Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"فانو"... ميليشيات إثيوبية ضلت طريق التحالف إلى التمرد

ظلت حليفة لنظام آبي أحمد في مواجهاته داخل إقليم تيغراي وبدأت حرباً ضد الجيش بعد توقيع اتفاق بريتوريا

ظلت "فانو" حليفة لنظام رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال الحرب الأخيرة التي خاضها داخل إقليم تيغراي (أ ف ب)

ملخص

يرى مراقبون أن "فانو" ليست مجرد ميليشيات تملك عتاداً عسكرياً محدوداً بل جبهة عريضة تحاول بعث الشعور القومي الراسخ بالهوية باعتبارها ممثلاً لماضي الأمهرة، إذ تصور نفسها حارساً لأعراف ثقافية تعتمد على سردية نضالية قائمة على ميثولوجيات تاريخية. 

لفتت الأحداث الأخيرة داخل إقليم الأمهرة في إثيوبيا أنظار وسائل الإعلام والمراقبين إلى الشأن السياسي، وبخاصة بعد إعلان ميليشيات "فانو" المتمردة عن أسرها عدداً كبيراً من عناصر الجيش النظامي بمن فيهم ضابط برتبة عقيد، إذ لفت الأمر لمحاولة فهم ما يجري في هذا الإقليم المضطرب وللمجموعة المتمردة التي تقود حرباً ضد الجيش النظامي، بعد أن ظلت حليفة لنظام رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال الحرب الأخيرة التي خاضها داخل إقليم تيغراي (2020-2022) شمال البلاد. 

وانتقال الحرب الداخلية من إقليم إلى آخر وتفكك التحالفات العسكرية التي ظلت قائمة وإعادة بنائها بصورة جديدة يكشف متاهات المشهد السياسي الإثيوبي، الذي لا يبارح ثنائيات المركز والهامش أو النظام والتمرد. 

فمن هي مجموعة الـ"فانو" التي نصبت نفسها حارسة لهوية الأمهرة كواحدة من أحدث الجهات الفاعلة في الدراما الإثيوبية المتكررة؟ وكيف انتقلت من مشهد الموالاة إلى التمرد؟ وهل استطاعت هذه المجموعة أن تمثل تحدياً حقيقياً للمؤسسة العسكرية الإثيوبية؟ أم أن المواجهات الأخيرة تعد مقدمة لتسوية سياسية منظورة؟

اختلالات الشرعية 

يقدر المحلل السياسي تفري ليني أن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب دراسة طبقات النسيج السياسي والاجتماعي والجيوسياسي المعقد في إثيوبيا، وأكثر من محاولة اختزال الأمر في القدرات العسكرية التي تتوافر للجماعات المتمردة مقابل الجيش النظامي، إذ إن طبيعة النزاعات ترتبط بالتاريخ السياسي الإثيوبي وعلاقته بتمثيل الهوية في تشكلات السلطة الحاكمة وشرعيتها القانونية والسياسية، فضلاً عن توزيع الثروة والسلطة. 

ويلفت المحلل الإثيوبي إلى أن ثمة تحليلات تذهب في اتجاه قياس الهوة بين مجموعة "فانو" ذات القدرات العسكرية المحدودة والجيش النظامي الذي اكتسب خبرته عبر أعوام من النزاعات الخارجية، وبخاصة حرب الحدود الإريترية - الإثيوبية علاوة عن الحرب في تيغراي، إذ يتمتع بترسانة من الأسلحة الحديثة والقوة الجوية والدعم اللوجيستي.

ويرى المحلل السياسي أن هذا النوع من التحليل يسقط حقائق أخرى مهمة تتعلق بطبيعة النظام الإثيوبي الحديث الذي تشكل في بدايات التسعينيات من القرن الماضي، إذ إن النظام الذي أتى من الأحراش بعد تمكنه من إسقاط نظام منحستوا هيلي ماريام أسس ما يعرف بنظام الفيدرالية الإثنية ذات الطابع الهوياتي، وبدا كل إقليم إثيوبي مستقل عن الدولة المركزية من حيث تشكيله القومي أو على مستوى الرموز السيادية في حين ظلت هذه الاستقلالية المتخيلة شكلية الطابع، فيما تسيطر الحكومة المركزية على مقاليد السلطة. 

ويوضح تفري أن هذا الوضع الذي رسخ خلال العقود الأربعة الماضية ولَّد لدى الأقاليم الإثيوبية "النزعة الانفصالية" في ظل غياب التمثيل الشرعي، كما نص عليه الدستور الفيدرالي الذي صاغته الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي لضمان سيطرتها على مقاليد السلطة المركزية في أديس أبابا من جهة، ولاستغلاله حال فقدانها السلطة المركزية من جهة أخرى. 

وينوه المحلل الإثيوبي إلى أنه على رغم أن الدستور ينص في مادته الـ39 المثيرة للجدل على حق الأقاليم في الانفصال عن إثيوبيا، فإن تطبيق هذه المادة ظل موضع شك وأدرجت بالأساس لتحقيق الهدف الذي قام من أجله نضال التيغراويين. 

ويضيف "تم التحايل على تطبيقات هذه المادة طوال الـ27 عاماً من حكم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، فيما قامت الأخيرة بالتلويح بهذه المادة بمجرد فقدانها السلطة في أديس أبابا ووصول آبي أحمد إلى سدة الحكم مسنوداً بنضالات أورومو وأمهرة". 

سؤال "فانو" ومحددات القوة 

ومن جهته رأي المتخصص في الشأن الإثيوبي غيداون بيهون أن ميليشيات "فانو" المتمردة على سلطة الدولة الإثيوبية تجد دعماً كبيراً من بعض شرائح الشعب الأمهري، الذي تتغذى ذاكرته التاريخية من سرديات المجد الذي حققته هذه القومية في التاريخ الحديث، وبخاصة منذ عهد منيليك الثاني (1844-1913) إذ كان واحداً من أعظم أباطرة إثيوبيا.

ويقدر أن لأمهرة دوراً بارزاً في التاريخ السياسي للبلاد خلال القرنين الماضيين، من ثمَّ فإن الذاكرة الأمهرية لا تزال تحتفظ بتاريخ البطولات والحماسة بما في ذلك تاريخ المقاومة ضد الاستعمار الأجنبي. 

ويكشف بيهون أن المجموعة التي تعرف اليوم بـ"فانو" ليست مجرد ميليشيات تملك عتاداً عسكرياً محدوداً، بل جبهة عريضة تحاول بعث الشعور القومي الراسخ بالهوية باعتبارها ممثلاً لماضي الأمهرة، إذ تصور نفسها حارساً لأعراف ثقافية تعتمد على سردية نضالية قائمة على ميثولوجيات تاريخية. 

ويوضح أنها استوحت اسمها "فانو" من واقع تلك السرديات، إذ يعني "الفلاح الحر الذي يقاتل دفاعاً عن وطنه الأم إثيوبيا" وهو المسمى ذاته الذي استخدمه آخر أباطرة إثيوبيا "هيلي سلاسي" لحشد المقاتلين الأمهرة ضد الغزو الإيطالي للحبشة بين عامي 1936 و1941.

ويرى غيداون أن هذه الإثنية وعلى رغم أنها ظلت تحمل شعارات وطنية وتصف نفسها بأنها الممثل الأقرب للهوية الإثيوبية الجامعة لأنها ظلت لفترة طويلة في سدة الحكم، فإنها أضحت تشعر بأنها مستهدفة وتتعرض للظلم من قبل الحكومات المركزية المتعاقبة منذ نهايات القرن الماضي. 

ويقدر المحلل الإثيوبي أن هذه المجموعة المتمردة التي تأنس لتاريخ القومية الأكثر تأثيراً في التاريخ الإثيوبي الحديث تفتقر إلى الموارد اللوجستية الكافية، مما يدفعها إلى الاعتماد على تكتيكات حرب العصابات في مواجهتها مع الجيش النظامي، محاولة تقليص فارق العتاد من خلال استثارة الشعور القومي.

هل الأمهرة ضحايا؟

ومن جهته يقول المحلل السياسي سلمون محاري إنه لا يمكن فهم المأزق الحالي للأمهرة عموماً دون الخوض في دورهم المهيمن في التاريخ الإثيوبي، فعلى مدى قرون شكلت نخبة الأمهرة هوية الدولة الإثيوبية واتجاهها، وجعلت هذه الهيمنة التاريخية الأمهرة رمزاً قوياً للسيادة الإثيوبية، ولكنها جعلتهم أيضاً هدفاً للاستياء بين الجماعات العرقية الأخرى التي شعرت بالتهميش أو القمع من قبل الحكومة المركزية. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف أنه قد ينظر البعض إلى معاناة الأمهرة الحالية سواء من خلال التحديات الخارجية أو الداخلية، كصورة من صور الكارما، حساب تاريخي لأعوام من الهيمنة والممارسات الإقصائية المتصورة.

ولكن هذا المنظور يفشل في إدراك التعقيدات التي تحيط بهذه المسألة، ففي حين كانت نخب الأمهرة تشكل ذات يوم محوراً أساساً للحكم الإثيوبي عانى عامة الناس من التهميش بطرق مختلفة، وبخاصة مع تحول ديناميكيات القوة على مر السنين في ظل الفيدرالية العرقية داخل إثيوبيا. 

ويوضح محاري أن أية مجموعة عرقية في إثيوبيا اليوم ليست بمنأى عن عاصفة الصراع التي تمس كل ركن من أركان البلاد، إذ تهدد دورة التهميش الأساس الحقيقي للوحدة الوطنية ويجد الأمهرة أنفسهم عالقين في هذه الدوامة، كلاعبين مؤثرين في أحداث الدوامة وكضحايا لها في آن واحد. 

ويرى محاري أن بقاء ميليشيات "فانو" على رغم ضعفها العسكري مرتبط ارتباطاً وثيقاً بصداها لدى شعب الأمهرة كأحد تمثلات الحال ال‘ثنية في إثيوبيا، فمنطقة الأمهرة ليست مجرد إقليم جغرافي بل معقل قديم لسيادة الإمبراطورية الحبشية، لذا فإن التاريخ الغني لنخب الأمهرة في الزعامة والنفوذ الثقافي يجعل أي صراع داخل حدود هذا الإقليم له أبعاد رمزية وسياسية، أكثر من كونه مجرد صراع عسكري.

ويتفق غيداون مع هذا الوصف مضيفاً أن قوة الـ"فانو" بالأساس تكمن في ما هو "غير ملموس"، لقدرتها على استخدام الشرعية الثقافية وحشد الدعم من خلال لغة التظلم والحفاظ على التراث، فيما توفر سياسات الحكومة المركزية خصوصاً المتعلقة بالأراضي مبررات منطقية للدعم الشعبي المتزايد لمطالب "فانو"، إذ تتجاهل أديس أبابا مخاوف الأمهرة في هذا الشأن وبخاصة في النزاعات المتجددة بينهم وإقليم تيغراي، حيث تتسع ساحة المعركة إلى ما هو أبعد من الرصاص لتصل إلى القلوب والعقول وتستعيد الملاحم الميثيولوجية.

ويقر غيداون بأنه لا يمكن تجاهل الديناميكيات الإقليمية، فالسعي الذي يبذله شعب أمهرة للحصول على الحكم الذاتي يسير بالتوازي مع الفيدرالية العرقية المعقدة في إثيوبيا، والتي تسمح للمناطق بقدر من الحكم الذاتي مع الحفاظ على السلطة المركزية الشاملة، وقد ينحرف هذا التوازن الدقيق.

وإذا ازدادت قوة "فانو" فقد يشجع مناطق أخرى مما قد يخلق صدعاً أوسع في النظام الفيدرالي داخل إثيوبيا.

ومن ثم قد يؤدي ذلك أيضاً إلى عزلة أمهرة، إذ تتحالف مجموعات عرقية أخرى وبخاصة تلك الموجودة في أوروميا والصومال وعفر بصورة أوثق مع الحكومة الفيدرالية في معارضة ما قد يعدونه هيمنة أمهرية، وبخاصة أن العقود الثلاثة الماضية وفرت الغطاء لذلك من خلال حملات الإدانة الرسمية التي انتهجتها الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بصورة منهجية أثناء فترة حكمها لإثيوبيا ضد ما تسميه الهيمنة الأمهرية. 

ويرى غيداون أن التناقض الأساس بين حكومة آبي أحمد و"فانو" ظل مؤجلاً حتى نهاية حرب تيغراي، إذ تحالفا في مواجهة الخصم المشترك (تيغراي) قبل أن ينقلب الأول على حلفائه الإريتريين والأمهرة من أجل الفوز بصفقة السلم. 

ويضيف أن آبي أحمد الذي استعان بـ"فانو" للقضاء على قوة تيغراي وتثبيت حكمه تخلى عن حلفائه بتوقيع الاتفاق منفرداً، والذي نصَّ على "احتكار الدولة للعنف" وإنهاء جميع صور التسلح خارج الجيش النظامي، وهو ما رفضته ميليشيات "فانو" التي شعرت بتعرضها "للخيانة" من حليفها السابق لذا رفضت الامتثال لقرار نزع السلاح. 

حرب الظلال

وبدوره ينوه محاري سلمون إلى أن ميليشيات الـ"فانو" وعلى رغم أن حربها المفتوحة ضد الحكومة المركزية دخلت عامها الثاني، فإنها لا تستطيع مواجهة الجيش الفيدرالي بصورة مباشرة بل تعتمد على الهجمات الخاطفة والتخريب ونصب المكامن، وهذا الصورة من صور الحرب على رغم أنها أقل كلفة في الأمد القريب فإنها ترهق الخصم بمرور الوقت، مما يجعل الصراع المطول شأناً مكلفاً للحكومة المركزية. 

ويضيف على رغم أن الجيش الفيدرالي سبق وأن تعامل مع تكتيكات المتمردين القائمة على حرب العصابات وبخاصة في حرب تيغراي الأخيرة فضلاً عن المواجهات المتقطعة مع جيش تحرير أورومو، فإن كلفة مواجهة التمرد غالباً ما تؤدي إلى تآكل الشرعية وبخاصة في ظل تحمل السكان المدنيين وطأة النزاعات.

ومن جهة أخرى، يقدر المحلل السياسي تفري ليني أن هدف الـ"فانو" ليس بالضرورة تحقيق النصر الصريح بالمعنى التقليدي بل البقاء على الأرض، مضيفاً أن البقاء ولو بصورة محدودة قد يمثل شوكة في خاصرة القوات الفيدرالية ويجعل من وجودها في الإقليم الأمهري مكلفاً وغير مستدام، وما دامت "فانو" قائمة فإن سيطرة الدولة الإثيوبية على منطقة أمهرة غير مكتملة، وهنا تكمن المعركة النفسية.

ويعتقد ليني أن هذه الاستراتيجية ذات حدين، ذلك أن حرب العصابات المطولة غالباً ما تؤدي إلى تدمير الاقتصادات المحلية ووقوع ضحايا من المدنيين ومزيد من النزوح وتحويل السكان الذين يدعمون التمرد إلى ضحايا، مضيفاً إذا لم تتمكن "فانو" من توفير الأمن المادي أو المكاسب السياسية الحقيقية لشعب أمهرة فقد تتلاشى رومانسية التمرد في يأس إرهاق الحرب، وهنا تستطيع الدولة الإثيوبية أن تلعب اللعبة الطويلة في انتظار الوقت للقيام بما لا تستطيع الرصاصات القيام به. 

دروس مستفادة 

وبدوره يرى محاري سلمون أنه على رغم المظالم التي تعلنها ميليشيات "فانو" في حربها ضد الجيش النظامي فإن ثمة دروس ينبغي الاستفادة منها في التاريخ الإثيوبي الحديث، لعل أهمها تجربتي الجبهة الوطنية لتحرير إقليم الأوغادين (المحاذي للصومال) وتجربة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي. 

ويوضح أن تجربة جبهة الأوغادين كشفت لأصحابها أن التمرد المسلح الذي شنته الجبهة على مدى 30 عاماً ضد الحكومة الإثيوبية سعياً إلى الحكم الذاتي أو الاستقلال التام للمنطقة الصومالية، قادها إلى إدراك جديد يتمثل في أن ساحة المعركة لا يمكن أن توفر لها الشرعية السياسية أو الاستقرار الذي سعت إليه، مما دفعها خلال عام 2018 إلى اتخاذ قرار حاسم لإلقاء السلاح والانخراط في مفاوضات سلمية، لتتحول من حركة متمردة إلى حزب سياسي شرعي ممثل في البرلمان.

أما التجربة الثانية حسب تصور سلمون فتتمثل في تجربة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي التي قادت تمرداً مسلحاً خلال عام 2020 انتهى عام 2022 بـاتفاق بريتوريا للسلام، ويرجح سلمون أن "فانو" مثل حبهتي تيغراي والأوغادين قد تجد أن كلفة التمرد المطول باهظة للغاية وغير مستدامة في نهاية المطاف.

وبدوره يرى تفري ليني أن إثيوبيا عموماً تقف الآن في مفترق طرق، إذ إن التمرد لا يقتصر على منطقة الأمهرة بل هناك حركات مسلحة داخل أربعة أقاليم أخرى، مما يعني أن حالة "فانو" ليست استثناء وأن الخلل الأساس يكمن في بنية السلطة الإثيوبية، فسواء أدى نضال "فانو" إلى ترتيب سياسي جديد وتسوية سلمية أسوة بحالتي تيغراي والأوغادين أو استمرت الحرب لأمد آخر فإن ذلك سيقود حتماً إلى انقسامات أعمق في الدولة الإثيوبية، ما لم يتم تدارك الثنائيات الراسخة "المركز - الهامش" و"السلطة - التمرد"، وذلك عبر إعادة التفكير في الاختلالات البنيوية التي يعانيها النظام السياسي الإثيوبي.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير