ملخص
كان آدم سميث يؤمن بأنه على الدول أن تتخصص في أفضل ما تنتجه، وأن تتاجر بحرية فيما بينها، فهل كان المنظّر الأول للرأسمالية ليخالف دونالد ترمب في رؤيته لفرض تعريفات جمركية على دول العالم، وبالشكل الذي رأيناه الأيام الماضية؟
غالب الظن أن ذلك كذلك، فقد اعتبر آدم سميث أن التعريفات الجمركية غير فعالة إلى حد كبير لعدد كبير من الأسباب
انطلق السهم. فعلها الرئيس دونالد ترمب كما توعد. لم يعد يُرضيه أن تظل الولايات المتحدة الأميركية عُرضة للنهب على مدى العقود الأربعة الماضية، على حد تعبيره. لقد حان الوقت ليدفع العالم الثمن، عبر التعريفات الجمركية التي لا تقل عن 10 في المئة على بعض دول العالم، وتصل إلى حدود 50 في المئة على دول أخرى في آسيا مثل فيتنام.
الرئيس ترمب يقطع بأن الإجراءات الاقتصادية هذه كفيلة بأن تجعل المواطنين الأميركيين أثرياء عوضاً عن جعل دول أخرى ثرية على حساب الأميركيين. ويقول خبراء ترمب إن هذه التعريفات كفيلة بأن توفر للخزانة الأميركية نحو 6 تريليونات دولار، أي نحو خُمس الديون الأميركية حول العالم.
لكن فريقاً آخر يرى أن الأمر على هذا النحو لن يستقيم، ذلك أنه في مواجهة تلك التعريفات ستتكبد واشنطن عدداً من الكلف، منها ما هو تنفيذي يتعلق بعرف الأسعار في الداخل الأميركي، ومنها ما هو انتقامي من جراء الإجراءات المماثلة التي بدأت بالفعل، كما فرضت الصين نحو 34 في المئة على وارداتها من أميركا، ومنها كلف تقليدية، أي سعي بقية دول العالم في طريق مماثل لما قام به مهندس الاقتصاد العالمي، أي الولايات المتحدة، من تخليق قواعد اقتصادية جديدة تغير من أوضاع وتبدل من طباع الرأسمالية العالمية التي أرست جذورها قبل عقود في الغرب الأوروبي، ومنها انتقلت إلى الجانب الآخر من الأطلسي.
يعنُّ لنا أن نتساءل في هذه القراءة: هل يسعى ترمب إلى بلورة رأسمالية مغايرة؟ وهل بإجراءاته هذه يهز عرش النظام العالمي الاقتصادي؟ وإلى أي حد ومد يصدق القول إنه يقود تيار العولمة إلى نهايته؟
ثم خذ إليك بعضاً من الكلام المهم الوثيق واللصيق الصلة بالرأسمالية العالمية، وما إذا كانت هذه الإجراءات سينتفع منها صغار العمال أم الأثرياء في الداخل الأميركي، مما يعزز من القول إن الأوليغارشية الرأسمالية هي التي تستفيد من إجراءات ترمب، وليس عموم المواطنين الأميركيين؟
من أين البداية؟
ترمب... رأسمالية الأهرام الأميركية
هل تغير مفهوم الرأسمالية في الداخل الأميركي مع إدارة دونالد ترمب؟
المؤكد أن الرجل له دالة على ما يتصل بالبيع والشراء، بدءاً من كبريات الفنادق والمنتجعات، وصولاً إلى الساعات والأحذية، والكتب المقدسة، غير أنه هذه المرة وعلى حد تعبير الكاتب الأميركي جون هوير، يبدو وكأنه يسعى إلى بناء رأسمالية الأهرام، مما يعني السعي إلى تخليق نموذج آخر مغاير من الرأسمالية بخلاف تلك الرائجة في الداخل الأميركي.
ولعل الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن التحول الذي يشهده العصر الذهبي لأميركا، بحسب تصور ترمب، الذي يراه من حوله ملكاً لمملكة أميركا، وليس رئيساً للجمهورية الأميركية، هو التغير العميق في علاقة الدولة مع الطبقة الحاكمة الحقيقية في البلاد، أو إن شئنا الدقة قل الرأسماليون الجدد، أولئك الذين أطلق عليهم الرئيس السابق جو بادين في خطاب الوداع، الأوليغارشية التقنية.
تاريخياً كانت ما يسمى "الطبقة الديمقراطية" واجهة للرأسمالية التي تحكم أميركا بالدعاية والاستهلاك التي يسيطر بها الأغنياء دائماً على الجماهير الأميركية.
كثيراً ما أقر الرئيس الأميركي الـ30 كالفين كوليدج بتفوق الرأسمالية في أميركا بقوله "إن عمل أميركا هو العمل"، وهو ما رددته سياسيتان أحدث عهداً، هما نانسي بيلوسي وكامالا هاريس، وهما ديمقراطيتان ومليونيرتان بامتياز، إذ صرحتا "كلنا رأسماليون" حتى شعار الليبراليين الأشهر "سيادة القانون" هو في الواقع "سيادة القانون الرأسمالي".
وعلى رغم ازدهار الرأسمالية في ظل حكم الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء، فإن "جمهوريي ترمب" يواجهون الآن وضعاً غريباً يتمثل في جناحين، الرأسمالية الأميركية التقليدية من جانب، والترمبية القوة الجديدة من جانب آخر.
هذان الطرفان يواجهان بعضهما بعضاً إما كحليفين غير مستقرين، أو منافسين شرسين على السيطرة على التاريخ الأميركي القادر على مواجهة الرأسمالية. ولهذا فإن مستقبل أميركا سيعتمد على ما سيفعله ترمب بالرأسمالية وتأثيرها المالي.
الآن، وقبل الـ100 يوم من ولايته الثانية لم يعد ترمب متعطشاً للمال فقط كقطب عقارات، بل بات يرى نفسه ملكاً متوجاً، ويرى أن هناك إمكانات لا حدود لسيطرته على رأس المالي الأميركي ثم العالمي، عبر ثورة بيضاء ضد الرأسمالية التقليدية ذات القواعد الاقتصادية الغربية المتعارف عليها كنظام اقتصادي يقوم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وخلق السلع والخدمات بهدف الربح، وتشمل الخصائص الرئيسة للرأسمالية الملكية الخاصة وتراكم رأس المال والعمل المأجور والأسواق التنافسية، وليس فرض التعريفات الجمركية، التي تستند إلى أسنة الرماح الأميركية العسكرية.
MAGA وهجوم متوقع على الرأسمالية
هل كان على العالم أن يتوقع عداءً واضحاً من جانب الرئيس ترمب لقواعد الرأسمالية العالمية؟
الشاهد أن شعار MAGA أو "اجعلوا أميركا عظيمة مرة أخرى"، كان هو الطريق المحقق لهذه المواجهة مع العالم الخارجي للهيمنة وليس للقيادة، وهو ما يوضحه بتفصيلات تقنية البروفيسور جيفري سونينفيلد، أستاذ كرسي ليستر كراون لممارسات الإدارة في كلية ييل للإدارة ومؤسس ورئيس معهد ييل للقيادة، الذي قدم استشارات رسمية لخمسة رؤساء أميركيين منهم اثنان جمهوريان وثلاثة ديمقراطيين.
يوضح سونينفيلد كيف أن انقلاب ترمب على مبادئ الرأسمالية الاعتيادية قد بان جلياً عندما حجبت تقلباته مزيج مصالحه التجارية الشخصية المعتادة عن أولويات تجارية وأمنية وطنية أميركية حقيقية.
على سبيل المثال شعرت شركات التكنولوجيا الأميركية بالحيرة عندما تراجع عن قراره بفرض عقوبات على شركة ZTE الصينية، على رغم انتهاكاتها الجسيمة والموثقة المتعلقة بانتشار الأسلحة النووية التي ساعدت إيران. أما تفسير ترمب بأن ذلك سيكلف 50 ألف وظيفة في الصين فقد بدا أجوف.
قبل عام من عودة ترمب إلى البيت الأبيض وضح جلياً وبصورة متزايدة أن ولايته الثانية ستتضمن سياسات أكثر بكثير معادية للأعمال التجارية بصورة جوهرية مقارنة بولايته الأولى.
في الواقع طرحت أصوات بارزة من حركة MAGA أو "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" مقترحات سياسية دراماتيكية معادية للأعمال التجارية – جوهر العمل الرأسمالي – تشكل صميم أجندة سياسات أميركا العظيمة مرة أخرى. وغالباً ما تشترك هذه المقترحات مع المواقف التقدمية اليسارية المتطرفة أكثر من تشابهها مع وجهات نظر الحزب الجمهوري التقليدية، ومساراته الرأسمالية الاعتيادية.
كان من الواضح مبكراً أن لدى ترمب أجندة اقتصادية لرأسمالية مختلفة كل الاختلاف، وفي سعيه هذا اختار نائباً يتسق معه في رؤاه... ماذا عن ذلك؟
حين وضع ترمب نصب عينيه على جي دي فانس عضو مجلس الشيوخ عن ولاية أوهايو كان يعرف أنه قدم "قانون لوقف دعم اندماجات الشركات العملاق"، الذي يهدف إلى تصعيب اندماج الشركات وفرض ضرائب إضافية عليها.
كان من الواضح أن ترمب يخطط لفرض تعريفات جمركية تقطع مراحل النمو الاقتصادي الرأسمالي داخلياً وخارجياً بهدف تحقيق التوازن في العجز التجاري، إضافة إلى اقتراحه الخاص بالقضاء على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي.
وفي سياق متصل تبنى ترمب سياسة نقدية دراماتيكية تراوح ما بين التخفيض المتعمد لقيمة العملة والتحكم في منحنى العائد، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى تضخم كبير ويقوض الأداء الطبيعي للأسواق الحرة.
هل يعني ما تقدم أن رجل العقارات الأميركي الأشهر دونالد ترمب الذي صادف أنه عرف طريقه إلى البيت الأبيض مرتين غير متتاليتين، هو رجل لا يؤمن بالرأسمالية؟
ترمب لا يؤمن بالرأسمالية النظرية
لا يبدو أن الرئيس ترمب ينسلخ عن الثنائية الأميركية التقليدية، حيث تكافؤ الأضداد في الروح الواحدة، ذلك أنه فيما تبدو أميركا المثال الأعلى للرأسمالية، يبدو ترمب وكأنه غير رأسمالي، والعهدة هنا على ديف أندرسون مؤلف كتاب "الاستفادة إطار سياسي واقتصادي ومجتمعي" وكتاب "الناخبون الشباب، الإنترنت والسلطة السياسية".
يُحاجج أندرسون بأنه وفقاً للمعايير التاريخية، فإن الرئيس ترمب ليس رأسمالياً، فقد شهدت الرأسمالية في الولايات المتحدة سلسلة واسعة من التغييرات في أوائل القرن الـ20، وفي ثلاثينيات وستينيات القرن الماضي.
أحدثت الرأسمالية الأميركية ما يسمى عصر التقدم، وعصر الصفقة الجديدة، وعصر المجتمع العظيم، وجرت تغييرات هيكلية عديدة على اللوائح التنظيمية وإعادة توزيع الثروة والسلطة في النظام الاقتصادي الأميركي، لدرجة أنه لم يعد من المنطقي وصفه بالرأسمالي، مما دعا نفر من كبار الاقتصاديين إلى وصفه بـ"اقتصاد مختلط"، أي اقتصاد يجمع بين الرأسمالية والاشتراكية.
وبما أن الرئيس ترمب لا يدعو إلى تغييرات جذرية في الهياكل التنظيمية وإعادة توزيع الاقتصاد الأميركي، مع أنه يريد تقليص صور التنظيم وإعادة التوزيع الأكثر صرامة، فمن الأدق القول إنه يدعم "الاقتصاد المختلط".
في حملته الانتخابية لعام 2020 بدأ ترمب جهوده لوصف معظم الديمقراطيين المرشحين للرئاسة بأنهم اشتراكيون، وفي مقدمهم بيرني ساندرز، وهو في الواقع ديمقراطي اجتماعي وليس اشتراكياً على غرار عديد من الدول الأوروبية بما في ذلك الشمال الأوروبي والسويد وفنلندا والنرويج والدنمارك. وفي زمن السباق الانتخابي لولايته الثانية لم يتورع الديمقراطيون أن يصفوا ترمب بأنه رأسمالي قاسٍ أو مزور، غير أنه من الأفضل بحسب كثير من المنظرين الاقتصاديين الأميركيين، وصفه بأنه رئيس يسعى إلى إضعاف الاقتصاد المختلط بتعزيز مكانة الشركات، والأثرياء، ولكن بمجرد أن يطلق عليه لقب رأسمالي، فإنك تفقد موطئ قدمك معه، وتمكنه من وصفك بالاشتراكي.
قبل الانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 طالب أندرسون الديمقراطيين بأن يكفوا عن تصوير ترمب كرأسمالي فاسد ومزور، وأن يجدوا لغة تمكنهم من توجيه انتقاداتهم بفاعلية، ذلك أنهم عندما يلجأون إلى التبسيط المفرط ظناً منهم أن الناخبين لا يستطيعون استيعاب المفاهيم واللغة والمعقدة فهم يقعون في أزمة.
ترمب بين الرأسمالية والديمقراطية
يبدو مشهد العلاقة بين ترمب والرأسمالية محيراً بالفعل، إذ كيف يمكن للرئيس الأميركي الذي نشأ في أحضان الاقتصاد الأميركي، اللافتة العريضة للرأسمالية، أن ينحرف أو ينجرف بعيداً منها.
عبر "الفاينانشيال تايمز" تكتب الصحافية البريطانية جيليان تيت عما سمعته عشية الانتخابات الرئاسية الأخيرة من رجل أعمال أميركي ناجح، يرى أن تلك الانتخابات يمكن تعريفها باعتبارها خياراً بين أولوية "الرأسمالية" أو "أولوية الديمقراطية".
خلال الحملة الانتخابية انتقد الديمقراطيون دونالد ترمب مراراً لما اعتبروه هجوماً على الديمقراطية، بينما هاجم ترمب كامالا هاريس لموقفها المزعوم المناهض للرأسمالية.
وبينما رفض المرشحان بشدة هذه الصور النمطية يبدو أن الخلافات لا تزال عالقة في أذهان عديد من قادة الأعمال والمستثمرين.
قبل نوفمبر 2024 بدت الهالة الرأسمالية من حول ترمب قوية للغاية، لا سيما في ظل وجود القطب الرأسمالي الأميركي الأشهر إيلون ماسك حوله والدور الذي لعبه في فوزه، عطفاً على وجود مديري صناديق الاستثمار مثل سكوت بيسنت، الذي كان وقتها مرشحاً بارزاً لمنصب وزير الخزانة.
غير أنه وسط كل ذلك الصخب كان التساؤل أي نموذج من الرأسمالية سيدعمه الرئيس الـ47؟ وهل يواصل ترمب تبني بعض المفاهيم الواردة في كتاب المفكر الاسكتلندي من القرن الـ18 آدم سميث الذي ابتكر أفكار السوق الحرة، وضمنها كتابه الكلاسيكي الأهم "ثروة الأمم" الصادر عام 1776؟
ترمب يؤمن إيماناً راسخاً بقوة الحوافز التي تعزز الربح، بل وربما الجشع، في دفع عجلة النمو، متبنيا مفهوم سميث "اليد الخفية". ومثل سميث يحتقر ترمب التدخل الحكومي المفرط والضرائب المرتفعة (مع أنه يرفض موقف سميث من التجارة الحرة).
وهناك جانب آخر غالباً ما يتم التغافل عنه، وهو تقييم الشركات العائلية، فعندما طور سميث أفكاره حول الأسواق كانت الشركات العالمية هي الشركات الوحيدة المتاحة.
اليوم، تهيمن الشركات المدرجة والأسواق العامة على الخطاب حول الرأسمالية، ولكن ومن المفارقات، أن شركات ترمب ستبدو أكثر ألفة لسميث من الشركات الأميركية العملاق المدرجة في البورصة في عصرنا الحديث، لكن المسالة الرئيسة التي ينبغي على المستثمرين مراعاتها الآن، هي موقف ترمب من النصف الآخر من رؤية سميث للسوق الحرة الواردة في كتاب "نظرية المشاعر الأخلاقية".
اعتبر سميث هذا الكتاب أهم أعماله، إذ آمن بأن مفتاح بناء أسواق وتجارة ديناميكيتين، يكمن في بناء نظام قائم على القيم الأخلاقية المشتركة والثقة. وهذا أمر يتطلب الشفافية والنزاهة وحقوق ملكية مستقرة، لأنه إذا انتفت العدالة، فإن البنية الهائلة للمجتمع البشري، ستتفكك في لحظة. بمعنى آخر رأي سميث أن احتكارات الشركات وإساءة استخدام السلطة الاستبدادية مناهضة للرأسمالية.
هنا يعن لنا أن نطرح تساؤلا من قبيل الفانتازية الفكرية: ماذا لو عاد آدم سميث حياً يُرزق، في حاضرات أيامنا، وقدر له مواجهة ترمب، ترى ما الذي سيقوله له أو يقوله عنه؟
آدم سميث وسياسات ترمب الجمركية
أحد أفضل الأقلام التي تصدت للإجابة عن علامة الاستفهام المتقدمة، البروفيسور جورج ألو غوسكوفيس المتخصص في الشأن الاقتصادي الفخري في جامعة أثينا للاقتصاد والأعمال.
يقطع غوسكوفيس بأن سميث كان من أشد المؤيدين للتجارة الحرة، وعارض التعريفات الجمركية والسياسات الحمائية التي دعا إليها التجار في زمانه، التي يعيد ترمب سيرتها في زماننا.
كان سميث يؤمن بأنه على الدول أن تتخصص في أفضل ما تنتجه، وأن تتاجر بحرية فيما بينها، وبكلماته الخاصة "إن مبدأ كل رب أسرة حكيم هو ألا يحاول أبداً أن يصنع في بلده ما يكلفه صنعه أكثر من شرائه. إذا استطاعت دولة أجنبية أن تزودنا بسلعة أرخص مما نستطيع صنعها بأنفسنا، فمن الأفضل أن نشتريها منها بجزء من إنتاج صناعتنا" (ثروة الأمم، الكتاب الرابع، الفصل الثاني).
هذه الفكرة، التي صقلها خليفته الروحي ديفيد ريكاردو في أوائل القرن الـ19، لتصبح مبدأ الميزة النسبية، أصبحت منذ ذلك الحين مبدأ أساساً في علم الاقتصاد في مسائل التجارة الدولية، وإذا كان هناك أمر يجمع عليه الاقتصاديون المعاصرون تقريباً، فهو ضرورة أن تكون التجارة الدولية حرة قدر الإمكان.
هل كان آدم سميث ليخالف دونالد ترمب في رؤيته لفرض تعريفات جمركية على دول العالم، وبالشكل الذي رأيناه الأيام الماضية؟
غالب الظن أن ذلك كذلك، فقد اعتبر آدم سميث أن التعريفات الجمركية غير فعالة إلى حد كبير لعدد من الأسباب:
أولاً: لأنها تعطل التحديد الحر للأسعار وتدفق السلع والخدمات وتمنع "اليد الخفية" من توجيه الأسواق بصورة فعالة.
ثانياً: لأن التعريفات الجمركية تفيد مجموعة محدودة من المنتجين المحليين للسلع والخدمات التي تتنافس مع الواردات، على حساب المستهلكين بصورة عامة والشركات المصدرة.
ثالثاً: لأن الرسوم الجمركية تشجع على الانتقام والحروب التجارية، مما يلحق الضرر بالتجارة الدولية والاقتصاد العالمي ككل.
رابعاً: لأن التعريفات الجمركية عادة ما تحمي القطاعات الاقتصادية غير الفعالة وتؤدي إلى انعدام الكفاءة والركود بصورة عامة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولتبرير سياساته المتعلقة بالرسوم الجمركية، يستخدم ترمب حججاً يتحدى كثير منها الفكر الاقتصادي السائد الذي يعتمد بصورة كبيرة على أفكار آدم سميث، وتندرج مبرراته عموماً ضمن خمس فئات رئيسة، يمكن الإشارة إليها بشيء من الإيجاز، وتتلخص فيما يلي:
** خفض العجز التجاري: يجادل ترمب بأن العجز التجاري يعني خسارة أميركا في التجارة العالمية، وهو أمر ستصححه التعريفات الجمركية بخفض هذا العجز.
مع ذلك يرفض معظم الاقتصاديين المعاصرين هذا الرأي، لأن العجز التجاري يتأثر بعوامل الاقتصاد الكلي.
** حماية الصناعة والوظائف الأميركية: يجادل ترمب بأن السياسات التجارية السابقة مثل اتفاقات التجارة الحرة لأميركا الشمالية وانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، أدت إلى فقدان الوظائف في قطاع الصناعة الأميركي.
هنا يرد منتقدوه بأن الرسوم الجمركية قد تحمي بعض الوظائف موقتاً، لكنها ترفع أيضاً الكلف على الشركات المعتمدة على الاستيراد وتعطل سلاسل التوريد العالمية، مما يؤدي إلى فقدان الوظائف في أماكن أخرى.
** معاقبة الصين: وعلى رغم اتفاق عديد من الاقتصاديين على أن بكين تمارس أفعالاً تجارية غير عادلة، يرى معظمهم أن الرسوم الجمركية أداة غير فعالة تضر الشركات والمستهلكين الأميركيين بقدر ما تضر الصين.
** حجج الأمن القومي: يبرر ترمب فرض الرسوم الجمركية على الصلب والألمنيوم بأنها ضرورية للأمن القومي، مجادلاً بأن الولايات المتحدة في حاجة إلى إمدادات محلية كافية من هذه المواد في حال نشوب حرب أو صراع جيوسياسي، لكن على رغم ذلك يشكك كثر في هذا المنطق ويعدونه سخيفاً.
** تعزيز موقف أميركا التفاوضي: يرى ترمب أن الرسوم الجمركية أداة تفاوضية لإجبار دول أخرى، مثل الصين، على صفقات تجارية أفضل. ومع ذلك يجادل منتقدوه بأنه على رغم أن هذا التكتيك قد ينجح في الصفقات التجارية، فإنه فشل في التجارة العالمية، مما أدى إلى ردود فعل انتقامية من دول أخرى وحروب تجارية.
تجارب ترمب في ولايته الأولى
هل كانت تجارب ترمب الجمركية في ولايته الأولى ناجعة إلى الحد الذي يمكن معها القطع بأن آدم سميث ونظرياته كانت مخطئة، وأن ترمب كان على صواب؟
المؤكد أنه بينما يزعم ترمب أن الرسوم الجمركية التي فرضها خلال ولايته الرئاسية الأولى عززت قطاع التصنيع الأميركي، وأعادت الوظائف، تظهر الدراسات أن نتائجها كانت متباينة. فقد تبأطا نمو الوظائف في قطاع التصنيع في الولايات المتحدة، وتحمل المستهلكون والشركات الأميركية كلفة الرسوم الجمركية المرتفعة، بينما تضرر المزارعون بشدة، مما تطلب دعماً بمليارات الدولارات.
هنا الحديث ليس تنظيراً فحسب، والدليل شهادة مايكل فرومان الممثل التجاري الأميركي السابق، والرئيس الحالي لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، العقل السياسي المفكر على الدوام للرؤساء الأميركيين.
يخبرنا فورمان كيف أن سياسات ترمب الجمركية في ولايته الأولى، أصيبت بخيبة أمل بالفعل، فقد خصص 92 في المئة من الرسوم الجمركية في ولايته الأولى، لتعويض المزارعين الأميركيين عن كلفة إجراءات الدول الأخرى الانتقامية، مما حرم الخزانة الأميركية بالفعل من فائض تلك الجمارك، ولم يحقق إلا النزر اليسير، في حين تحمل المستهلكون والمصنعون المحليون الفارق، أما المنتجون الأجانب، فقد أدركوا ميزات وفوائض مالية عالية.
من هنا يمكن القطع بأنه لو كان لآدم سميث رأي في المحصلة لسياسات ترمب الجمركية، لأقر في نهاية المطاف بأنها تضر بالازدهار الاقتصادي الأميركي والعالمي، وكذلك بالمنتجين والمستهلكين الذين يسعى إلى مساعدتهم.
يقول سميث "التجارة التي ينبغي أن تكون بطبيعة الحال بين الدول كما بين الأفراد رابطة اتحاد وصداقة أصبحت المصدر الأكثر خصوبة للخلاف والعداء" (ثروة الأمم، الكتاب الرابع، الفصل الثالث).
ويمكن للمرء أن يضيف أن سياسات دونالد ترمب التجارية إلى جانب سياساته الأخرى تشكل خطراً ليس فقط على الازدهار الدولي، بل أيضاً على السلام العالمي.
ترمب وعصر الرأسمالية الاستبدادية
هل يخلص القارئ إلى أن الرئيس ترمب يسعى في طريق ما يمكن أن نطلق عليه الرأسمالية الاستبدادية، أي رأسمالية الرأي الواحد للرئيس وعلى أكثر تقدير المجموعة المحيطة به من مستشارين أحاديي الرأي؟
يمكن القطع بأن الرأسمالية في "العالم المتقدم" باتت في المقام الأول محركاً لإعادة توزيع الثروة إلى الأعلى، إذ يمتلك واحد في المئة من سكان العالم اليوم ثروة تفوق ما يملكه 95 في المئة منهم.
في العام الماضي 2024 زاد إجمال ثروة المليارديرات بمقدار تريليوني دولار، أي أسرع بثلاث مرات من العام الذي سبقه. كما تضاعفت ثروة أغنى خمسة رجال في العالم منذ عام 2019، إذ ارتفعت من 506 مليارديرات إلى أكثر من 1.1 تريليون دولار. وتشمل هذه القائمة إيلون ماسك المشجع الرئيس لترمب، والذي دفع ضريبة فعلية تزيد قليلاً على ثلاثة في المئة في الولايات المتحدة بين عامي 2014 و2018، وفقاً لتحقيق أجرته مجلة "بربابليكا" الأميركية. وفي الوقت نفسه عادة ما يشهد العامل العادي في الاقتصادات المتقدمة انخفاضاً في أجره الحقيقي أو ركوداً.
هنا يبدو التباين في ثروات الأثرياء، وغيرهم، ليس منفصلاً عن ادعاءات القادة السياسيين الأميركيين، وعلى رأسهم ترمب، بأن الرأسمالية في "العالم المتقدم" باتت محركاً لإعادة توزيع الثروة صعوداً، سواء بين مواطني أميركا أو بقية دول العالم. كما أن التفاوت المتزايد أصبح يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأزمة المناخ والبيئة، فإضافة إلى استيلاء أغنى واحد في المئة من سكان العالم على معظم ثروات العالم، فإن انبعاثات الكربون المنطلقة من مصالح واحد في المئة الأغنى من سكان العالم تعادل ما ينبعث من ثلثي البشرية في الأقل.
من هنا يبدو واضحاً جداً أن اليمين الاستبدادي هو من استغل هذا النظام الفاسد بنجاح أكبر من خلال توجيه المظالم الاقتصادية المشروعة نحو الأعداء الخارجيين والمهاجرين.
وعند محاولة معالجة التحديات الاقتصادية والبيئية الجوهرية التي يواجهها العالم برمته، وأميركا بنوع خاص، فإنه لا بد من وضع حد لفكرة الرأسمالية الاستبدادية التي يسعى ترمب في إثرها.
هنا التساؤل النهائي: هل سيقدر لرأسمالية ترمب استنقاذ الاقتصاد الأميركي، أم إغراقه في مزيد من العجز، لا سيما بعد الكلف الشديدة التي ستلحق به من جراء رد الفعل العالمي؟
الجواب في حاجة إلى مزيد من الوقت لتبيان التبعات التي ستتوالد حكماً في الأيام المقبلة.