ملخص
لعل القاسم المشترك الذي يجمع بين المجموعتين القصصيتين السوريتين "نظرة أخيرة على أشجار الكرز"، لنور دكرلي، و"متأخراً عن العالم مسافة عشر دقائق" لرأفت حكمت، هو أن معظم القصص في المجموعتين ترصد الأمراض، الجسدية والنفسية، والتحولات الاجتماعية، الناجمة عن الحرب أو المرض أو النقص أو الجهل وسواها من الأعطاب التي تعتور الواقع السوري، في هذه اللحظة التاريخية.
"نظرة أخيرة على أشجار الكرز" (دار مرفأ) هي المجموعة القصصية الثالثة للقاص السوري نور دكرلي، بعد "مملكة التخاريف" و"انتحار رجل سخيف". وإذا كان الفضاء القصصي في هاتين المجموعتين هو فضاء تغلب عليه الفانتازيا، فإنه في المجموعة الثالثة ينطلق من الواقع إلى الفانتازيا، ولعله يشي، من خلال هذه العملية، بغرابة الواقع وغرائبية الأحداث التي يفرزها. على أن العطب الذي يرصده نصف القصص هو الحرب السورية وتداعياتها، المباشرة وغير المباشرة، على شخوص المجموعة. ومن هذه التداعيات: الموت، القتل، التهجير، اللجوء، التجسس، الطرد، الحنين، القمع، اللجوء، الألم، وغيرها. ناهيك بأعطاب أخرى، ترصدها بعض القصص، ناجمة عن الواقع القائم.
تداعيات الحرب
تتعدد تداعيات الحرب وتختلف تمظهراتها بين قصة وأخرى، ففي قصة " هل أنت إيونا باتابوف؟"، تعاني شخوص القصة الثلاثة الارتباك والاضطراب وضيق الأفق وقلّة التركيز، الناجمة عن موت ابن كلٍّ منها، في الأسبوع نفسه، بسبب النقص في العلاج، وهو أحد التداعيات غير المباشرة للحرب. وفي "نظرة أخيرة على أشجار الكرز"، يتعرّض السارد للضرب في بيته على يد المخابرات، ويلجأ إلى لبنان، ويُقتَل صديقه "أبو الليل"، قائد الكتيبة المقاتلة، بعد مقتل والديه. وفي أقصوصة "تهجير"، تقتلع الأم الثكلى الزرع من حوض الحديقة التي دفنت فيه أجنّتها الثلاثة، وتضمه إلى صدرها، وتغادر هائمة عل وجهها، ويلحق بها أبناؤها. وفي "الصعود نحو مار مخايل"، تعاني المرأة المهجرة من حمص إلى بيروت من تسلّق الدرج المؤدي إلى مكان إقامتها، في ظل ارتفاع الحرارة وفتور همتها ووهن ركبتيها وحملها بطيخة كبيرة، وتضطر إلى الراحة بين جولة تسلّق وأخرى، حتى إذا ما أوشكت الوصول، يحاول كلب مهاجمتها، فتسقط أرضاً، وتنفجر البطيخة، وتختلط قطعها بدمها الذي يسيل على الدرج، ناهيك بمعاناتها فقد الابن في الحرب والحنين إلى الوطن.
وفي "نوستالجيا سائق التاكسي"، تتمظهر تداعيات الحرب في أن سائق التاكسي السوري الذي يعمل في لبنان يقلّ راكباّ سورياًّ يظنه من منطقته، فيثير فيه لواعج الحنين إليها، حتى إذا ما أوصله إلى غايته يرفض تقاضي الأجرة منه. وفي "طواحين سانشو"، يحول الجهاز الأمني في حي بابا عمرو الحمصي دون استمرار التدريب على عمل مسرحي، في غرفة ذات خشبة مسرح في مبنى اتحاد شبيبة الثورة، ويقفلها في وجه المدرب سانشو والمتدربين بذريعة التحضير لزيارة المحافظ إلى المدينة. وحين يعبّر المدرب سانشو عن احتجاجه على الإجراء، يكون نصيبه رصاصة قناص في الجبين. ويزور المحافظ الحي المدمر الذي رقد سانشو تحت ترابه، ويخرج السارد المتدرب الذي احترقت مكتبته بفعل القصف بكتاب قصص قصيرة لتشيخوف مهدى إليه من سانشو، في إحالة قصصية إلى استمرارية الحياة.
وفي "عشاء أندريه"، تهاجر أسرة سورية هاربة من الحرب إلى فرنسا، وتحلّ ضيفة على أسرة فرنسية، ويكون عليها أن تمارس آليات التكيف، جراء اصطدامها بالآخر الغربي، بما تقتضيه من تمثيل وكذب وظهور بمظهر مختلف. وفي "إدارة الألم"، يُضطر طبيب التخدير إلى القيام بدور الطبيب الجراح في بلدته، حتى إذا ما خرج منها إلى دولة مجاورة بسبب الحرب، وقادته خطاه إلى مستشفي للأمراض النفسية بسبب عارض ألم به، يقوم بممارسة دور الطبيب النفسي، وهي خطوة فانتازية بامتياز. وهكذا، تشغل ثيمة الحرب قرابة نصف قصص المجموعة، وتختلف تمظهراتها بين قصة وأخرى. على أن الذين تقع عليهم هذه التمظهرات هم ضحايا الحرب، بشكل أو بآخر.
أعطاب أخرى
إلى ذلك، ثمة أعطاب أخرى تعتور الواقع السوري، وتشغل النصف الآخر من قصص المجموعة، من قبيل التجسّس على الناس في "مخبر النادي السينمائي"، وتهميش المتقاعدين في "تقاعد"، ووحدة العجزة في "حسابات أخيرة"، وضريبة الأمومة في " رسائل ليلية"، والقلق النفسي في "باب للوجود"، وصقيع الوحدة في رأس السنة في "طوابق"، والخوف من الموت في "الرجل الذي سيموت قريباً"، وسوء الفهم في "حدث شخصي غير قابل للفهم"، ومرض الوهم في "غناء". على أنّ، لا بد من الإشارة، في ختام هذه القراءة، إلى أن القاص كثيراً ما ينتقل من الفضاء الواقعي في قصصه إلى الفضاء الفانتازي، وهي تقنية تتناسب مع واقع أغرب من الخيال في العالم المرجعي الذي تنطلق منه القصص وتحيل إليه.
وإذا كان معظم القصص في "نظرة أخيرة على أشجار الكرز" ينتقل من الواقع إلى الفانتازيا، فإن معظم القصص في مجموعة القاص السوري رأفت حكمت "متأخراً عن العالم مسافة عشر دقائق" (دار النهضة العربية)، يدور في فضاء قصصي غرائبي، تتذكر فيه الأشياء، وتتخيل الشخوص، وتختلف الأحداث. وهذه المجموعة هي الثانية لصاحبها، بعد "كأنني كنت أحلم"، إذا ما استثنينا مشاركته في مجموعتين جماعيتين هما "الديكاميرون" و"أحاديث الجائحة". وتشتمل على اثنتين وعشرين قصة، تنتظمها ثلاثة محاور؛ الأول منها لا عنوان له، ويضم 6 قصص، شخوصها ضحايا الوهم أو الحرب أو الخوف أو التوجّس أو الجهل. الثاني بعنوان "عشر أصابع مفقودة"، ويضم 5 قصص، شخوصها من الأشياء التي تتذكر وتعي تحوّلاتها. والثالث بعنوان "هي بين هم"، ويضم 10 قصص، شخوصها من المصابين بأعطاب جسدية أو نفسية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في المحور الأول، تشترك الشخوص في شغلها موقع الضحية، وتختلف الأسباب التي جعلتها في هذا الموقع. فالسارد في "يوم كامل في أقل من ساعتين"، يشتري ورقة يانصيب، ويتوهم تحقيق كل ما يرغب فيه، قبل معرفة نتيجتها، فيكون كمن باع جلد الدب قبل سلخه، ويذهب ضحية الوهم. والسارد في "وجه البحار القديم" يحلم بزيارة بيروت منذ الطفولة، ويتحقق حلمه حين يزورها معصوب العينين، مقيّد اليدين، بعد القبض عليه متسلّلاً مع آخرين، في محاولة للعبور إلى غرب العالم، ويسقط ضحية الحرب. والسارد في "رحلة بحث عن الحقيقة" يبحث عن حقيبة لا يعرف مواصفاتها، وتصدر عنه تصرفات غريبة تشي بعدم التوازن، ما يستدعي طرده من المحال التي يبحث فيها، ويقع ضحية الغرابة في التصرف. والولدان في "من الذي سرق السجادة؟" يخفيان عن الوالدين تسبّبهما في حرق السجادة، ويلجآن إلى الكذب، حتى إذا ما اكتُشِف أمرهما، يلوذان بالفرار في ليلة ماطرة، ويقعان ضحية التربية القامعة. وعامل الكهرباء في "عميل مجهول الهوية" يتوجّس من عميل يتربص به، فيستقيل من وظيفته، ويسقط ضحية التوجس. والسارد في "ذهب وصبّار" الذي ضبطه أصحاب الحقل يسرق حبّة صبار، ويدسّها في عبه، حين يحاول أصحاب الحقل مطاردته، ويولّي الأدبار، ما يؤدي إلى دخوله المستشفى، شهراً كاملاً، لإزالة الشوك من صدره، ويكون ضحية الجهل. وهكذا، تتعدد الضحايا وتختلف الأسباب.
تحولات غرائبية
في المحور الثاني، تبلغ الفانتازية الذروة حين يسند القاص بطولة القصص إلى الأشياء والأشجار، فتتذكر ماضيها أو تسرد تحولاتها؛ في هذا السياق. يروي المانيكان مشاهداته في المعمل، بعد أن حال خطأ بشري دون شحنه مع رفاقه في الباخرة إلى أوروبا، ويصف أجزاءه المفككة في الصندوق، ويزعجه أن يُستعاض عن قضيبه بانتفاخ صغير بين الفخذين. حتى المانيكان يشغله الجنس. وتروي قطعة الفحم الحجري التي تسقط من عربة أحد العمال، بعد استخراجها من المنجم، نجاتها من النار، المصير الحتمي لبنات جنسها، وتحوّلها من قطعة صلبة إلى لوحة فنية على جدار أبيض. وتروي الأشجار في الغابة تحولاتها المختلفة، فتتحول شجرة الساج إلى قارب، وشجرة الأرز إلى طاولة شطرنج فاخرة، وشجرة الأبنوس إلى تابوت ملكي، وشجرة السنديان إلى باب حظيرة كبير. وتتذكر الدمية رحلة انتقالها من رف أحد المتاجر في بيروت إلى رف مكتبة صياد يوناني، وهي التي اشترتها أسرة سورية مهجرة، فقدت طفلها في الحرب، وعثر عليها الصياد على شواطئ بحر إيجه. ويروي المنديل وجهة استعماله وأصحابه المناديل، من قبل العجائز الأربع، اللواتي تشغر كراسيهن تباعاً، فتيبس المناديل. وتؤول إلى صندوق خشبي قديم. وهكذا، يقول القاص على لسان الأشياء والأشجار التحولات المختلفة التي هي من متعلقات الإنسان، ويسند إليها بطولة القصص وفعل السرد، وبذلك، يعيدها إلى الحياة بأشكال مختلفة.
خيارات محدودة
في المحور الثالث والأخير من المجموعة، يضعنا القاص أمام مجموعة من الشخوص المعطوبة، جسدياًّ أو نفسياًّ، فنرى بينهم، على سبيل المثال لا الحصر، الرجل الأعمى الذي يرتاد المعارض الفنية، ويرى لوحات لا يراها سواه. واللاعب الذي يشعر بنقص الإمكانات ومحدودية الخيارات والندم على ما فات، ويفرغ ذلك كله في لكمات يوجهها إلى كيس ملاكمة كبير مملوء بالرمل. والرجل المبتور القدمين يتوهم صعود الدرج المؤدي إلى علية، بعد خروجه من غيبوبة، غير أن ضعف ذاكرته وقلة خياراته يجعلان العلية واطئة جداًّ، ما يجهض حلمه بالنوم مع أولاده التسعة فيها، إلى ما هنالك من شخوص معطوبة، يختلف عطبها من قصة إلى أخرى.
إننا إزاء مجموعتين قصصيتين، يجمع بينهما التعبير عن أعطاب الواقع السوري، في لحظة تاريخية حرجة، وفي طليعتها الحرب، وتيفرق بينمها طريقة التعبير. وفي الحالتين، لا يعدم القارئ الاستمتاع بكثير من المواقف الطريفة والأحداث الغرائبية فيهما.