ملخص
السوريون يبحثون في جيوبهم عن قروش تعينهم على العيش والمجتمع الدولي يتفرج... سقوط النظام والتحول الدراماتيكي في حياة الناس
كرست مشهدية سقوط النظام حال الحاجة القائمة في سوريا، فالإدارة الجديدة جاءت بلا موارد فعلية، مما خلق أزمات مركبة ومضافة إلى ما خلفه بشار الأسد من دمار للبنية الاقتصادية والتحتية وتكريس مشهد الجوع وصولاً إلى وجود أكثر من 90 في المئة من تعداد السكان يقبعون تحت خط الفقر المباشر، بحسب إحصاءات الأمم المتحدة.
الآن يمكن رؤية كيف احتلت البسطات كل متر في شوارع المدن الرئيسة وفي القرى وعلى الطرقات العامة وأبواب المنازل، فهذا ضابط سابق سوّى وضعه يبيع الخضراوات ومهندس يبيع الدخان وموظف يبيع المنظفات وممرض يبيع الحلويات.
علي الكزبري ضابط مستجد برتبة ملازم تطوع في الكلية الحربية وتخرج فيها ضابطاً بهدف الحصول على راتب لإعالة أسرته، معتقداً بأن الحرب انتهت وعاد الجيش كغيره وظيفة مضمونة.
حين بدأت الحرب عام 2011 كان الكزبري في الـ10 من عمره، وكان صغيراً على فهم ملامح الصراع وعمق معانيه وتعقّد مشهده، فيوضح خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" بعدما سوّى وضعه وسلم سلاحه وحصل على بطاقة موقتة عقب سقوط النظام "لم أتطوع لأقاتل من أجل بشار الأسد وكرسيه، ولا من أجل قضية بدا بالنسبة إلى السوريين كلهم كيف يجري تمييعها لمصلحة قيادات كبرى معنية بجمع المال والإتاوات، فهمت تلك الحقيقة يوم قررت دخول الجيش للحصول على امتيازاته من معاش وغيره، لم أقاتل على أي من الجبهات، كان الأسد أنهكنا فقراً وجوعاً وكنا أنا وغيري غير مقتنعين به أساساً، ولكنه لم يترك أمامنا بوابة لإعالة أسرنا سوى التطوع في جيشه، وهذا ما كان فعلاً، وداخل الجيش رأينا العجب".
ويقول "كنا نرى الفساد وكيف تباع الذخيرة والسلاح ويستبدلان بالتالف، وكيف الضباط الكبار ’يفيّشون‘ عناصرهم مقابل رواتبهم الشهرية، وكيف أن الجنود لدينا في حال قرف وملل وكره للاستعباد الذي حوّلهم إلى خدم في الجيش لأعوام طويلة من عمرهم تحت اسم التجنيد الإجباري، ولعله السبب الأبرز الذي جعل الجميع لا يريد القتال دفاعاً عن حكم بشار يوم سقط نظامه، فكيف تطلب من جائع أن يقاتل؟ هذا مستحيل".
من ضابط إلى بائع بسطة
وينظر الكزبري اليوم بعين الأمل إلى وعود القيادة الجديدة بتشكيل لجان حقوقية وقانونية تنظر في أمر الضباط الذين لم يلغوا في الدم السوري، مع احتمال إعادة توطين رواتبهم الأساس، مؤكداً أنه وغيره لم يشاركوا في معركة واحدة على اعتبار أن المعارك المباشرة انتهت منتصف عام 2018، وهو تطوع بعد ذلك في الكلية الحربية.
ولأنه المعيل الوحيد لأسرته حذا الكزبري حذو كل من جيرانه ومعارفه لتأمين قوت يوم أسرته وافتتح بسطة خضراوات أمام باب منزله، وعن ذلك يقول "يوم أمس كانت النجوم على كتفي وكنت أعتقد بأني سأصلح البلد والفساد وكان تحت إمرتي جنود وعساكر، صحيح أني لست نادماً لأني لم أقاتل من أجل الرئيس الذي كان ساقطاً في أعيننا قبل خلعه حتى، ولكن ليس لي ذنب وأنا في مقتبل العمر أن تنتهي فرص الحياة أمامي، فالآن لا جيش ولا وظيفة يمكن أن أحظى بها، فلم يكُن أمامي سوى هذا الخيار، خيار افتتاح بسطة خضراوات على الرصيف عل الأيام تنصفنا ونعاد للجندية أو تُسوّى أوضاعنا بطريقة ما، نحصل من خلالها على رواتبنا التي درسنا من أجلها العلوم العسكرية لأعوام".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كذلك جرى مع الضابط الشرطي أحمد سليمان الذي سوّى وضعه ولا يزال من حينها جالساً في منزله معتمداً على الصرف من مدخراته التي باتت شحيحة على ما يصف، يرفض أن يعمل أجيراً أو على بسطة بعدما كان ضابطاً كبيراً في المباحث وعلى عاتقه تلقى مسؤولية اعتقال المخربين والمجرمين في مناطق سيطرة النظام السابق.
يقول سليمان "وزارة الداخلية التي نتبع لها هي جهة مدنية ونحن ضباط مدنيون وهذه الوزارة يستحيل أن تكون تورطت في الدم السوري لأنها لم تشارك في أعمال قتالية، كما أن تعدادنا بعشرات الآلاف ويغلب علينا المكون الأكثري في البلد، وصرف هؤلاء الضباط والجنود الذين قارب تعدادهم في ذروتهم نحو 80 ألفاً يعني 80 ألف عائلة جديدة لأنه جرى حل وزارة بأكملها مسؤولة عن حفظ الأمن، ونرى اليوم النتائج من خلال التفلت والقتل والخطف، تلقينا وعوداً بدرس ملفاتنا وإعادتنا على رأس عملنا، ولكن يا ترى هل ذلك حقيقي؟ وبغض النظر فأنا لا أستطيع البيع خلف بسطة، لذا سأسافر ما لم يعاد تنظيم جهازنا وإعادتنا للعمل، بخاصة مع توقف رواتبنا وامتيازاتنا بالكامل".
التحول الدراماتيكي
ولم يجد المهندس مازن البلوي بدوره بداً من افتتاح بسطة لبيع الدخان بعد منحه إجازة إجبارية غير مدفوعة من المديرية التي يعمل بها، وتلك الإجازة جاءت بحكم ما قيل إنه فائض غير لازم لهذا الكم من الموظفين الذين ترى الإدارة الجديدة أن 400 ألف من بينهم يندرجون تحت اسم البطالة المقنعة.
وعن ذلك يقول البلوي "ليس الأمر بطالة مقنعة، بل إن الأسد دمر البلاد بجميع قطاعاتها ومن بينها الاقتصادي، فلو وجدت وظيفة في القطاع الخاص لما كنت توظفت في الدولة، ولكن لم يكُن أمامي خيار سوى التقدم إلى مسابقة توظيفية فزت فيها وعينت في غير اختصاصي وغير قسمي ولكن هذه الحال في سوريا، ليس الجميع يعمل في اختصاصه، لكن الجميع يناضل لأجل وظيفة حكومية تسد شيئاً من رمقه".
ويكمل أن "هذا الرمق الذي كانت تسده كان هو العوض عن بسطتي هذه التي أبيع عليها المنظفات وأنا الذي درست الهندسة لخمسة أعوام جامعية تفوقت في بعضها وكنت أخطط لإكمال الدراسات العليا في ما بعد، لأجد نفسي أجري دراسات عليا على التراكيب الكيماوية للمنظفات التي أمامي وأنا أقنع الزبون بها، وهو يعلم وأنا أعلم أنها ليست جيدة ولا تستوفي الشروط والمعايير الصحية، لكني محتاج إلى العمل، وهم فقراء ليس بمقدورهم دفع ثمن المنظفات ذات التراكيب المضمونة، أنا اليوم أتعرض للمفاصلة في السعر حين أبيع، أي مستقبل هذا الذي تركه المخلوع لنا بعدما نهب البلد وما فيها، وأنا متفهم أن الإدارة الجديدة في حاجة إلى وقتها، ووقتها الطويل لإعادة البناء، لكني لا أرغب في البقاء على الرصيف في هذا البرد الشديد".
تعويم الحاجة
بطبيعة الحال فإن تعويم الحاجة سيخلق معه مشكلات متجددة تضرب بنية المجتمع المراد تكوينه وسط غياب أي أفق اقتصادي استراتيجي طويل الأمد لتمويل التوظيف ومراعاة حال العوز الجماعي المتنامية التي باتت البسطات خير دليل عليها.
ولا تصح هنا المقارنة بين عهدين سلطويين، لكن الناس افتقرت إلى الحد الأعلى وقريباً ستنسى من الحاكم وكيف جاء وتركز على أولوية لقمة عيشها، وبدأت بذلك بالفعل.
وإن كانت تلك البسطات تؤمن مورداً بديلاً للمال الشحيح، فهل هي مؤهلة للاستمرار؟ وهل سيبنى الاقتصاد المبسط عليها ويبقى السوريون موعودين بأعوام أخرى من المجاعة ما لم تحصل معجزة اقتصادية توافقية يراعى فيها اقتصاد الداخل وتؤمّن موارده بصيغة مثلى مع دعم إقليمي ودولي بنيّة حسنة ولو كانت تأخرت تلك الموارد المرتبطة بالدعم من مال وكهرباء وغاز ونفط في ما خلا الغذاء، إضافة إلى الضرورة الملحة والآنية لرفع العقوبات عن سوريا علّ شعبها يتنفس من جديد بعد سنوات عجاف قاربت 14 عاماً من حرب ضروس لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث؟