ملخص
في القرن الـ21 بات يمكن لأي شخص لديه اتصال بالإنترنت نشر مقاطع فيديو أو صور أو تحديثات مكتوبة قد تحظى باهتمام واسع، فقد حوّلت هذه المنصات الناس العاديين إلى مراسلين فوريين، ينقلون الأخبار العاجلة ويشاركون رؤى تتحدى سلطة وسائل الإعلام التقليدية.
كان إنتاج الأخبار تاريخياً حكراً على الصحافيين العاملين في وسائل الإعلام الراسخة التقليدية، فكان هؤلاء الصحافيون يجمعون المعلومات ويتحققون منها، وينشرونها بطرق تتوافق مع المبادئ التحريرية والأعراف المجتمعية. ومع ذلك أتاحت المنصات الرقمية مثل المدونات ووسائل التواصل الاجتماعي ومواقع مشاركة الفيديو للناس العاديين الأدوات اللازمة لنقل الأخبار مباشرةً إلى جمهور عالمي.
وهذا ما عرف لاحقاً بصحافة المواطن، إذ تشير هذه الصحافة إلى جمع الأخبار والمعلومات ونشرها وتحليلها من قِبل أفراد من الجمهور، وهم ليسوا صحافيين محترفين، فتتيح هذه الميزة للأفراد التقاط الأحداث ومشاركة قصصهم الشخصية والإبلاغ عن القضايا المحلية آنياً، وذلك بخلاف الصحافة التقليدية التي تنطوي على عمليات هرمية ورقابة تحريرية، فيعمد الصحافيون المواطنون إلى استخدام هذه المنصات لتحدي الروايات التقليدية، وتسليط الضوء على القضايا التي لا تحظى بالتغطية الكافية، وتقديم وجهات نظر بديلة حول الأحداث فور وقوعها.
ولكن لهذه الظاهرة سلبياتها التي أوقعت المعلومة- صورة أو فيديو أو كلمات- في براثن التشويه والتزييف واقتطاع السرد من سياقه الحقيقي لتقديم محتوى من وجهات نظر ضيقة وفردية جداً.
السرعة مقابل التحقق
لعقود كان نشر الأخبار عملية أحادية الاتجاه إلى حد كبير، إذ يجمع الصحافيون المعلومات ويصوغون القصص ويشاركونها مع الجمهور عبر الصحف والإذاعة والتلفزيون، ومن خلال هذا التدفق الخطي للمعلومات يعني أن الجمهور لم يكن له رأي يُذكر، إلى أن ظهرت منصات التواصل الاجتماعي فقلبت هذه الديناميكية رأساً على عقب، إذ أتاح ما عرف بديمقراطية إنتاج الأخبار وتوزيعها. وأصبح في القرن الـ21 يمكن لأي شخص لديه اتصال بالإنترنت نشر مقاطع فيديو أو صور أو تحديثات مكتوبة قد تحظى باهتمام واسع، فقد حوّلت هذه المنصات الناس العاديين إلى مراسلين فوريين، ينقلون الأخبار العاجلة ويشاركون رؤى تتحدى سلطة وسائل الإعلام التقليدية.
ونتيجة ذلك، غالباً ما تنتشر القصص على منصات التواصل حتى قبل أن تلتقطها وسائل الإعلام الرئيسة، حيث يمكن لتغريدة أو منشور على "فيسبوك" أو فيديو فيروسي أن يُشعل نقاشاً عالمياً، إذ تحظى قصص كانت تُعتبر في السابق خاصة أو تافهة، باهتمام واسع من خلال المشاركة على مواقع التواصل الاجتماعي. ويُخالف هذا التحول المفهوم التقليدي القائل إن أهمية الخبر تعتمد فقط على الموضوعية أو الصلة أو المصداقية، بل يُشير إلى أن أهمية الخبر اليوم تتأثر بشدة بالقوة الجماعية لمستخدمي الإنترنت الذين يُقررون من خلال التفاعل أي قصص تستحق المشاركة.
فمن أهم الجوانب المحورية لوسائل التواصل الاجتماعي في مجال التقارير الإخبارية قدرتها على توفير محتوى مباشر من إنتاج المستخدمين، حيث تُمكّن منصات التواصل الاجتماعي الأفراد من توثيق الأحداث فور وقوعها، مما يوفر رؤى آنية لمواقف يصعب توثيقها لولاها، من الاحتجاجات والمعارك والصِدامات التي تبث مباشرةً، إلى التقارير المباشرة عن الكوارث الطبيعية، فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أداةً قيّمة للوصول إلى وجهات نظر واقعية.
جذب الجمهور أولاً
لذلك فمن المرجح أن يُحفّز تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الصحافة الابتكار في أساليب سرد القصص ومزيد من الضغط للتحقق من حقيقة المضمون في زمن سرعة تداول المعلومات. فقد أصبحت مقاطع الفيديو القصيرة والرسومات التفاعلية وخلاصات الأخبار المُخصّصة أكثر شيوعاً. ويعزى هذا التوجه إلى الحاجة لجذب انتباه الجمهور المُعتاد على عالم وسائل التواصل الاجتماعي سريع الوتيرة.
ومن ضمن التحديات انعدام السيطرة على السرد، فعندما تنتشر الأخبار على وسائل التواصل الاجتماعي، يمتلك صانعو المحتوى الأصليون، وهم غالباً أشخاص عاديون، القدرة على تشكيل السرد حتى قبل أن تتاح للصحافيين فرصة المشاركة. وقد يؤدي هذا إلى مشكلات تتعلق بالتحيز وفقدان السياق والتي قد تتفاقم مع انتشار القصة. فعلى سبيل المثال، قد يُشارك مقطع فيديو منتشر بكثرة يُظهر لحظة مثيرة للجدل من دون معلومات أساسية مهمة، مما يؤدي إلى سوء فهم وغضب عامين.
عيوب النشر
وعلى رغم مزاياها الكثيرة، إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تخلو من العيوب، ومن أكثر الجوانب إثارة للقلق انتشار المعلومات المضللة والصور القديمة التي يزج بها في صراعات حديثة، الأمر الذي يفاقم الأوضاع خطورة على أرض الواقع وخارج هذا الفضاء الافتراضي، وهذا ما حدث في سوريا أخيراً.
فمع سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، انتشرت صور ادعى أصحابها أنها من سجن صيدنايا وأخرى لاعتداءات متفرقة تقوم بها فئة من السوريين ضد آخرين، ليتبين لاحقاً أنها إما تعود لأحداث في بلدان أخرى وقديمة أو تعود لأحداث ووقائع ماضية في سوريا ومضت عليها أعوام عدة.
وعليه تسهم منصات التواصل الاجتماعي بنشر المعلومات الكاذبة وبسرعة فائقة تتجاوز أحياناً قدرة الصحافيين الحقيقيين والمؤسسات الإعلامية التقليدية على التحقق منها، لتضع المجتمع تحت براثن الإشاعات والتحريض، وغالباً ما تُغذّى بعناوين مثيرة للجدل ومحفزات عاطفية.
الفارق المهني
وفي الأعوام الأخيرة، كانت لحملات التضليل عواقب وخيمة، بدءاً من التأثير في الانتخابات وصولاً إلى المساهمة في أزمات الصحة العامة. وعلى رغم اتخاذ منصات التواصل الاجتماعي تدابير للحد من التضليل، إلا أن المشكلة لا تزال قائمة، مما يُبرز تحديات إدارة المحتوى على هذه المنصات الضخمة واللامركزية.
فهناك خيط رفيع بين تغطية موقف ما واتهام شخص بجريمة عن طريق الخطأ، إذ لم يقضِ "الصحافيون المواطنون" يوماً واحداً في غرفة أخبار أو قاعة دراسية في كلية الصحافة، حيث أمضى صحافيون مهنيون وقتاً طويلاً في تعلم كيفية كتابة القصص، كقصص الجريمة والقصص الاستقصائية، هناك حيث درسوا أن سوء استخدام الكلمات يؤدي إلى رفع دعوى تشهير، ووضع صورة في غير مكانها أو اجتزائها يغير المعنى والسياق يؤثر في المجتمعات وتفاعلها مع هذه القصص.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لا مراجعة
وعلى رغم أهمية وجود جهات ميدانية قادرة على بث احتجاج مباشر أو أي حدث إخباري آخر، إلا أن لكل منهم تعليقه الخاص على الحدث ولا يوجد من يشكك في التفاصيل. وبغض النظر عن التزامها بمعايير المجتمع، لا تُجري مواقع مثل "تويتر" مراجعة للمنشورات من قبل محررين محترفين قبل السماح بنشرها، وهذا يسمح للصحافيين المواطنين بإضفاء تحيزاتهم الخاصة سواء رغبوا في ذلك أم لا. كما يسمح لهم بتحريف التفاصيل أو المبالغة فيها أو اقتباس مصادر وهمية أو التحدث عن جانب واحد فقط من القضية.
وهذا لا يعني أن الصحافيين المحترفين لا يقومون بذلك، ولكن في بعض الحالات يتعرضون للطرد من العمل عندما تنتقدهم المؤسسة الإخبارية بسبب عدم دقتهم، وعليه فهم يتحملون مسؤوليةً قد لا يتحملها الصحافيون المنفردون المواطنون.