Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد شهادته الصادمة في الكونغرس... "حفار قبور" سوريا يظهر مجددا

جثث نقلت في شاحنات تبريد مخصصة لنقل المواد الغذائية لضحايا قضوا تحت التعذيب والتنكيل

محمد عفيف نايفة... شهادة برتبة قيصر تدين النظام السوري السابق (أ ف ب)

ملخص

بعد ثلاثة أعوام على الإدلاء بشهادته، تبدل المشهد في سوريا وعاد الأمان بعد انتصار الثورة، ليكشف الشاهد عن صورته واسمه الحقيقي من دون خوف، فأعلن خلال فعالية في جامعة هارفارد الأميركية أن اسمه الحقيقي محمد عفيف نايفة، من أبناء العاصمة السورية دمشق.

تحت قبة الكونغرس الأميركي يوم الـ16 من مارس (آذار) 2022، تزامناً مع الذكرى السنوية الـ 11 لاندلاع الانتفاضة السورية ضد حكم "البعث"، استقبلت المؤسسة الدستورية الأولى في الولايات المتحدة شاباً يُخفي وجهه لأسباب أمنية، ويحمل في جعبته الكثير من الأسرار التي رواها عندما كان "حفاراً للقبور"، يعمل لدى حكومة نظام الأسد، فدفن بيديه جثثاً لا تُعد ولا تُحصى لمعتقلين قتلوا تحت التعذيب.

شهادة الحفار كانت دليلاً آخر يُضاف إلى سيل الأدلة التي تتهم نظام "البعث" باستخدام العنف لقمع المدنيين السوريين، بل وحتى اعتقال وقتل أشخاص ليسوا سوريين وبينهم أميركيون.

بعد ثلاثة أعوام على الإدلاء بشهادته، تبدل المشهد في سوريا وعاد الأمان بعد انتصار الثورة، ليكشف الشاهد عن صورته واسمه الحقيقي من دون خوف، فأعلن خلال فعالية في جامعة هارفارد الأميركية أن اسمه الحقيقي محمد عفيف نايفة، من أبناء العاصمة السورية دمشق.

نقل جثث الضحايا بالشاحنات

بالرجوع في الزمن لثلاثة أعوام خلت والعودة إلى شهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي حول السياسة الأميركية تجاه سوريا عام 2022، يروي محمد عفيف نايفة قصته مع قبور السوريين، فيقول إنه كان شاهداً على الفترة بين 2011 وحتى 2018، ويؤكد أنه شخص مدني، كان موظفاً إدارياً في بلدية دمشق قبل 2011، لكن بعد اندلاع الثورة أجبرته استخبارات النظام على العمل لديها للتخلص من الجثث القادمة من المعتقلات، ويضيف: "كانت ثلاث شاحنات مقطورة تصل مرتين في الأسبوع محملة بما يتراوح بين 300 و600 جثة لضحايا التعذيب والقصف والذبح، إضافة إلى أربع شاحنات صغيرة تصل مرتين في الأسبوع تحمل 30 إلى 40 جثة لمدنيين أعدموا في سجن صيدنايا، وكان يتم التخلص منهم بأبشع الطرق غير الإنسانية، أعرف بالضبط المكان الذي تم تكديسهم فيه، في مقابر جماعية لا تزال قيد الحفر حتى اليوم، بحسب تأكيد آخرين ممن عملوا معي سابقاً في المقابر الجماعية وهربوا أخيراً، الإعدامات طاولت مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء، كذلك جرى تجويع وتعذيب الرجال والنساء والأطفال والشيوخ واغتصابهم وحرقهم وقتلهم بأكثر الطرق سادية التي يمكن للمرء أن يتخيلها".

الجثة الحية

يضيف الشاهد الذي تقاطعت روايته مع الصور التي سربها قيصر، أنه "كان من بين القتلى أميركيون، بينهم صحافيون وعاملون في المجال الإنساني، لن أنسى أبداً كيف سخرت قوات الأسد وجاهرت بتعذيب وقتل ودفن أميركيين وأوروبيين أيضاً، عشت مع الموت لمدة سبعة أعوام مع ضباط استخبارات بلا روح، وشهدت أهوالاً لم تغادر ذهني أبداً. في أحد الأيام ألقت إحدى الشاحنات المقطورات محتوياتها المكونة من مئات الجثث في الخندق الذي أمامنا، وبصورة غير متوقعة رأينا جثة تتحرك، كان هناك رجل على وشك الموت يستخدم بشكل يائس آخر ما تبقى له من طاقة ليشير إلينا أنه بطريقة ما لا يزال على قيد الحياة، فقال العمال المدنيون وهم يبكون: علينا أن نتصرف، لكن ضابط الاستخبارات الذي يشرف علينا أمر سائق الجرافة بدهسه، لا يمكن للسائق أن يتردد وإلا سيكون هو التالي، فاضطر لدهس الرجل في الخندق وقتله، أما الشاب الذي تجرأ وبكى على الضحية فلم نشاهده مرة أخرى".

الاستمتاع بالقتل

يتابع الشاهد سرد الحكاية المروعة فيقول إنه "ذات مرة كان علي أن أزور مزرعة ضابط استخبارات، وعندما وصلت كان هناك قرابة 10 منهم يأكلون ويشربون، وأمامهم 15 شاباً مكبلي الأيدي ومعصوبي الأعين وعراة على الأرض، أمر أحد الضباط جندياً آخر بفك قيود المدنيين والسماح لهم بالرحيل، وبعد أن أزيلت العصابات عن أعينهم وفكت أصفادهم، وكانت عيون الشباب ممتلئة بالارتباك والخوف، سألهم ضابط عما ينتظرهم وأمرهم بالهروب، وعندما هموا بالهرب انتزع ضابط آخر بندقيته وقتلهم واحداً تلو الآخر، بعدها واصل الضباط أكلهم واحتفالهم وكأن شيئاً لم يكن".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اغتصاب حتى الموت

في حديثه أمام الكونغرس، روى نايفة قصة أخرى تقشعر لها الأبدان، فقال "لقد دفنت كثيراً من الأطفال الذين تعرضوا للتعذيب حتى الموت، وأتذكرهم جميعاً، ودفنت أماً لا تزال تحمل رضيعها على صدرها حيث ألقيت جثثهم الهامدة في الخندق. وذات يوم كنت في مستشفى تشرين العسكري بدمشق حيث تعالج الجثث قبل إرسالها إلى المقابر الجماعية، وكانت هناك جثة لفتاة صغيرة عمرها 6 أو 7 أعوام فقط، بدا على جسدها الصغير علامات التعذيب الرهيب، أخذني الطبيب في المستشفى جانباً وأخبرني أنه أمر بكتابة أن موتها كان سكتة قلبية في التقرير الطبي، لكنها في الواقع ماتت حين كانت تتعرض للاغتصاب المستمر والمروع من قبل 11 ضابطاً في استخبارات نظام الأسد".

لم يتمالك الشاهد نفسه، وهو الذي دفن آلاف الأبرياء، فوجه في ختام شهادته رسالة لأعضاء الكونغرس، قال لهم حينها: "بعد كل هذه الأعوام لم يتغير شيء في سوريا، نظام الأسد يزداد وحشية، كم مرة يحتاج شاهد على جرائم الحرب أن يجلس أمامكم ويصف فظائع نظام الأسد؟ آمل بأن تحرك شهادتي شيئاً بداخلكم، وربما تجدد الأمل في مستقبل سوريا. كل مرة أحكي فيها قصتي أتأثر بشكل كبير لكن كل ما لدي هو صوتي، وسوف أبقى أتحدث حتى الرمق الأخير".

شهود آخرون

شهادة حفار القبور أمام الكونغرس، دفعت صحيفة "نيويورك تايمز" لإجراء تحقيق استقصائي، فأجرت مقابلات معه ومع 3 شهود آخرين، كانوا أيضاً مشاركين في عمليات دفن جثث المعتقلين، كما استعانت الصحيفة بصور للأقمار الاصطناعية تظهر أماكن تواجد المقابر الجماعية في ريف دمشق.

في الشهادات التي نقلتها "نيويورك تايمز" عن محمد عفيف نايفة وغيره، ورد فيها: "كان العمال يستخدمون آليات ثقيلة في النهار لحفر أخاديد، وبعد حلول الظلام، تصل الجثث بالمئات في بعض الأحيان، محملة في سيارات بيك آب عسكرية أو ضمن شاحنات لبرادات مخصصة لنقل المواد الغذائية، وفي الوقت الذي يقوم فيه ضباط استخبارات النظام السوري بمراقبة الوضع، يجري إلقاء القتلى داخل بطن الأرض حيث يدفنون بالقرب من العاصمة دمشق".

لا أرقام تحصي الضحايا

تقول الصحيفة إن "ما لا يقل عن 14 ألفاً من المعتقلين في سوريا تعرضوا للقتل تحت التعذيب، بحسب ما أعلنته وزارة الخزانة الأميركية عام 2021، إلا أن الرقم الحقيقي أكبر من ذلك بكثير بكل تأكيد، وذلك لأن أكثر من 130 ألفاً آخرين اختفوا في مراكز الاحتجاز التابعة للنظام، حيث يعتقد أن معظمهم فارقوا الحياة هناك. وعلى رغم أن النظام السوري أصر على إنكار قتله المعتقلين، إلا أن منظمات حقوقية وثقت ممارساته على نطاق واسع، وأهم مجموعة أدلة قدمت حتى الآن هي تلك التي جمعها مصور لدى الشرطة السورية اسمه الحركي قيصر، فر من البلاد عام 2013 وبحوزته صور لأكثر من 60 ألف جثة بعضها يحمل آثار تعذيب، لكن لا يمكن تعداد الجثث الموجودة في المقابر الجماعية والتعرف إلى هويتها إلا بعد نبش تلك المقابر".

جثث بالبرادات الغذائية

وفي رواية أحد الشهود، يقول إن موقع إحدى المقابر الجماعية "يقع في نجها وهي قرية جنوب دمشق"، ويضيف: "أعطوني سيارة نقل بيضاء من نوع نيسان مزينة بصور الأسد، مع بزة عسكرية وتصريح يخولني العبور من نقاط التفتيش"، وهكذا أخذ قبل طلوع الفجر يقود تلك السيارة حاملاً معه أكثر من 10 عمال نحو تلك المقابر الجماعية. "وفي حالات أخرى منفصلة، كانت شاحنات تبريد كبيرة مخصصة لنقل المواد الغذائية تأتي بالجثث من المستشفيات إلى القبور، وعند وصولها، يقوم الفريق برمي الجثث في باطن الأرض ودفنها، إلا أن معظم تلك الجثث كانت عليها آثار لرضوض وتقرحات وكانت أظافرها مقتلعة، وبعضها كان قد بدأ بالتحلل، ما يشير إلى مرور وقت على وفاة أصحابها".

تطوير أدوات القتل

بحسب أحد الشهود "كان من الواضح أن الجثث التي تصل من صيدنايا تعود لأشخاص توفوا منذ مدة قريبة، وبعضها كانت تظهر عليها علامات تشبه آثار حبل حول منطقة العنق أو جروح حدثت بفعل طلق ناري، وفي بعض الأحيان كانوا يدفنون الجثث في خنادق يغطونها بالتراب، وفي أحيان أخرى، كانوا يجمعون ما يصل إلى 8 جثث في قبور بالكاد تسع لجثة واحدة"، فيما يوضح شاهد آخر: "تولت حفارة آلية حفر خنادق يصل طولها إلى نحو 90 متراً، وهكذا أصبحت شاحنات التبريد عند وصولها، تلقي بالجثث الموجودة فيها عبر إمالة سطحها عند أحد أطراف الخندق ورمي الجثث لدفنها، وفي حال بقيت أي جثة عالقة في تلك الشاحنات، عندئذ يسحبها العمال نحو الخندق، حيث تقوم الحفارة بدفن كل الجثث معاً. أما الدفعة التالية من الجثث فقد كانت تذهب إلى القسم التالي من ذلك الخندق، بحيث يجري تكرار تلك العملية المرعبة إلى أن يمتلئ الخندق، وبعدئذ تحفر الحفارة خندقاً جديداً".

المزيد من تقارير