"الملتقى الوطني" الليبي في تونس: محاولة لجمع الأضداد ضمن نموذج توافقي

تعوّل الأمم المتحدة التي يقود جهودها في ليبيا الممثل الخاص للأمين العام غسان سلامة، على جمع الفرقاء الليبيين قريباً في تونس ضمن إطار "الملتقى الوطني" لوضع أسس دستورية وقانونية لتوحيد البلاد.

سلامة ونائبته للشؤون السياسية ستيفاني وليامز يتابعان التحضيرات للملتقى الوطني مع عمداء بلديات من المنطقة الغربية في ليبيا في 31 يناير (كانون الثاني) 2019 (بعثة الأمم المتحدة في ليبيا)

يعاني المجتمع الليبي منذ سقوط نظام معمر القذافي في العام ٢٠١١ من متلازمة التفكك والانقسام التي أصابت معظم الشعوب العربية التي أطاحت بقوتها الذاتية أم بدعم خارجي، بالأنظمة التي حكمتها لعقود من الزمن في ظل قوانين الطوارئ والقبضة الأمنية المشددة.

حكومتان

وكما بات معلوماً من قبل البعض فإن ليبيا تحاول اليوم، بمساعدة المجتمع الدولي بقيادة الأمم المتحدة، لملمة تشتت الحكم فيها إلى حكومتين، واحدة في الشرق تُسمّى "الحكومة الموقتة" يرأسها عبد الله الثني وإلى جانبها مجلس النواب المنتخب المعترف به دولياً برئاسة عقيلة صالح وقوى "الجيش الوطني" المسلحة بقيادة المشير خليفة حفتر. أما الحكومة الثانية في الغرب، فتُسمّى "حكومة الوفاق الوطني" ويرأسها فائز السراج الذي يشكّل مع مسؤولين آخرين مجلساً رئاسياً انقسم على نفسه أخيراً بعدما شهد خلافات أخيراً بين أعضاءه. وتسند تلك الحكومة قوات مسلحة هي عبارة عن ائتلاف ميليشيات ساهمت خلال انتفاضة فبراير (شباط) 2011 بالإطاحة بنظام القذافي.

جنوب منفلت

كما تخرج منطقة الجنوب الليبي حتى الآن عن أي سلطة فعلية لأي من الحكومتين الليبيين في الغرب والشرق، وتخضع لحكم ميليشيات وقوى متشددة. إلا أن "الجيش الوطني" الموالي لحفتر بدأ توغلاً نحو الجنوب قبل أسبوعين تقريباً، انطلاقاً من معقله الرئيسي في بنغازي (شرق)، وواجه يوم الجمعة أول مواجهة فعلية، عندما غادر الجنود مدينة سبها الرئيسية في الجنوب ووصلوا إلى مدينة غدوة القريبة، فوقعت اشتباكات سقط على أثرها 4 من الجيش. وذكرت مصادر عسكرية تابعة لحفتر أن "الجيش الوطني" دعم قواته على الأرض بضربات جوية شنّها ضد "الإرهابيين" و"المرتزقة التشاديين"، وهو وصف يطلقه عادةً على جماعات تشادية معارضة تنشط في جنوب ليبيا.
وقال مسؤول من منظمة الصحة العالمية إن الاشتباكات أسفرت عن مقتل 14 وإصابة 64 معظمهم من خصوم الجيش الوطني الليبي.

"الملتقى الوطني" في تونس

في موازاة ذلك، يقود الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا غسان سلامة جهوداً لجمع الأفرقاء الليبيين "دون استثناء" على حد تعبيره، في "ملتقى وطني" ينعقد في تونس في الفترة المقبلة. ويعقد سلامة والطاقم الدولي المساعد له من أجل تلك الغاية، اجتماعات مكثفة مع أطراف الأزمة لتجمع طاولة "الملتقى" في تونس، ما فرقته المصالح والارتباطات الخارجية في ليبيا.

وكان سلامة قال خلال إحاطة قدمها منذ أسبوعين تقريباً أمام مجلس الأمن، إنه "آن الأوان ليجتمع الليبيون معاً في جو من التراضي من أجل تجاوز الصعوبات الماضية. وأرجو من ممثلي الأطراف الليبية المختلفة أن ينظروا إلى الملتقى الوطني باعتباره شأناً وطنياً يعلو على المصالح الشخصية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبيّن الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة موقف البعثة الدولية من الانتخابات موضحاً أمام الإعلام "أنا مستعجل على الانتخابات الليبية النيابية والرئاسية أكثر من الليبيين أنفسهم. ليس هناك من تأجيل، نحن لم نحدد تواريخ محددة لكي نقول إنها تأجلت". وقال في رده على سؤال حول قانون الانتخاب "على الطبقة السياسية أن تتفق على القانون الذي يجب أن تجري على أساسه الانتخابات،" وفيما يخص صلاحيات الرئيس الليبي العتيد أوضح سلامة أن "هناك مسودة للدستور اعتمدتها الهيئة التأسيسية المنتخبة ليبيا في 27 يوليو/تموز من العام الماضي وهناك ضرورة الاستفتاء عليها، وإن لم يتم الاستفتاء، علينا أن نجد تفاهماً بين الليبيين على قاعدة دستورية أخرى قد نجدها في الاعلان الدستوري أو في مكان آخر لكي تجري الانتخابات بشفافية مطلقة. لذا قلنا فلنتقي معاً في مؤتمر يضم مختلف الأطياف الليبية ولتتفق هذه الأطياف على موعد للانتخابات ونحن سنحترم رأيها، وهذا هو الهدف من الملتقى الوطني". كما أكد الممثل الخاص أنه "عندما نرى أن هناك رأياً غالباً بين الليبيين حول تحديد موعد لإجراء الانتخابات فسنكون إلى جانبهم ونأخذ بما يتوافقون عليه".

النموذج التوافقي

ويبدو من خلال تصريحات سلامة أن أبرز ما يمكن أن يعوّل عليه المجتمع الدولي الساعي إلى تنظيم الاختلاف في ليبيا، للحدّ من مشاكل عدة، أبرزها الهجرة غير الشرعية وانتشار السلاح غير المنضبط، هو الوصول إلى صيغة تشبه الاتفاق اللبناني الذي أنتج أخيراً حكومة برئاسة سعد الحريري تجمع معظم الأحزاب والفرقاء الفاعلين على الأرض، رغم عدم انسجامهم سياسياً. فهل ينجح غسان سلامة في "لبننة" ليبيا التي يجمعها بلبنان ماضٍ مشوّه ظهرت آخر فصوله في مقاطعة الجانب الليبي القمة الاقتصادية العربية التي انعقدت أخيراً في بيروت، وذلك إثر رفض جهة حزبية لبنانية حضور الوفد الليبي على خلفية قضية اختفاء الإمام موسى الصدر مؤسس حركة أمل (يرأسها اليوم رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري) منذ 31 أغسطس (آب) 1978 إبّان حكم معمر القذافي للبلاد.

يُذكر أن خطة مدعومةً من فرنسا، المختلفة بشدة مع إيطاليا حول الملف الليبي، لإجراء انتخابات في 10 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، فشلت بعد رفض الولايات المتحدة وروسيا وقوى أخرى لجدولها الزمني في مجلس الأمن. وتوجّه سلامة إلى مجلس الأمن عبر دائرة فيديو من العاصمة الليبية طرابلس، بالقول إن "المؤتمر الوطني الذي كان قيد المناقشة منذ العام الماضي (2018) تأجل بسبب القتال المستمر والانقسامات السياسية". وأضاف "الآن، الظروف مواتية أكثر".

المزيد من العالم العربي