انهيار "توماس كوك" يغضب الزبائن وينذر صناعة السياحة بأكملها

التغير في عادات قضاء العطل وتوافر السكن الرخيص أرهق وكالات سياحية مماثلة

شكل انهيار شركة توماس كوك انعطافة تاريخية في تعامل الجمهور مع السياحة ومعطياتها وأسواقها (وكالة الصحافة الفرنسية)

يمكن القول إن قصة "توماس كوك" محزنة وتعيسة، وكذلك تثير غضب مئات الآلاف من الزبائن الذين باتوا محتجزين على بعد مئات الأميال من مناطق سكناهم الآن، بعد انهيار الشركة.

ماذا حدث؟ في أوائل عصر القطار، رأى توماس كوك أن الناس بحاجة إلى المساعدة في تنظيم رحلاتهم. حدث ذلك في 1841 حين تمكّن من جمع 500 شخص في رحلة قطار من ليستر إلى لوغبورو لحضور تجمع نظمته حركة "تمبرنس" ضد استهلاك الكحول. وتلا ذلك تنظيم سفرات اخرى، بما في ذلك إلى اسكوتلندا، لكن فكرة الرحلات المنظمة إلى القارة الأوروبية تطوّرت على يد ابنه جون الذي طوّر فكرة صنع رزمة تشمل التذاكر والفنادق وزيارة معالم المدن.  

وآنذاك، سافر ارستقراطيون شباب في رحلات طويلة إلى أوروبا برفقة حاشياتهم ورسائل تعريف إلى القنصيلات البريطانية المحلية. وظهرت عبقرية "توماس كوك أند صَن" في ابتكار خدمة للأفراد العاديين كي يجربوا ما كان في السابق حكراً على شديدي الثراء.

أدّى ذلك إلى ظهور نموذجً لمشروع تجاري بقي حتى اليوم، على الرغم من أن السوق الأوسع للرحلات الخارجيّة تتمثّل الآن في الطبقة الصينية الوسطى الناشئة والحريصة على رؤية بقية العالم، وليس سكان شمال أوروبا الذين يريدون عطلة أسبوع رخيصة تحت الشمس.

واستطراداً، إن استمرار ذلك النموذج السياحي المستند إلى ضرورات السفر الأولية، مكّن توماس كوك من البقاء كمشروع تجاري ناجح، على الرغم من حربين عالميتين وتحولات متعددة في ملكية وإدارة الشركة. إذ تأممت بين عامي 1948 و1972، ثم امتلكها مصرف "ميدلاند بنك"، وبعد ذلك اندمجت مع وكالات سفر اخرى وانفصلت عنها لاحقاً. لقد بيع أجزاء منها كما أضيفت أجزاء اخرى إليها. وفي2001، جرى بيع ما تبقى منها إلى الشركة السياحية الألمانية "سي أند تورستيك"، التي ما لبثت أن اندمجت مع وكالة "ماي ترافِل غروب" في 2007. تشكّل تلك الشركة المندمجة التي حملت اسم "توماس كوك غروب"، المؤسسة التي تسعى حالياً إلى الاستمرار بشكل أو اخر. 

ليست الكمات السابقة سوى سيرة مختصرة عن التقلبات والمنعطفات التي مرت بها ملكية "توماس كوك". وقد يكون من المنصف (وإن لم يكن لطيفاً) القول إن هذا المسار سيُدرَّس في كليات الأعمال باعتباره مثالاً على الفشل الإداري! إذ سيُقدم كدرس عن كيفية تدمير علامة تجارية فاعلة ومعترف بها عالمياً في سوق ضخم ومتنامٍ. لقد أصبح السفر والسياحة من أكبر الصناعات عالمياً، ويمثلان 10.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على المستوى العالمي.

مع ذلك، يوجد جانب آخر في القصة. وقد يكون السفر والسياحة صناعة ضخمة ومتنامية لكن بنيتها تتغير بسرعة كبيرة جداً. هناك ثلاثة أشياء أضعفت موقع منظمي الرحلات السياحية، تتمثّل في أسعار الطيران الرخيصة، والانترنت، وتغير أنماط العطل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي التفاصيل إنه قبل ظهور شركتا الطيران "راينير" و"إيزي جيت" اللتان غيرتا جذريّاً السفر الجوي الأوروبي، كانت الرحلات الجوية المستأجرة ("تشارتر") أرخص طريقة للطيران. والآن، يستطيع كل واحد منّا شراء مقعد، شرط أن يحجز في الوقت الصحيح ويبحث قليلاً، قبل ذلك، عن سعر قريب من سعر الخطوط الجوية الذي تطلبه الشركة السياحية الأم. وبتلك الطريقة، يختفي تقريباً المكسب المالي الذي تحققه الشركة المنظمة للرحلات، من أجور الطيران. 

في السياق نفسه، يستطيع المرء أن يحجز أيضاً سكناً أرخص بكثير مما يتوفر لمنظم رحلات عادي. نعم، إنهم ما زالوا قادرين على غلق الحجز المباشر في بعض الفنادق لأن أصحابها يفضلون أن يعرفوا أن هناك دخلاً مضموناً سيصلهم. في المقابل، بات لدى أصحاب الفنادق الآن خيارات اخرى. إذ يستطيعون أن يؤجروا الغرف عبر مواقع الحجز الإلكترونية، وسيكون لديهم مواقعهم الإنترنتية وقواعد بيانات عن الزبائن المحتملين. ويمكن القول إن امتياز منظمي الرحلات ما زال متمثلاً في قدرتهم على الشراء بأسعار أرخص من غيرهم، لكن بشكل أضعف بكثير مما كان عليه الحال قبل عقد واحد.

يتجسد التغير الثالث في عادات المستمتعين بالعطلات. إذ مازالت شركات تنظيم الرحلات قادرة على تقديم رزمة تنظّم فيها كل شيء بما في ذلك الرحلة والسكن وتحويلات النقود والجولات السياحية وغيرها. ولكن ذلك يمثّل ما اقترحه توماس كوك قبل قرن ونصف بالإشارة إلى عدم حاجة المرء إلى القلق من الذهاب إلى أرض غريبة وبعيدة، لأن الشركة ستعالج كل التفاصيل. لكن الآن أصبح بإمكان كل شخص قادر على الوصول إلى الانترنت، أن يحصل على المعلومات نفسها التي يملكها منظم الرحلات، ويمكنه أن يعرف التفاصيل بنفسه. وفي المقابل، ثمة غياب للشعور بالرفاهية، لكن ذلك الجانب يمكن تعويضه عبر الزيادة في المرونة. لا يقدر كثيرون منا الآن على تثبيت تواريخ عطلهم قبل أشهر من بدايتها. ويرجع ذلك إلى وجود أنماط مختلفة من العمل، وانتقال عدد أكبر من الناس إلى العمل لحسابهم الخاص، والتعقيد المتزايد في الظروف العائليّة. لقد بات بإمكاننا أن نجد أفضل عروض الفنادق خلال دقائق، لذلك فنحن لسنا بحاجة إلى توماس كوك كي يخبرنا عنها.

ونحن بالتأكيد لا نحتاج إلى توماس كوك إذا كان سيتركنا عالقين في مدينة أجنبية. ويشكّل ذلك التغيير المحزن الأخير لهذه القصة المحزنة. إذ تعتمد المؤسسات التجارية في نشاطاتها على السمعة التي تضحي مهمة على نحو بارز في المجالات التي يُدفع فيها المال مقدّماً مع الحصول على الخدمة المقابلة بعد أشهر. وفي حالة توماس كوك، احتاجت تلك العلامة التجارية إلى 150 سنة كي تتنامى وتقاوم كل أنواع الصدمات. وفي أيام قليلة، تعرضت تلك السمعة تعرضت إلى الدمار.

© The Independent