ملخص
تختصر تلك الواقعة قضية القطاع الصحي الفلسطيني الذي خصصت له الموازنة العامة للعام الجاري نسبة 15.6 في المئة للمرة الأولى منذ تأسيس السلطة الفلسطينية. مع ذلك تعاني المستشفيات والعيادات الحكومية نقصاً حاداً في الكوادر البشرية وأزمة في عدد الأسرَّة وتكدساً للمرضى، مما يدفع وزارة الصحة للجوء إلى تحويل المرضى إلى المستشفيات الخاصة والأهلية.
بعد نحو تسع سنوات على الإعلان عن إقامة مستشفى فلسطيني عام لعلاج مرضى السرطان دون أن يتحقق ذلك، جاء افتتاح الرئيس الفلسطيني محمود عباس مركزاً تابعاً للقطاع الخاص لعلاج المرض في مكان ليس بعيداً من المكان المقرر لإقامة المستشفى العام.
تختصر تلك الواقعة قضية القطاع الصحي الفلسطيني الذي خصصت له الموازنة العامة للعام الجاري نسبة 15.6 في المئة للمرة الأولى منذ تأسيس السلطة الفلسطينية. مع ذلك تعاني المستشفيات والعيادات الحكومية نقصاً حاداً في الكوادر البشرية وأزمة في عدد الأسرَّة وتكدساً للمرضى، مما يدفع وزارة الصحة للجوء إلى تحويل المرضى إلى المستشفيات الخاصة والأهلية.
ومن أصل حجم موازنة وزارة الصحة الفلسطينية البالغة 2.9 مليار شيكل إسرائيلي (نحو 0.84 مليار دولار) خصص مليار شيكل منها للرواتب، و1.6 للنفقات التشغيلية التي تشمل التحويلات الطبية، فيما بقي 130 مليون شيكل فقط للنفقات التطويرية.
يأتي ذلك في ما لا يتجاوز عدد الأسرَّة للفلسطينيين في الضفة الغربية الـ3 آلاف في المستشفيات العامة والخاصة والأهلية، وهو ربع المعايير المقررة من منظمة الصحة العالمية.
بالتوازي قفز عدد الأطباء المسجلين لدى نقابة الأطباء الفلسطينية إلى 18 ألفاً يعلمون في القطاع العام والخاص والأهلي والعيادات الشخصية.
أزمة حادة
قال الوكيل المساعد لشؤون المستشفيات والطوارئ في وزارة الصحة الفلسطينية معتصم محيسن، "نعاني أزمة حادة للغاية في عدد الكوادر الطبية نتيجة الأزمة المالية للحكومة، ولا تعيينات جديدة في وزارة الصحة، بسبب قرصنة الاحتلال للأموال الفلسطينية؛ فلا تعيينات جديدة في وزارة الصحة"، مؤكداً أن بعض الأقسام التي افتتحتها الوزارة "بهدف توطين الخدمة الصحية والحد من التحويلات الطبية مغلقة بسبب نقص عدد الكوادر من أطباء وممرضين وفنيين".
وبحسب محسين فإن بعض الأقسام التي افتتحتها الوزارة "بهدف توطين الخدمة الصحية والحد من التحويلات الطبية مغلقة؛ بسبب نقص عدد الكوادر من أطباء وممرضين وفنيين".
وكان قسم جراحة قلب الأطفال بـ"مجمع فلسطين الطبي" في رام الله من الأقسام التي افتتحت أخيراً، لكنه يعمل فقط بنصف عدد الأسرَّة بسبب عدم كفاية الممرضين، وفق محيسن، موضحاً لـ"اندبندنت عربية" أن عدد الأسرَّة في المستشفيات العامة لم يرتفع منذ 15 عاماً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في مقابل ذلك تفتتح الوزارة، بحسب محيسن، أقساماً جديدة في المستشفيات الحكومية بهدف تطوير الخدمات الطبية وتوسيعها، "لكن جزءاً كبيراً منها لا نستطيع تشغيله"، مشيراً إلى أن وزارة الصحة الفلسطينية "تمكنت من استقطاب أطباء متخصصين في بعض المجالات النادرة مثل زراعة الكلى وعمليات القلب، كما أنها ترسل الأطباء إلى الخارج للتدريب على بعض التخصصات اللازمة".
وكشف محيسن عن أن الحكومة الفلسطينية "مهتمة بتشغيل المستشفيات الخاصة والأهلية، ومنها مستشفيات مدينة القدس، وتعمل وفق معادلة محددة في شأن ذلك"، لكن المستشار بوزارة الصحة مؤيد عفانة يشير إلى أنه على رغم أن الموازنة العامة الفلسطينية خصصت أكثر من 15 في المئة منها لقطاع الصحة للمرة الأولى، فإن قسماً كبيراً منها يذهب إلى التحويلات الطبية بقيمة أكثر من مليار شيكل سنوياً".
وبحسب عفانة فإن تلك النسبة "تنسجم مع المعايير العالمية"، لكنه شدد على أن من "يريد الحد من التحويلات الطبية فعليه زيادة النفقات التطويرية لتقليل النفقات التشغيلية التي تشمل التحويلات".
وحول النقص في عدد الكوادر الطبية أشار إلى وجود "ترهل إداري في وزارة الصحة"، موضحاً أنها "عملت على توظيف كوادر قبل سنوات خلال جائحة كورونا". وأكد أن "توطين الخدمة لا يعني وقف التحويلات الطبية إلى خارج فلسطين فحسب، بل ويشمل وقفها إلى المستشفيات الخاصة والأهلية، فأية تحويلات إلى خارج المستشفيات الحكومية هي بلغة الأرقام تحويلة خارج وزارة الصحة الفلسطينية".
معاناة شاملة
أما المحلل المالي والمستشار لمنظمة الصحة العالمية مؤيد عفانة فأشار إلى إنه على رغم أن الموازنة العامة الفلسطينية خصصت أكثر من 15 في المئة منها لقطاع الصحة للمرة الأولى، يذهب قسماً كبيراً منها إلى التحويلات الطبية بقيمة أكثر من مليار شيكل (281 مليون دولار) سنوياً".
وأوضح أنه "حتى عمليات قسطرة القلب يتم تحويلها إلى خارج المستشفيات الخاصة"، متسائلاً "لماذا لا يتم إجراؤها في مستشفيات الحكومة؟".
واعتبر عضو الهيئة الإدارية لنقابة الأطباء الفلسطينية وائل أبو اسنينة أن القطاع الصحي العام في فلسطين "في تراجع مستمر وكبير منذ سنوات بسبب تداعيات الحرب على قطاع غزة، والأزمة المالية للحكومة، وسوء الإدارة في وزارة الصحة، وتسبب ذلك في عدم توفر جزء كبير من الأدوية بالمراكز الصحية والمستشفيات الحكومية، وإلى تقليص الكوادر الطبية لدوامها". وأشار إلى وجود "نقص مزمن في عدد الأسرَّة بالمستشفيات الحكومية"، مؤكداً أن "القطاع الخاص والأهلي يغطي 40 في المئة من حاجات القطاع الحكومي". ومشيراً إلى أن "نسبة الإشغال في المستشفيات الحكومية تجاوزت 100 في المئة، فيما تعمل العيادات الخارجية الحكومية ثلاثة أيام فقط أسبوعياً".
بحسب أبو اسنينة فإن هناك "أقساماً جديدة افتتحت في المستشفيات الحكومية، لكنها لا تعمل بسبب عدم وجود القدرة على تشغيلها، إما بسبب نقص الكوادر الطبية، أو نقص المعدات اللازمة".
وضرب مثالاً على ذلك بأن قسم القسطرة الذي افتتح أخيراً في مستشفى الخليل الحكومي لا يعمل إلا فترة واحدة بسبب نقص الكوادر الطبية، مما يعني تحويل الحالات الطارئة إلى المستشفيات الخاصة". وانتقد "غياب استراتيجيات تطوير وتوسيع القطاع الصحي الحكومي على المدى القصير والمتوسط والبعيد"، لكنه استدرك بأن تلك الاستراتيجيات "تحتاج إلى استقرار مادي، وهذا غير متوافر". داعياً إلى "ضخ مبالغ مالية لبناء مستشفيات كبيرة تضم كل التخصصات، للحد من استنزاف الأموال في التحويلات الطبية".
من للمرضى؟
خلال افتتاحه المركز الاستشاري للسرطان في مدينة رام الله أشار الرئيس الفلسطيني إلى أن "ظاهرة العلاج في الخارج بدأت تنخفض، وأتمنى أن يتلقى الجميع العلاج في الوطن وليس خارجه".
ووصلت كلفة إنشاء المركز 80 مليون دولار أميركي، وجاء تأسيسه بالشراكة بين القطاع الخاص وصندوق الاستثمار الفلسطيني (الصندوق السيادي لفلسطين).
لكن كلفة المستشفى الحكومي للسرطان الذي أعلن عنه في 2016 وصلت إلى 160 مليون دولار. ومع أن الرئيس الفلسطيني وضع حجر الأساس لبناء المستشفى، كما وضعت مخططات تنفيذه وبدأت عمليات الحفر لإقامته، فإن المشروع تم تأجيله بسبب عدم وجود موارد مالية.
وأطلقت السلطة الفلسطينية حينها حملة لجمع التبرعات لإقامة المستشفى، وتم جمع أكثر من 11 مليون دولار. وقبل ثلاثة سنوات أرجع رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية بدء العمل بالمشروع قبل تأمين كلفة إنشائه إلى "تشجيع المانحين على المساعدة في إنجازه، ولكننا لم نحصل على التمويل المطلوب".
ويتجاوز عدد مرضى السرطان في فلسطين 20 ألفاً، وهناك نحو 5300 حالة جديدة سنوياً، يشكلون نحو 40 في المئة من إجمال التحويلات الطبية إلى مراكز طبية خارج وزارة الصحة.
ويتكفل التأمين الصحي الحكومي بتغطية كامل كلف علاج السرطان الذي يجري معظمه خارج المستشفيات الحكومية الفلسطينية.