ملخص
تدير حكومة صوماليلاند، التي أعلنت انفصالها عن الصومال عام 1991، شؤونها الداخلية عبر حكومة ومؤسسات مستقلة وعملة خاصة، إلا أنها لم تحصل بعد على اعتراف دولي رسمي.
بعد محادثات سلام استمرت أكثر من عقد من الزمان، فاجأ مجلس وزراء إقليم صوماليلاند الجميع بتعليق التفاوض مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو، التي استمرت أكثر من عقد، احتجاجاً على زيارة رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، مدينة لاسعانود التابعة للإقليم .
وقال وزير الإعلام في صوماليلاند، أحمد ياسين شيخ علي، إنه "اعتباراً من الأربعاء لن نكون طرفاً في أية مفاوضات مع الحكومة الفيدرالية الصومالية"، متهماً مقديشو بارتكاب انتهاكات متكررة لسيادة الإقليم.
ووصف زيارة رئيس وزراء الصومال إلى منطقة سول في صوماليلاند من دون التشاور مع هرجيسا، بأنها "تشكل انتهاكاً خطراً للسيادة الإقليمية لصوماليلاند والقانون الدولي"، مضيفاً أنها "استفزاز مُتعمد ومحاولة لزعزعة الاستقرار قد تُؤجج الصراع في منطقة القرن الأفريقي".
كانت جولات عدة من الحوار بين الجانبين قد عُقدت سابقاً برعاية دولية في كل من جيبوتي وتركيا والإمارات، لكنها فشلت في التوصل إلى تسوية سياسية.
وتدير حكومة صوماليلاند، التي أعلنت انفصالها عن الصومال عام 1991، شؤونها الداخلية عبر حكومة ومؤسسات مستقلة وعملة خاصة، إلا أنها لم تحصل بعد على اعتراف دولي رسمي.
ويعد التصعيد الحالي هو الأخطر بين الإقليم غير المعترف به والدولة الأم. ويأتي في ظل تردد معلومات عن اعتراف أميركي محتمل باستقلاله في إطار صفقة تتعلق بتهجير الفلسطينيين.
ذريعة التصعيد
من جهته يرى المحلل السياسي الصومالي عيدي محمد، أن قرار مجلس الوزراء في إقليم صوماليلاند، والخاص بتعليق المحادثات التي استمرت أكثر من 13 عاماً بين مقديشو وهرجيسا، يعد علامة على عجز الإقليم عن معالجة الأخطاء التي وقع فيها نظام الرئيس السابق موسى بيهي عبدي، الذي غادر الحكم عام 2024.
وقدر عيدي أن الإدارة الحالية في هرجيسا تسلمت تركة ثقيلة من الأخطاء، من بينها مذكرة التفاهم الموقعة بين هرجيسا وأديس أبابا في يناير (كانون الثاني) 2024، التي تنص على منح القوات البحرية الإثيوبية الحق في التموضع على سواحل الإقليم في خليج عدن، وبناء قاعدة عسكرية في مدينة لوغهايا، مقابل اعتراف أديس أبابا بصوماليلاند كدولة ذات سيادة.
وأشار الباحث الصومالي إلى أن مقديشو نجحت عبر جهودها الدبلوماسية الواسعة، ليس في إبطال أثر المذكرة وحسب، بل تمكنت من إبرام اتفاق يحمي مصالح الصومال ككل، ويؤكد اعتراف إثيوبيا بوحدة الأراضي الصومالية شمالاً وجنوباً، مما أعاد هرجيسا إلى المربع الأول، بخاصة بعد إعلان توقيع اتفاق أنقرة وبدء أعمال اللجان المشتركة بين مقديشو وأديس أبابا.
وأوضح أن زيارة رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي بري مدينة لاسعانود اتخذت كذريعة للتصعيد ضد مقديشو، بخاصة بعد تخلي الطرف الإثيوبي عن تحقيق آمال الاعتراف الدولي بصوماليلاند.
خطة التهجير
عامل آخر برز أخيراً عن سعي هرجيسا إلى التعاطي مع الخطة الأميركية في شأن تهجير فلسطينيي غزة، وفق عيدي الذي أضاف، "على رغم عدم وجود تصريحات رسمية من هرجيسا فإن مصادر أميركية عدة أشارت إلى إمكان تعاطي إدارة صوماليلاند مع الخطة الأميركية، لاستقبال المهجرين الفلسطينيين مقابل الحصول على الاعتراف الدولي".
ورجح المحلل الصومالي أن إيقاف المحادثات مع مقديشو من شأنه أن يمنح الفرصة لهرجيسا للتعاطي مباشرة مع الخطة الأميركية وغيرها من المقترحات مقابل الحصول على الاعتراف الدولي، بخاصة أن مذكرة التفاهم التي وقعها بيهي مع آبي أحمد كانت لها انعكاسات سلبية، إذ استفادت منها مقديشو أكثر من غيرها، وتمكنت من انتزاع الاعتراف الدولي بوحدة الأراضي الصومالية، عبر قرارات عدة صادرة من الأمم المتحدة والاتحادين الأفريقي والأوروبي وجامعة الدول العربية.
كذلك أكد اتفاق أنقرة الموقع بين أديس أبابا ومقديشو على المبدأ ذاته، وبناء عليه فإن زيارة رئيس الوزراء الصومالي مدينة لاسعانود لا تمثل استثناء ولا تنتهك أية اتفاقات أو قوانين، بل هي زيارة بروتوكولية لمنطقة يعترف المجتمع الدولي بوقوعها تحت السيادة الصومالية.
من جهة أخرى، نبه عيدي إلى أن إيقاف مسار المحادثات بين مقديشو وهرجيسا، سيحرم الأخيرة من منبر دولي، ويضاعف من عزلتها الإقليمية والدولية، ولن يسهم في جهود الاعتراف الدولي، إلا إذا كانت تراهن على الخطة الأميركية التي تردد صداها في الإعلام الأميركي .
انتفاء الشروط
الناشط السياسي من صوماليلاند عبدالقادر يبال، اعتبر أن قرار مجلس وزراء الإقليم تعليق المحادثات مع مقديشو، يأتي في إطار المهمة الموكلة للحكومة المنتخبة من الشعب، مشيراً إلى أن الرئيس عبدالرحمن محمد عبدالله، الذي انتخب في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، كان قد تعهد أثناء الحملة الانتخابية استئناف المحادثات مع مقديشو فور انتخابه بالشكل الذي حافظ على استقلالية وسيادة صوماليلاند.
وقال في حوار إذاعي، "إذا انتُخبت، فسأستأنف المحادثات إذا كان ذلك في مصلحة أرض الصومال، وفي الوقت نفسه سأدرس المحادثات الفاشلة السابقة والجدوى من استمرارها"، مضيفاً "لم يكن خيارنا إجراء أية محادثات مع مقديشو لأن هدفنا كان دائماً الحصول على استقلالنا من دون الحاجة إلى اعتراف الصومال، لكن المجتمع الدولي حثنا على ضرورة الحوار، ومن ثم فإن استمرار المحادثات كان خاضعاً لشرطين الحفاظ على سيادة واستقلالية أرض الصومال وتوفر جدوى فعلية للمحادثات"، وتابع، "أمام السلوك الذي يناقض الشرطين في زيارة رئيس وزراء مقديشو أراضي صوماليلاند فإن الحاجة إلى استمرار المحادثات لم تعد ضرورية ومجدية"، موضحاً أن إعلان تعليق المحادثات يعد قراراً جريئاً وموضوعياً ويجد قبولاً كبيراً من شعب صوماليلاند الذي عارض العبث بسيادته من قبل مسؤولين سامين تابعين لحكومة مقديشو".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يرى يبال أن الثقة التي منحها الناخبون للحكومة الجديدة مشروطة بتحقيق أهداف الاعتراف الدولي، إذ إن الاستقلال قد تحقق منذ أكثر من 34 عاماً، ولم تعد هرجيسا مرتبطة بمقديشو، سواء على مستوى النظام السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو العسكري، كذلك فإنها تتمتع بعلاقات دبلوماسية مع دول عدة، وثمة بعثات دبلوماسية معتمدة في البلاد، ومن ثم على مقديشو قبول هذه الحقيقة التي أصبحت واقعاً ممارساً لأكثر من ثلاثة عقود.
نموذج ديمقراطي
الناشط عبدالقادر يبال أوضح كذلك أن زيارة رئيس وزراء صومالي إحدى المدن الخاضعة لسيادة صوماليلاند، لم تكن وحدها المعضلة بل كانت بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس، ضمن سلسة طويلة من الانتهاكات والتدخلات الصومالية في شؤون صوماليلاند، مشيراً إلى أن عدم الحصول على الاعتراف الدولي لا يقلل من حقيقة الاستقلال الذي تتمتع به هرجيسا، ولا يبرر لمقديشو اختراق سيادة أراضي صوماليلاند كدولة مجاورة.
ورجح يبال أن يكون التعليق كأداة ضغط ناجعة وليس هدفاً في حد ذاته، إذ يمكن التفاوض لاحقاً ربما بوساطة إقليمية أو دولية، للعودة للمحادثات بشرط التزام مقديشو احترام سيادة واستقلال صوماليلاند، خصوصاً أن هناك تعهدات غربية (أوروبية وأميركية) بالنظر في مسألة الاعتراف الدولي بهرجيسا، بخاصة أن المجتمع الدولي بات أكثر تفهماً لهذا المطلب، في أعقاب الانتخابات الأخيرة التي تمثل سابقة في منطقة القرن الأفريقي، إذ فشل الرئيس المنتهية ولايته في العودة إلى السلطة في حين تمكن حزب معارض من حصد أغلب أصوات الناخبين، لتقدم هرجيسا نموذجاً سلساً وديمقراطياً للتداول السلمي للسلطة في منطقة موبوءة بالصراعات المسلحة حول الثروة والسلطة.