ملخص
تمثل الصين 61 في المئة من الإنتاج العالمي من المعادن الأرضية النادرة المستخرجة من المناجم، لكن سيطرتها على مرحلة المعالجة تمثل 92 في المئة من الإنتاج العالمي، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية.
بعد أقل من عام على بدء الحرب التجارية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الصين، قام الزعيم الصيني شي جينبينغ بزيارة رفيعة المستوى لمصنع متواضع في قانتشو، وهي مدينة صناعية تقع بين تلال متدحرجة في جنوب شرقي البلاد.
في عام 2019، تجول شي في قاعة المعرض، وتفقد صفوفاً من كتل معدنية رمادية عادية، وأعلن لحاشيته من مسؤولي الحزب الشيوعي أن "المعادن النادرة مورد استراتيجي حيوي".
بعد ما يقارب من ستة أعوام، برزت هيمنة الصين على سلسلة توريد المعادن النادرة بوصفها واحدة من أقوى أدواتها في حرب تجارية متجددة مع رئيس الولايات المتحدة.
وتستخدم تلك المعادن في تشغيل كل شيء من أجهزة "آيفون" إلى السيارات الكهربائية ومكونات حيوية لأنواع التكنولوجيا المتقدمة التي ستحدد مستقبل العالم.
وعلى عكس الرسوم الجمركية، فإن هذه جبهة لا يملك ترمب فيها مجالاً كبيراً للرد بالمثل، والمعادن النادرة هي مجموعة من 17 عنصراً، وهي أكثر وفرة من الذهب، ويمكن العثور عليها في عديد من البلدان، بما في ذلك الولايات المتحدة، لكن استخراجها ومعالجتها أمر صعب ومكلف وملوث للبيئة.
الصين تستحوذ على 61 في المئة منها
لعقود، اعتمدت الولايات المتحدة ودول أخرى على إمدادات بكين من هذه المعادن المعالجة، إذ تمثل الصين 61 في المئة من الإنتاج العالمي من المعادن الأرضية النادرة المستخرجة من المناجم، لكن سيطرتها على مرحلة المعالجة تمثل 92 في المئة من الإنتاج العالمي، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية.
في الرابع من أبريل (نيسان) الجاري، وبعد أعوام من التحذيرات المبطنة، فرضت الحكومة الصينية قيوداً على تصدير سبعة أنواع من المعادن الأرضية النادرة، رداً على الرسوم الجمركية "التبادلية" التي فرضها ترمب على السلع الصينية بنسبة 34 في المئة، وتلزم القواعد الجديدة جميع الشركات بالحصول على إذن حكومي لتصدير المعادن السبعة، إضافة إلى المنتجات المرتبطة بها، مثل المغناطيس.
وتمكن المغناطيسات المصنوعة من المعادن النادرة من تصنيع محركات ومولدات أصغر حجماً وأكثر كفاءة، تستخدم في الهواتف الذكية، ومحركات السيارات والطائرات النفاثة، وأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، وهي مكونات أساسية في مجموعة من الأسلحة باهظة الثمن، من طائرات الشبح المقاتلة "أف-35" إلى الغواصات الهجومية التي تعمل بالطاقة النووية.
في تعليقه على ذلك، قال المتخصص في الشأن الاقتصادي والسياسات العامة في جامعة ميشيغان جاستن وولفرز، "تظهر الصين قدرتها على ممارسة قوة اقتصادية هائلة من خلال استراتيجيتها، وتدخلها الجراحي، وضرب الصناعة الأميركية في مأزقها".
ومنذ إدارة ترمب الأولى، تحاول الولايات المتحدة اللحاق بالركب وبناء سلسلة توريد محلية خاصة بها للمعادن النادرة.
وأعلنت ثلاث شركات أميركية في صناعة المعادن النادرة أنها بصدد توسيع قدراتها الإنتاجية والحصول على المواد من حلفاء الولايات المتحدة وشركائها، لكن هذه الجهود ستستغرق أعواماً لتلبية الطلب الهائل من الصناعات الأميركية الرئيسة.
بكين تعلق طلبات الشركات الأميركية
في الوقت الحالي، بدأ تأثير ضوابط التصدير التي تفرضها بكين يظهر بسرعة على أرض الواقع، فقال مؤسس شركة استشارات المعادن الأرضية النادرة "جي أو سي" جون أورميرود، إن "شحنات المعادن الأرضية النادرة التي تنتمي إلى خمس شركات أميركية وأوروبية في الأقل توقفت في الصين منذ فرض الأمر، لقد فوجئوا، مما أثار لبساً كبيراً لديهم، وكانوا في حاجة إلى توضيح من السلطات في شأن ما هو مطلوب (للحصول على تراخيص التصدير المطلوبة)".
من جهته، يرى الرئيس التنفيذي لشركة "يو أس أي رار إيرث" جوشوا بالارد، أن ضوابط التصدير تركز على المعادن النادرة "الثقيلة"، التي تسيطر عليها الصين بنسبة 98 في المئة (المعادن النادرة الثقيلة أقل شيوعاً، وأصعب في المعالجة، وأكثر قيمة). أوضح، أن هذا يعني أن على الشركات الآن الحصول على موافقة بكين لتوريد هذه المواد الحيوية إلى الصناعات الأميركية الرئيسة.
أضاف، "في الوقت الحالي، يتم تعليق هذه الصادرات حرفياً، ليس لدينا كثير من هذه المواد في المخزون هنا في الولايات المتحدة، وهذه هي أفضل فرصة للصين، وليس لديهم نفوذ كبير عندما يتعلق الأمر بفرض الرسوم الجمركية علينا، لكنهم بالتأكيد يتمتعون بنفوذ هنا".
فيما يرى مدير شركة "جينغر" للتجارة والاستثمار الدولية المتخصصة في سلسلة توريد المعادن والفلزات ومقرها سنغافورة توماس كرومر، إن ضوابط التصدير لا تستهدف المواد الفردية فحسب، بل تشمل أيضاً السبائك والمنتجات التي تحوي عناصرها، حتى بكميات ضئيلة.
وأضاف، "يخضع كثير من الصادرات الآن لنظام التراخيص هذا"، مشيراً إلى أنه من المتوقع حدوث بعض التأخيرات أثناء تعامل المصدرين مع النظام الجديد.
كيف سيطرت الصين على المعادن النادرة؟
وبدأت الصين مبكراً في استخراج المعادن الأرضية النادرة، بدءاً من خمسينيات القرن الماضي، وفقاً لوسائل الإعلام الرسمية، لكن هذه الصناعة لم تبدأ بالتطور الفعلي إلا في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وخلال تلك الفترة، جمعت الصين بين انخفاض كلف العمالة والمعايير البيئية المتساهلة نسبياً واعتماد التقنيات الأجنبية، وفقاً لما ذكره ستان تراوت، مؤسس شركة "سبونتانيوس ماتيريالز" للاستشارات في مجال المعادن الأرضية النادرة والمواد المغناطيسية.
وقال، "طورت كثير من التقنيات التي جلبوها هنا في الولايات المتحدة أو في اليابان أو في أوروبا. ومع مرور الوقت، أنا متأكد من أنهم أدخلوا تحسينات عليها".
ومع ازدياد إنتاج البلاد من المعادن الأرضية النادرة، أدركت بكين تدريجاً الأهمية الاستراتيجية لهذه المعادن.
وأضاف تراوت، "كان هناك إدراك لأن هذه التقنية قد تكون بالغة الأهمية بالنسبة إليهم لإتقانها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في عام 1992، وخلال زيارة لأحد أهم مراكز إنتاج المعادن الأرضية النادرة في البلاد في منغوليا الداخلية، قال دنغ شياو بينغ الزعيم الصيني السابق الذي قاد الإصلاحات الاقتصادية في البلاد، مقولته الشهيرة "بينما يوجد النفط في الشرق الأوسط، تمتلك الصين معادن أرضية نادرة"، واليوم، حققت الصين رؤية دنغ من خلال سيطرتها على سلسلة توريد هذه المواد بأكملها.
في حين أن كلف العمالة أصبحت أعلى الآن، إلا أن سيطرة الصين على هذه الصناعة قد ترسخت بفضل "استعدادها للاستثمار في التكنولوجيا والبحث والتطوير والأتمتة" في صناعة كثيفة رأس المال، كما قال أورميرود.
كانت هناك في السابق شركات أميركية تصنع هذه المغناطيسات الأرضية النادرة، لكن أورميرود أشار إلى أنها انسحبت تدريجاً من هذا العمل مع ظهور بدائل صينية أقل كلفة.
وقال، "لقد فقدنا المعرفة الفنية، وفقدنا قدرات الموارد البشرية، وهذه عملية كثيفة رأس المال"، موضحاً أنه من الصعب الآن منافسة "السعر الصيني"، نظراً إلى اقتصادات الحجم الكبيرة التي تتمتع بها البلاد، إضافة إلى الحوافز الحكومية التي منحتها ميزة إضافية.
وما بين عامي 2020 و2023، اعتمدت الولايات المتحدة على الصين في 70 في المئة من وارداتها من جميع مركبات ومعادن الأرض النادرة، وفقاً لتقرير صادر عن هيئة المسح الجيولوجي الأميركية هذا العام.
تاريخ استخدام المعادن النادرة كورقة ضغط
لكن ليست ضوابط التصدير الأخيرة المرة الأولى التي تستغل فيها بكين هيمنتها على هذه الصناعة. ففي عام 2010، أوقفت الصين شحنات المعادن الأرضية النادرة إلى اليابان لما يقارب من شهرين بسبب نزاع إقليمي.
وفي أواخر عام 2023، فرضت بكين حظراً على تقنيات استخراج وفصل المعادن الأرضية النادرة، وقيدت بكين صادرات معادن حيوية أخرى، وهي فئة أوسع من الموارد المعدنية الحيوية للاقتصاد وسلاسل التوريد العالمية.
ويرى محللون ومطلعون على الصناعة، أن ضوابط التصدير الصينية تركت بقية العالم أمام بدائل محدودة للغاية، لكن الولايات المتحدة تعمل على سد هذه الفجوة.
ومنذ عام 2020، منحت وزارة الدفاع الأميركية أكثر من 439 مليون دولار لإنشاء سلاسل توريد محلية لعناصر الأرض النادرة.
وقد حددت هدفاً لتطوير سلسلة توريد مستدامة، من المناجم إلى المغناطيس، قادرة على تلبية جميع متطلبات الدفاع الأميركية بحلول عام 2027.
وترى بعض الشركات الأميركية أن ضوابط التصدير الصينية فرصة لتسريع الإنتاج المحلي والدفع نحو سلسلة توريد أقوى خارج الصين.
من جانبه يرى الرئيس التنفيذي لشركة "فينيكس تايلنغز" نيكولاس مايرز، أن "شركته طورت تقنية لتكرير المعادن الأرضية النادرة بصفر نفايات وانبعاثات وتحويلها إلى معادن وسبائك معدنية، حيث يتم الحصول على المواد من خامات محلية إضافة إلى كندا وأستراليا، وتنتج شركته حالياً 40 طناً مترياً من المعادن الأرضية النادرة وسبائكها سنوياً، وتهدف إلى زيادة الإنتاج إلى 400 طن من خلال منشأة جديدة في نيو هامبشاير".
وقال، "المعالجة تتم محلياً بالكامل. لا نعتمد على أي شيء من الصين"، مضيفاً "تمتلك الولايات المتحدة القدرات اللازمة لإنتاج المعادن الأرضية النادرة في الوقت المناسب الذي نحتاج إليه حقاً، علينا فحسب التأكد من أن جميع العملاء وجميع صانعي السياسات يركزون على دعم الصناعة لتوسيع نطاقها بصورة حقيقية".