ملخص
إذا كان ترمب تعهد بأن "دوج" التي أنشأها ماسك ستوفر مئات المليارات من الدولارات عبر القضاء على الاحتيال وأشكال أخرى من الهدر من الموازنة الفيدرالية، فإن معظم المراقبين يعتقدون أن هذه الأرقام أعلى بكثير من الواقع.
منذ أن عاد إلى منصبه، يرى كل من الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومسؤول إدارة الكفاءة الحكومية إيلون ماسك الفساد في كل مكان، وأعلنا عن اكتشاف مليارات الدولارات من الإنفاق الحكومي الفاسد، وتعهدا استئصال الهدر والاحتيال من جميع أنحاء الحكومة الفيدرالية، لكنهما واجها هجوماً عنيفاً من الديمقراطيين وغالبية وسائل الإعلام السائدة الذين اعتبروا أن حملتهما فوضوية ومضللة وانتقائية.
اتهمت الهجمات الديمقراطية ترمب وماسك بتضارب المصالح بما يسمح باستغلال منصبيهما لتحقيق مكاسب خاصة، فما حقيقة هذه الضجة؟ وما حجم الفساد المعلن عنه؟ وإلى أي مدى يمكن أن تستمر هذه المعركة بما يؤثر سلباً أو إيجاباً في الولايات المتحدة؟
أم المعارك
حتى قبل عودة دونالد ترمب رئيساً للولايات المتحدة، تعهد إنشاء إدارة كفاءة حكومية تعرف باسم (دوج) مكلفة بإجراء تدقيق مالي، وفحص الأداء للحكومة الفيدرالية بأكملها، وتقديم توصيات لإصلاحات جذرية. ومع عودته إلى البيت الأبيض كلف مموله الرئيس في حملته الانتخابية رائد الأعمال التكنولوجي الملياردير إيلون ماسك بمهمة ضخمة يمكن وصفها بـ"أم المعارك" كونها غير مسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة من حيث نطاقها وسرعتها، وتتمثل المهمة في البحث عن الفساد في جميع أنحاء الحكومة الفيدرالية واستئصال عدم الكفاءة والهدر.
وتمثل الهدف الأساس لإدارة "دوج" في ضمان شفافية جميع المعاملات والأنشطة الحكومية وخضوعها للتدقيق العام من خلال تنفيذ أنظمة تدقيق ومراقبة قوية، كي تردع الممارسات الفاسدة وتجعل من الصعب بشكل كبير أن تمر الأنشطة غير المشروعة من دون أن يلاحظها أحد، وتستخدم إدارة الكفاءة الحكومية "دوج" تقنيات متقدمة وتحليلات بيانات لتتبع الإنفاق الحكومي وتحديد أي تناقضات أو أنشطة مشبوهة، ومن خلال هذا المستوى المرتفع من التدقيق تثبيط السلوك الفاسد وتحميل المسؤولين العموميين المسؤولية.
احتيال بالضمان الاجتماعي
خلال شهر واحد، استهدف ماسك وإدارته للكفاءة الحكومية الجديدة 12 وكالة ووزارة فيدرالية من بينها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، ووزارات العدل والصحة والتعليم والطاقة والزراعة وإدارة الطيران الفيدرالية ووزارة شؤون المحاربين القدامى، وأخيراً وزارة الدفاع، ووكالة الضمان الاجتماعي والتي قال ترمب وماسك على وسائل التواصل الاجتماعي وفي المؤتمرات الصحافية إن عشرات الملايين من الأشخاص، المسجلين في قوائم الضمان الاجتماعي على أنهم أحياء، يحصلون على إعانات النظام بشكل غير صحيح بينما تتجاوز أعمارهم 100 و200 وأحدهم 360 سنة ما يعني أنهم محتالون، ولو تم إقصاء هؤلاء من النظام لأصبح لدى الولايات المتحدة ضمان اجتماعي قوى للغاية.
لكن على رغم دفع هذه الأموال بشكل غير سليم، وبعضها لأشخاص متوفين، حققت وسائل إعلام أميركية في الأمر، واعتبرت أن الأرقام التي طرحها ماسك والبيت الأبيض مبالغ فيها وتشوه بيانات الضمان الاجتماعي. وحول عدد الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 100 سنة، قال القائم بأعمال مفوض الضمان الاجتماعي الجديد لي دوديك إنها لأشخاص في السجلات برقم ضمان اجتماعي وليس لديهم تاريخ وفاة مرتبط بسجلهم، ولكنهم لا يتلقون بالضرورة فوائد أو إعانات.
وإضافة إلى ذلك، لم يكتشف ماسك وفريقه أمراً جديداً، إذ يذكر تقرير صادر عن المفتش العام للضمان الاجتماعي في يوليو (تموز) 2024 أنه من السنوات المالية 2015 حتى 2022، دفعت الوكالة ما يقرب من 8.6 تريليون دولار في شكل إعانات أو فوائد، بما في ذلك 71.8 مليار دولار أي أقل من 1 في المئة، في مدفوعات خاطئة، وكان معظمها عبارة عن مدفوعات زائدة لأشخاص أحياء، كما تم استرداد جزء من الأموال بعد أن منح الكونغرس وزارة الخزانة إمكانية الوصول المؤقت إلى ملف الوفاة الكامل التابع لإدارة الضمان الاجتماعي.
وتبين أن جزءاً من الارتباك يأتي من نظام برامج الضمان الاجتماعي القائم على لغة البرمجة كوبول، والتي تفتقر إلى نوع التاريخ، وهذا يعني أن بعض الإدخالات التي تحتوي على تواريخ ميلاد مفقودة أو غير مكتملة ستعود افتراضياً إلى نقطة مرجعية تعود إلى أكثر من 150 عاماً حين بدأ تسجيل الأسماء بالضمان الاجتماعي.
نفقات سيئة
في حالة أخرى، انتقد ماسك ما اعتبرها نفقات سيئة أو مبالغ فيها من قبل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، التي وزعت أكثر من 40 مليار دولار من المساعدات التي أقرها الكونغرس في عام 2023 وأبرمت 86 مليار دولار في صفقات مع القطاع الخاص، ووصفها بأنها منظمة إجرامية وذراع لأنصار العولمة اليساريين المجرمين.
كما عرض مذيع قناة "فوكس نيوز" شون هانيتي في لقائه مع ترمب وماسك ما قال إنه إنفاق مشكوك فيه من قبل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية والتي تضمنت نفقات من المساعدات الأجنبية التي يُزعم أنها تمول مسرحية موسيقية حول برامج التنوع والمساواة والشمول في إيرلندا، وأوبرا حول شخصية متحولة جنسياً في كولومبيا، وكتاب هزلي عن متحول جنسي في بيرو، وتبين أنها كلها غير دقيقة، بينما كانت حالة واحدة فقط صحيحة وهي الأموال المخصصة لتعزيز برامج التنوع والمساواة والإدماج في أماكن العمل في صربيا.
إرادة الشعب
وسط حملة شرسة من الانتقادات، فسر ماسك هذه الحملة بأنها تعكس تجاوزه مع ترمب الهدف وتعد دليلاً على أنهما يفعلان الشيء الصحيح لأنهم لن يشتكوا إذا كانا يفعلان شيئاً غير مفيد. ورداً على اتهامه بأنه غير منتخب ولديه صلاحيات هائلة، اعتبر ماسك أن ما يحاول فعله مع ترمب هو استعادة إرادة الشعب من خلال الرئيس في مواجهة بيروقراطية فيدرالية ضخمة غير منتخبة تعارض بشدة الرئيس والحكومة، وخلص إلى أن سبب الغضب من قبل اليساريين هو ضرب البيروقراطية بينما يحاول ترمب استعادة الديمقراطية وإرادة الشعب.
إلا أن تسلل ماسك السريع وأحياناً الفوضوي إلى إدارات حكومية مختلفة دق ناقوس الخطر، ووضع أغنى رجل في العالم المتحالف مع أقوى منصب في العالم في مركز الصدارة داخل الحركة المحافظة التي يحرص على كسب دعمها. وظهر أخيراً أمام جمهور واسع في مؤتمر العمل السياسي المحافظ، وهو يحمل منشاراً كهربائياً قال إنه استخدمه لتقليص البيروقراطية الفيدرالية باعتباره صوت الشعب الذي يعمل من أجل إصلاح حكومي كبير.
"الرئيس إيلون ماسك"
غير أن معركة ترمب وماسك المستمرة بإصرار، تواجه تدقيقاً متزايداً من قبل العديد من الديمقراطيين والعديد من وسائل الإعلام التي اتهمت الملياردير الأميركي باغتصاب السلطات الرئاسية من خلال "دوج" وسخرت منه باعتباره الرئيس إيلون ماسك. كذلك اعتبرت أن تضارب المصالح واضح للغاية بالنسبة له حيث يمارس وهو الرئيس التنفيذي لشركتي "تسلا" و"سبايس إكس"، اللتين حصلتا على مليارات الدولارات من عقود فيدرالية في الأعوام الأخيرة، سلطته الفيدرالية الجديدة كموظف حكومي خاص من دون التخلي عن وظائفه في القطاع الخاص، ومع ذلك قاوم تقديم أي إفصاح مالي على اعتبار أن وظيفته مؤقتة بما يتجاوز بعض متطلبات الإفصاح للموظفين الفيدراليين بدوام كامل، وأنه لا يوجد تعارض مع جهوده لخفض النفقات الحكومية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومع توسع صلاحيات ماسك وعمل "دوج" في أكثر من 12 وكالة فيدرالية، تصاعدت التحديات من خلال رفع 14 من المدعين العامين للولايات دعوى قضائية في المحكمة الفيدرالية في العاصمة واشنطن، قاوموا فيها على نطاق واسع سلطة ماسك و"دوج" في الحصول على إمكانية الوصول إلى بيانات حكومية حساسة وممارسة سلطة غير مقيدة تقريباً.
كما يمكن لماسك وأتباعه استخدام هذا الوصول لمساعدة ترمب على قتل أو تحييد الوكالات والقواعد التي أنشأها الكونغرس والتي تخدم وتحمي المصلحة العامة، مع ضمان حماية الحكومة لقدرة الأثرياء على تنمية ثرواتهم، وتزعم الدعوى القضائية كذلك أن ترمب انتهك بند التعيينات في الدستور من خلال إنشاء وكالة فيدرالية من دون موافقة الكونغرس.
ستار من الدخان
غير أن توبيخات متعددة من القضاة والقانونيين تصاعدت ضد ترمب وماسك في شأن تخفيض اللوائح التنظيمية وتقليص أعداد الموظفين التي تمت في وزارة الخزانة والوكالة الأميركية للتنمية الدولية والعديد من الوكالات الأخرى.
وبينما أشاد ترمب بعمل ماسك في خفض النفقات باعتباره أمراً حيوياً، كانت إحدى أولى خطوات الرئيس في منصبه الشهر الماضي هي إقالة 17 من مراقبي الوكالات المخضرمين، والمعروفين باسم المفتشين العامين، الذين كانت وظائفهم منذ فترة طويلة تتلخص في الكشف عن الهدر والاحتيال والإساءة في الإدارات الفيدرالية، وهي عمليات إقالة تمت من دون إعطاء الكونغرس إشعاراً قانونياً مدته 30 يوماً، وتقديم تبريرات محددة لكل منها، مما أثار غضب الديمقراطيين، ودفع ثمانية من هؤلاء المفتشين العامين إلى رفع دعوى قضائية ضد ترمب بحجة أن إنهاء خدمتهم ينتهك القوانين الفيدرالية المصممة لحمايتهم من التدخل في وظائفهم.
ويرى المنتقدون الديمقراطيون والقانونيون أن إقالة ترمب للمفتشين العامين وعملية ماسك في "دوج" هي أمثلة صارخة على ألعاب السلطة التنفيذية على حساب الكونغرس والشفافية. واعتبر السيناتور الديمقراطي شيلدون وايتهاوس أن ملاحقة الهدر والاحتيال هي ستار دخاني كامل هدفه إخفاء نواياهم الحقيقية، وشبه وايتهاوس إقالة ترمب للمفتشين العامين بإقالة رجال الشرطة قبل سرقة بنك.
ادعاء توفير
وإذا كان ترمب تعهد بأن "دوج" التي أنشأها ماسك ستوفر مئات المليارات من الدولارات عبر القضاء على الاحتيال وأشكال أخرى من الهدر من الموازنة الفيدرالية، فإن معظم المراقبين يعتقدون أن هذه الأرقام أعلى بكثير من الواقع، وعلى سبيل المثال أعلن ماسك على منصته الاجتماعية "إكس" إنه حدد أكثر من 50 مليار دولار في الهدر والاحتيال المزعوم.
لكن بعد مراجعة وفحص تلك الادعاءات، تبين أن الرقم الحقيقي أقرب إلى أربع مليارات دولار، كما قالت جيسيكا ريدل، كبيرة الباحثين في معهد مانهاتن، وهو مركز أبحاث يميني، فيما يشكك متخصصون في الموازنة بشدة في وجود مئات المليارات من الهدر والاحتيال السنوي.
وبينما يرحب تشاك بلاهوس، كبير استراتيجيي الأبحاث في مركز ميركاتوس بجامعة جورج ماسون، باستئصال ماسك المدفوعات الخاطئة ووضع حد لها، يدعو إلى ضرورة اختيار الأماكن في الحكومة الفيدرالية التي تكون فيها معدلات الخطأ مرتفعة، مشيراً إلى أن الضمان الاجتماعي سيكون في الأرجح في أسفل القائمة، وليس بالقرب من القمة. في حين يتوقع أن تكون معدلات الدفع الخاطئة لبرامج الرعاية الصحية لأصحاب الدخول المنخفضة والمتوسطة مثل "ميديكيد" كبيرة جداً، بخاصة بعدما تم توسيع البرنامج في قانون الرعاية الميسرة.
معضلة ترمب
ويواجه ترمب معضلة حقيقية إذ إنه من دون خفض واحدة في الأقل من برامج شبكة الأمان الاجتماعي الثلاثة (إعانات الضمان الاجتماعي، والرعاية الصحية لكبار السن "ميديكير"، والرعاية الصحية لأصحاب الدخول المنخفضة "ميديكيد") والتي تمثل أكبر حصة من الإنفاق الفيدرالي السنوي، سيكون من المستحيل تقريباً على الجمهوريين تحقيق هدفيهما المتمثلين في التخفيضات الضريبية الهائلة وخفض الإنفاق.
وما يعزز من المصاعب التي تواجهها إدارة ترمب أن الجمهوريين يسعون الآن لسن مشروع قانون ضريبي بقيمة خمس تريليونات دولار، وهو ما يماثل ضعف تعهد ترمب الانتخابي، مما يجعل مساعي الجمهوريين في الكونغرس لتمديد التخفيضات الضريبية لعام 2017 أكثر صعوبة.
الجميل والقبيح
وبصرف النظر عن الأهداف التي حددها ترمب وماسك، يظل هناك وجهان لجهودهما، أولهما جميل لأن مبادرات الشفافية التي تعمل عليها إدارة الكفاءة الحكومية يمكن أن تحدث ثورة في مساءلة الحكومة إذا تم تنفيذها بضمانات قوية لمنع أشكال جديدة من الانتهاكات، كما يشير أستاذ السياسة في جامعة هارفارد جون سميث.
لكن الوجه الآخر القبيح، هو أن الحلم بتحقيق الأهداف المحددة سلفاً قد يتبدد إذا تبين أن الواقع يختلف كثيراً عن التصورات المسبقة، بخاصة وأن فكرة استخدام إدارة الكفاءة الحكومية لمكافحة الفساد، ليست حلاً سحرياً، إذ يجب أن تكون هناك تغييرات منهجية داخل المؤسسات الحكومية لدعم التحول التكنولوجي من ناحية، ومن ناحية أخرى يجب أن ينصب التركيز أيضاً على معالجة التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية التي تسهم في الفساد، وفقاً لما تقول الناشطة الديمقراطية إميلي ديفيس.