Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

6 أسباب وراء نفور العشائر العربية في سوريا من "قسد"

أبرزها تجنيد الشباب والأطفال وتغيير المناهج الدراسية والاختلاف حول عوائد النفط والإقصاء والتحالف مع نظام الأسد

خلافات جوهرية بين "قسد" والعشائر العربية منها ما يرتبط بالعلاقة الكردية الأميركية (أ ف ب)

ملخص

هناك أسباب عدة جعلت من العشائر العربية تنظر إلى "قسد" على أنها عدو، أو في الأقل تنظيم غير مرغوب فيه، وهذه الأسباب تتمثل في فرض التجنيد وتجنيد الفتيات والقصّر، وتغيير المناهج الدراسية بما يخالف خصوصية القبائل والاستئثار بعوائد النفط، إضافة إلى إقصاء "قسد" للعنصر العربي في إدارة المناطق العربية، فضلاً عن التحالف المريب مع النظام السابق، وآخرها الاختلاف الأيديولوجي بين "قسد" والعشائر العربية.

في السادس من يوليو (تموز) عام 2024، كانت قوات النظام السوري السابق تسيطر على غالبية أحياء مدينة حلب، باستثناء مناطق محددة في شمالها حيث سيطرت "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، تحديداً في حي الشهباء، حاجز لـ"قسد" يوقف الطفلة سيدرا عبدالحنان حسين التي تنحدر في الأصل من مدينة عفرين، واقتاد العناصر الطفلة التي هي من مواليد 2010 إلى أحد مراكز ما يسمى "واجب الدفاع الذاتي"، وهو يوازي مراكز الخدمة العسكرية التي كانت تنتشر في مناطق سيطرة النظام، وكلها تستخدم لسوق الشباب السوريين إلى التجنيد الإجباري بهدف القتال ضد أطراف الصراع الأخرى، إلا أن إحدى أهم "الكوارث" التي كانت تنفذها "قسد" هي تجنيد الفتيات والقاصرين، وفق بيانات أممية نسردها في هذا التقرير.

سيدرا حسين تنضم إلى قرابة 341 طفلاً اقتادتهم "قسد" إلى التجنيد الإجباري، غالبيتهم ينحدرون من محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، حيث الثقل العسكري الحقيقي لـ"قوات سوريا الديمقراطية".

وتجنيد الأطفال والتجنيد الإجباري للشباب، يضاف إليه وضع مناهج دراسية تخالف العادات والتقاليد الخاصة بأهالي شمال شرقي سوريا، وكذلك التعاون مع النظام السابق والاستئثار بعائدات النفط الضخمة ومنع العنصر العربي من الاشتراك في صنع القرارات المصيرية، وغيرها من الأسباب، دفعت أبناء القبائل والعشائر العربية في مناطق سيطرة "قسد" إلى اعتبار الأخيرة عدواً غير مقبول في مناطقهم، مطالبين باقتصار سيطرتها على المناطق ذات الغالبية الكردية، من دون أن يكون لها أي وجود في المناطق العربية.

التجنيد وتجنيد الفتيات والقصّر

في الخامس من يونيو (حزيران) عام 2023، أصدر مجلس الأمن الدولي تقريراً حول "الأطفال والنزاع المسلح عن عام 2022"، وورد في التقرير أن سوريا كانت أسوأ بلدان العالم على الأطفال في 2022، حيث سجل التقرير "تجنيد واستخدام 7622 طفلاً بينهم 1696 طفلاً في سوريا وحدها، وتصـدرت "قـوات سـوريا الديمقراطية" ووحـدات حماية الشـعب ووحدات الحماية النسـوية وقـوات الأمن الداخلي الخاضعة لسـلطة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سـوريا، قائمة الأطراف الأكثر استخداماً للأطفال في التجنيد الإجباري".

وقبل ثمانية أعوام من هذا التقرير، تحديداً في الـ15 من يوليو 2015، أصدرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" تقريراً حمل عنوان "قوات كردية تنتهك حظر تجنيد الأطفال"، أوضح أن "قسد"، "وقعت في يونيو 2014 صك التزام مع منظمة نداء جنيف غير الحكومية، تعهدت فيه بتسريح جميع المقاتلين دون عمر الـ 18 سنة في غضون شهر، وبعد شهر من توقيع الاتفاق، قامت وحدات حماية الشعب الكردية بتسريح 149 طفلاً، وعلى رغم الوعد الذي قدمته وتحقيق بعض التقدم، وثقت ’هيومن رايتس ووتش‘ على امتداد سنة من تاريخ التوقيع، التحاق أطفال دون عمر الـ18 سنة للقتال في صفوف الوحدات، ويبدو أن بعض الأطفال قتلوا خلال معارك عام 2015، وهناك 10 من بين 59 طفلاً التحقوا بوحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة عام 2014 هم دون عمر 15 سنة".

وبين هذين التقريرين والفارق الزمني الممتد إلى ثمانية أعوام، صدرت عشرات التقارير الأممية والحقوقية والإعلامية التي تسلط الضوء على ظاهرة تجنيد الأطفال في مناطق سيطرة "قسد"، وبعد ضغوط غربية ودولية قررت "قسد" عقد اتفاق جديد مع الأمم المتحدة حول هذه القضية، لكن هذه المرة وقع الاتفاق رأس الهرم في قيادة القوات مظلوم عبدي، ففي الأول من يوليو 2019، وصل مظلوم عبدي على رأس وفد من "قسد" إلى مقر الأمم المتحدة في جنيف، حيث وُقع اتفاق ينص على "منع تجنيد الأطفال دون عمر الـ18 سنة".

ويشمل الاتفاق الذي أطلق عليه اسم "خطة عمل"، تسريح الفتيات والفتيان المجندين حتى هذا التاريخ وفصلهم عن القوات، إضافة إلى منع وإنهاء تجنيد الأطفال، ووقع على الاتفاق من جانب الأمم المتحدة حينها الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالأطفال والنزاع المسلح فيرجينيا غامبا، وبتوقيع هذا الاتفاق اعتبرت "قسد" أولى الجهات المسلحة التي توقع هذا النوع من الاتفاقات، كما اعتبر التوقيع اعترافاً من "قسد" بوجود عمليات تجنيد في صفوفها، خلافاً للقانون الدولي الذي يمنع تجنيد الأطفال في القوات المسلحة أو استخدامهم في الأعمال القتالية دون سن الـ 18، وفق المادة الرابعة من البروتوكول الاختياري الملحق بـ"اتفاقية حقوق الطفل"، بينما يعتبر تجيند الأطفال دون عمر الـ 15 سنة جريمة حرب.

 

 

وليست هناك أرقام رسمية دقيقة لعدد عناصر "قوات سوريا الديمقراطية" وباقي الجماعات الكردية المسلحة التي تنضوي تحتها، إلا أن مراقبين يرون أن العدد الكامل لا يقل عن 20 ألفاً ولا يزيد على 30 ألفاً، فيما يرفض سكان مناطق شمال شرقي سوريا ذات الغالبية العربية الالتحاق بالتجنيد الإجباري في صفوف "قسد" الذي يمثل أحد أسباب التوتر بين الطرفين.

وعلى رغم أن العشائر والقبائل العربية اختلفت في ما بينها من ناحية الولاء لأطراف النزاع السوري المختلفة، فإن غالبيتها رفضت دعم مشروع "قسد"، ومع ذلك هناك أجنحة عربية عدة داعمة لمشروع "قسد" والإدارة الذاتية، إلا أن الطاغي هو مطالبة القوات باحترام خصوصية العشائر والمناطق العربية وعدم سوق أبنائها للتجنيد الإجباري، فضلاً عن عدم تجنيد القاصرين والأطفال، لكن أياً من ذلك لم يحصل، مما أسفر عن تكرار التظاهرات والتصعيد، ووصل إلى حد شن هجمات عسكرية ضد حواجزها، وتكرار طرد عناصر "قسد" من بعض القرى والبلدات، خصوصاً في محافظة دير الزور، حيث نسبة سكانها الأصليين من الأكراد شبه معدومة، وعلى رغم ذلك تسيطر "قسد" على كامل ريفها الشمالي وأجزاء واسعة من ريفيها الغربي والشرقي.

تغيير المناهج الدراسية "أيدولوجيا أوجلانية"

قبيل أسابيع من مطلع العام الدراسي 2020-2021، عقدت "الإدارة الذاتية" اجتماعاً مع المعلمين في مناطق سيطرتها بدير الزور والحسكة والرقة، الاجتماع استثنى معلمي مناطق سيطرة "قسد" بريف حلب، وخلاله أبلغت "الإدارة الذاتية" المعلمين بأنها ستطرح منهاجاً جديداً بدلاً من المنهاج المعمول به في مدارس المنطقة الشرقية.

وفي كتاب التاريخ الصفحة رقم 82، الدرس الرابع بعنوان "الأخلاق عند عبدالله أوجلان"، يتطرق الدرس إلى "الأخلاق التي يتمتع بها زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان"، وينتقد ما سماها "أخلاق المجتمعات المنحطة"، وفي كتاب الجغرافيا الصفحة 125 توجد خريطة لـ "دولة كردستان" وتضم أجزاء واسعة من سوريا والعراق وتركيا وإيران، ويتحدث الدرس عن "الطبيعة الجغرافية لدولة كردستان" الممتدة وفق الخريطة على كامل الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا لتصل إلى البحر المتوسط، وتقتطع أجزاء كبيرة من جنوب وشرق تركيا، وصولاً إلى كامل الحدود التركية- الأرمينية، ثم تتصل بجورجيا، وشرقاً تقتطع جزءاً كبيراً من الحدود العراقية الإيرانية.

وإعلان "قسد" تغيير المناهج الدراسية أثار موجة غضب واسعة النطاق في المنطقة الشرقية، حتى قرر وجهاء المنطقة صياغة بيان باللغة العربية والإنجليزية، وإرساله إلى الولايات المتحدة الأميركية، الداعم الرئيس لـ"قسد"، لمنعها من تغيير المناهج الدراسية، وبحسب البيان الصادر في يوليو عام 2020، فإن "المنهاج الذي تفرضه ’قسد‘ على المناطق التي تخضع لسيطرتها في المنطقة الشرقية منافٍ لموروثات ومبادئ وأخلاق أهالي المنطقة بصورة كاملة، وقد ألغى المنهاج تاريخ المنطقة العربي والإسلامي، وأزال جميع الشخصيات التاريخية واستبدلها بشخصيات تعتبرها ’قسد‘ نضالية مثل عبدالله أوجلان، إضافة إلى فتيات غير معروفات صدرتهن القوات على أنهن رمز للعطاء والتضحية، مما استفز أهالي المنطقة من دون استثناء".

ووفق بيان أهالي المنطقة الشرقية، فإن "المنطقة حافظت على تركيبتها السكانية منذ ستة قرون والقائمة على العشيرة كمكون اجتماعي وقيمي لها وعلى التعايش السلمي بين أبنائها، وعلى رغم ما تعرضت له المنطقة من احتلالات ومحاولات للتغيير فإنها حافظت على تماسكها وحاربت كل أنواع محاولات إخضاعها، مما قطع الطريق على أية محاولة لتغيير موروثها ومعتقداتها الدينية والاجتماعية والأخلاقية، أما التعديلات التي أجرتها الإدارة الذاتية على محتوى بعض الكتب فهي محاولة منها لطمس التاريخ العربي للمنطقة عبر إلغاء مادة التربية الإسلامية وإضافة كتب خاصة بالإلحاد والديانة الزردشتية واليزيدية، إضافة إلى تغيير أسماء بعض المناطق، وإذا مُرر هذا المنهاج فنحن أمام مشكلة كبيرة لأنهم مسيطرون عسكرياً على المنطقة، خصوصاً أن بعض المعلمين رفضوا تدريس هذا المنهاج التعليمي لأنه يتنافى مع قيم وأخلاق وتاريخ وحضارة المنطقة الشرقية، فهم سيكونون في خطر أمام التهديدات التي ربما تطاولهم من ’قسد‘، كما نخشى إجبار أولياء الأمور على إرسال أولادهم للتعلم ضمن المنهاج الجديد".

وإضافة إلى رفض سكان المنطقة مناهج "قسد"، فإن ذلك من جانب آخر يخالف أيضاً "اتفاقية جنيف" لعام 1949 التي تنص على أن "الدول التي تدخل إلى منطقة ما مسؤولة عن حماية أملاكها ومعتقدات أهلها والموروث الخاص بها"، وانتهاك هذه الاتفاقية كان سبباً آخر يُضاف إلى الأسباب التي شكلت حالاً من العداء بين أبناء العشائر العربية و"قسد".

الذهب الأسود... ناتج بلا عوائد

وتعد قضية النفط من الأسباب الرئيسة للتوتر بين "قسد" والعشائر العربية، خصوصاً في مناطق مثل دير الزور والحسكة التي تحوي أكبر حقول النفط والغاز في سوريا، حيث تسيطر "قسد" على أكبر أربعة حقول في البلاد (حقل العمر، وهو أكبر حقل على الإطلاق، وحقول التنك والرميلان والشدادي)، وهذه الحقول وغيرها مؤمنة من قبل قوات "قسد"، ويمنع المدنيون أو العشائر من الاقتراب أو التدخل في عمليات الإنتاج أو التسويق، ويُكرر قسم من النفط محلياً ويباع في السوق السوداء أو يُهرب إلى مناطق سيطرة النظام السابق أو شمال العراق، والأسعار عادة تكون أرخص من السوق العالمية، لكن الأرباح تذهب بصورة رئيسة إلى "الإدارة الذاتية"، وكانت شركة "القاطرجي" الوسيط بين النظام السابق و"قسد" في عمليات بيع النفط.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا توجد بيانات واضحة عن كمية الإنتاج أو كيف تُوزع العائدات، فترى العشائر أن النفط من أرضها ولا يعود لها شيء من مردوده، في المقابل تعاني المناطق الغنية بالنفط، خصوصاً دير الزور والحسكة فقراً شديداً وضعفاً في الخدمات وانعداماً للبنية التحتية على رغم الثروة النفطية، مما عزز شعور الأهالي بأن "قسد" تنهب الثروات من دون مقابل، كما يوجه الأهالي اتهامات لمسؤولين في "الإدارة الذاتية" أو متنفذين في "قسد" بوجود شبكات فساد وسرقة للنفط بالتعاون مع سماسرة محليين أو إقليميين.

في المحصلة، تعتبر العشائر العربية أن "قسد" تستغل ثروات النفط الموجودة في أراضيها، من دون أن توزع العائدات بعدل أو تطور المناطق التي تسيطر عليها، وتقصي أبناء تلك المناطق من إدارة مواردهم، مما زاد أيضاً من حال الاحتقان في الشارع  وظهر جلياً خلال الاحتفالات التي خرجت ليلة توقيع الاتفاق بين "قسد" والحكومة السورية، والقاضي بعودة المنطقة لسيطرة الدولة السورية.

إقصاء "قسد" العنصر العربي من الإدارة

وفي الهرم القيادي لتنظيم "قسد"، تعتمد على قادة أكراد في الصفوف الأولى، فيما يكون للعنصر العربي دور محدود للغاية ضمن المناطق ذات الغالبية العربية، فشكلت هذه القضية محوراً حساساً ورئيساً في الخلاف بين العشائر العربية و"قسد"، إذ تعتبر العشائر العربية أن القوات الكردية "تقصيها" من إدارة مناطقها، ففي بداية تشكيل "قسد" كانت وحدات حماية الشعب الكردية "YPG" العمود الفقري لها، لكن بعد التوسع في المناطق العربية، خصوصاً في الرقة ودير الزور، صار مطلوباً من "قسد" إشراك العرب، فجرى ضم مقاتلين وإداريين عرب، لكن القيادة الفعلية والمفاصل المهمة ظلت بيد العناصر الكردية، خصوصاً المرتبطين بحزب العمال الكردستاني، وبقي الوجود العربي يقتصر على بعض المجالس المدنية والهيئات، لكن القرارات المهمة والمصيرية تحسم من قبل كوادر كردية، بخاصة في الملفات الأمنية والعسكرية والمالية، وإضافة إلى ذلك جرى تهميش كثير من الكفاءات العربية ممن يتمتعون بالخبرات، أو لديهم وزن عشائري، وفي بعض الحالات تُختار شخصيات عربية غير مؤثرة للعمل في "الإدارة الذاتية".

وتهميش العنصر العربي وفرض نمط إدارة جديد على مناطق عشائرية لها طابع قبلي تقليدي، سبّبا صداماً ثقافياً وحساسية في المنطقة، وعلى رغم أن الهيكلة العسكرية لـ"قسد" تضم عناصر عرب، فإن المناصب القيادية (قادة القطاعات والاستخبارات والتنسيق الدولي) تبقى غالباً بيد القيادات الكردية، لذلك يشعر العرب بأنهم سكان بلا قرار، خصوصاً في مناطقهم، وهذا الشعور بالغبن خلق محاولات تمرد محلية مثل التظاهرات والاحتجاجات، ووصل الأمر ببعض العشائر إلى التحالف مع أطراف أخرى (مثل النظام أو الفصائل المدعومة تركياً) لأسباب مصلحية أو قومية.

وإقصاء العرب من إدارة مناطقهم سبب توترات مع "قسد"، مرجعها الأساس الإقصاء السياسي والتهميش الخدمي وغياب التمثيل الحقيقي، وتحولت إلى أعمال عنف وتمرد، ومثال على ذلك التمرد العشائري في دير الزور في أغسطس (آب) عام 2023، حيث ثار عدد من أبناء قبيلتي البكارة والعكيدات ضد "قسد"، وتبعت ذلك اشتباكات عنيفة بين مقاتلي العشائر و"قسد"، كما خرجت تظاهرات حاشدة تحمل شعارات من أبرزها "نريد حكماً عربياً للمناطق العربية" و"قسد تهمش أبناء الأرض وتتحكم بالموارد"، وفي تصريحات سابقة لأحد شيوخ عشيرة العكيدات قال إن "العرب مهمشون في الإدارة، وأبناء المنطقة لا يستشارون في شؤونهم، بينما تدار مناطقهم من غرباء، نطالب بخروج غير أبناء المنطقة من دير الزور وبتمكين العرب من إدارة شؤونهم".

وخلال عامي 2022 و2023، نظمت تظاهرات متكررة في محافظة الرقة تطالب بوقف التجنيد الإجباري وتحسين الخدمات وتمكين العرب من إدارة مناطقهم، وسبق ذلك عام 2021 أن أصدر مجلس قبيلة الولدة (أحد فروع قبيلة العنزة في الرقة) بياناً مما ورد فيه "نرفض التهميش والتجنيد القسري، ونطالب بإدارة محلية نابعة من أبناء المنطقة".

وللمفارقة، كانت "قسد" خلال هذه الأحداث تتهم جهات خارجية مثل تركيا والنظام السابق وتنظيم "داعش" الإرهابي بتحريض أبناء القبائل ضدها.

التحالف المريب مع النظام السابق

تحالف "قسد" مع النظام السوري السابق هو ملف معقد ومتعدد الأوجه، يراوح ما بين التنسيق المحدود والتحالف التكتيكي، لكنه دائماً كان يثير شكوكاً ومخاوف سواء عند العشائر العربية أو المعارضة أو حتى الدول الداعمة لـ"قسد".

وكان هذا التحالف "تكتيكياً ليس شاملاً ولا دائماً"، فلم يكُن الطرفان أعداء مباشرين ولا حلفاء استراتيجيين، وإنما تجمعهما تفاهمات أمنية في بعض المناطق، إضافة إلى اتفاقات موقتة إذا كان هناك "خطر" خارجي، وكل ذلك كان يتم بتنسيق من الوسيط الروسي، وأقرب مثال على ذلك، عندما شنت تركيا عملية "نبع السلام" في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019، دعت "قسد" النظام إلى الدخول لبعض المناطق مثل منبج وعين العرب، ورفعت أعلام النظام السابق على عدد من مقارها العسكرية لتجنبها الاستهداف التركي، ومن جانب آخر على رغم سيطرة "قسد" على مدينتي الحسكة والقامشلي، فإن النظام كان يسيطر على "مربع أمني" في المدينتين، وكان هذا المربع يتعرض للحصار في كل توتر يحصل بين "قسد" والنظام، فكانت العلاقة بينهما أشبه ما تكون بـ"التعايش".

 

 

وعلى الصعيد الاقتصادي، كان النظام وبسبب العقوبات المفروضة عليه، لا يملك من يصدر لمناطق سيطرته النفط باستثناء إيران، لذلك كان مجبراً على التعامل مع "قسد" واستيراد النفط منها من خلال وسطاء وسماسرة محليين، من أشهرهم حسام قاطرجي "أحد أشهر أمراء الحرب السورية".

والعشائر العربية كانت تنظر إلى علاقة "قسد" مع النظام على أنها "نفاق سياسي" وفق تعبيرها، لأن "قسد" تقاتل النظام إعلامياً وتنسق معه في الخفاء، كما أن مناطق سيطرتها لم تتعرض على الإطلاق للقصف الذي كان ينفذه النظام على مناطق سيطرة المعارضة، أما أميركياً فكانت واشنطن تدعم "قسد" ضد "داعش"، لكنها لا ترحب بتعاونها مع النظام، ومع ذلك تتغاضى أحياناً عن هذه العلاقات إذا كانت تكتيكية وموقتة. ومع سقوط النظام اعترفت "قسد" على الفور بـ"انتصار الثورة السورية" ورفعت العلم السوري الجديد فوق مقارها ودوائر "الإدارة الذاتية"، وحملت النظام السابق مسؤولية ما آلت إليه البلاد.

والعلاقة المريبة وغير الواضحة لـ"قسد" مع النظام السابق كانت محط جدل وأثارت حفيظة العشائر العربية، فكانت سبباً آخر يدفعها إلى النفور من "قسد".

الاختلاف الأيديولوجي بين "قسد" والعشائر العربية

الاختلاف الأيديولوجي بين "قسد" والعشائر العربية يمثل أحد أعمق جذور التوتر لأنه لا يتعلق فقط بالسياسة أو النفوذ، بل بفهم مختلف للحياة والمجتمع والسلطة، فـ"قسد" ليست فقط تشكيلاً عسكرياً، بل تستمد فكرها من مشروع سياسي أوسع تقوده "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" التي تقوم على فكر عبدالله أوجلان الذي يُعرف بـ"الفيدرالية الديمقراطية"، ووفق ما تعلنه "الإدارة الذاتية"، فإن رؤيتها تقوم على "رفض الدولة القومية والدعوة إلى حكم ذاتي محلي تشاركي، يعتمد على الإدارة اللامركزية والمساواة الجندرية والعلمانية، ومشاركة كل الإثنيات والأديان في الإدارة"، أما التركيبة الاجتماعية التي تتحدث عنها "قسد" فهي "مجالس محلية منتخبة ومشاركة المرأة إجبارياً بنسبة 50 في المئة ودمج كل المكونات في مؤسسات الدولة".

في الضفة الأخرى، تعتمد العشائر العربية في شمال شرقي سوريا على نمط تقليدي محافظ قبلي، والسلطة بمنظورها تمارس من قبل الشيوخ ووجهاء العشائر، وتعد الأسرة والقبيلة هي الوحدة الأساس للمجتمع، فيما يتمتع الدين (الإسلام خصوصاً) بمكانة عالية.

وهذا الشرخ الواسع في المفاهيم بين الطرفين سبب نفوراً لدى القبائل العربية من وجود "قسد" في مناطق سيطرتها، ومن أبرز وجوه المقارنة بين الجانبين أن "قسد" ترفض السلطة القبلية باعتبارها "بنية سلطوية ذكورية"، فيما ترى العشائر أن "قسد" تفرض أفكاراً غريبة على بيئة محافظة، وأيضاً تفرض القوات مشاركة النساء في مجالس الحكم، وحتى في العمل العسكري، أما العشائر فترى أن هذا يتجاوز الثوابت الدينية والعرفية لديهم، وأيضاً "قسد" تبعد الدين من التعليم والسياسة، فيما تتهمها العشائر بـ"محاربة الدين" أو في الأقل بـ"تجاهل الإسلام"، وإضافة إلى هذا كله يختلف الخطاب الأيديولوجي بين الطرفين، فتتحدث "قسد" عن مفاهيم مثل "الثورة المجتمعية وتحرر المرأة"، فيما تتحدث العشائر بلغة "الكرامة والشرف والعادات وحماية الهوية العربية والإسلامية".

كيف يمكن حل القضايا العالقة بين "قسد" والعشائر؟

يرى مراقبون أن حل جميع القضايا العالقة بين "قسد" والعشائر العربية يكمن في خيارين، الأول دمج "قسد" بوزارة الدفاع السورية وعودة مناطق شمال شرقي سوريا لإدارة الحكومة المركزية، وبذلك لن يكون هناك وجود لـ"قسد"، أما الخيار الثاني، فهو إذا بقيت "قسد" ككيان عسكري في مناطقها، فالحل هو أن ينحصر وجودها ضمن المناطق ذات الغالبية الكردية وتحويل إدارة المناطق العربية إلى أبناء المنطقة بالتنسيق مع الحكومة المركزية.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات