولا أعلم إذا بقي الواقع على حاله بعد التحرير أو أن السياسة الحكومية الجديدة بعد التحرير ستتبدل".
ويفسر أسمر وجود الوالي عقب السيطرة على المدينة بأنه "لم يكُن خياراً استراتيجياً بعيد المدى، بل جاء كإجراء طارئ لسد فراغ إداري في مرحلة حساسة، تماماً كما نسمع اليوم عن نية السفير الأميركي لدى تركيا تولي الملف السوري موقتاً من الجانب الأميركي. وما نحتاج إليه هو مؤسسات سورية قوية تستعيد السيطرة على كامل الجغرافيا، وعندها ستختفي هذه المظاهر الطارئة بطبيعتها".
من جهته عدد الناشط الحقوقي إبراهيم شيخو أبرز المدن والأماكن التي بدلت أنقرة تسميتها بأسماء تركية، وهي ثلاث قرى تابعة لناحية بلبل بريف عفرين منها "قسطل مقداد" التي تبعد خمسة كيلومترات من مركز الناحية من الجنوب الشرقي للبلدة وباتت تسمى بلدة "سلجوق أوباسي". أما البلدة الثانية "كوتانلي" فتبعد 10 كيلومترات وجرى تغييرها إلى "ظافر أوباسي"، وبلدة ثالثة هي "كورزيلي الجبل" من الجهة الغربية الشمالية وسميت "جعفر أوباسي"، أما ساحة الحرية أو "أزادي" في مركز عفرين وهي ساحة رئيسة ضمن المدينة، فسميت "ساحة أتاتورك" نسبة لمؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك.
طمأنة السوريين
والحديث عن "التتريك" يجب أن يعالج من زاوية علمية لا عاطفية، هكذا يرى أسمر، معتبراً أنه لو كانت تركيا تنتهج سياسة تتريك "لكانت فرضت لغتها وثقافتها خلال قرون من الحكم العثماني، كما فعلت فرنسا في مستعمراتها الأفريقية حيث أصبحت الفرنسية لغة رسمية، لكن السوريين ظلوا يتحدثون العربية، مما يثبت أن تركيا لم تسعَ لا سابقاً ولا الآن إلى طمس الهوية السورية".
ويعتقد أسمر بأن دخول الشركات التركية أو تنفيذ مشاريع خدمية أو تعليمية لا يعني هيمنة ثقافية، بل يمكن فهمه في إطار جهود الإعمار والتحديث، قائلاً إن "ما تحتاج إليه سوريا اليوم هو شراكة سياسية واقتصادية حقيقية مع تركيا، تُبنى على الاحترام المتبادل لا على الهواجس، وعلى تطوير القدرات لا على تصدير المخاوف".