ليلى العلمي تقابل "الحلم الأميركي" بمعاناة العرب الساعين خلفه

روايتها مرشّحة لنيل جائزة "ناشيونال بوك" الأميركية

الكاتبة المغربية بالانجليزية ليلى العلمي (اندبندنت عربية)

عام 2014، كادت الكاتبة المغربية ليلى العلمي (مقيمة في كاليفورنيا) أن تحصد جائزة "بوليتزر" على روايتها الثالثة "سردية المغاربي". وها أن روايتها الرابعة، "الأميركيون الآخرون"، تصل إلى اللائحة الطويلة لجائزة "ناشيونال بوك" العريقة. إنجاز في مستوى هذا العمل الذي صدر حديثاً عن دار "بانتيون بوكس" وتروي العلمي فيه قصة عائلة مغربية استقرّت حديثاً في مدينة موجاف (كاليفورنيا)، ومن خلالها، قصص عائلات كثيرة غيرها، متوقّفةً عند طبيعة العلاقات بين أفرادها، وبينهم وبين أصدقائهم وجيرانهم.

أحداث الرواية تنطلق مباشرة بعد وفاة بطريرك العائلة المغربية، إدريس، إثر حادث سير تعرّض له في ساعة متأخّرة من الليل، بينما كان يعود من عمله في مطعمه. في البداية، يظنّ الجميع، والقارئ معهم، بأن لا شهود عيان على هذا الحادث، قبل أن يتبيّن لاحقاً أن ثمة شاهداً واحداً، إيفرين، لكنه يمتنع عن الإدلاء بشهادته ويقاوم الضغوطات التي تمارسها زوجته عليه للقيام بواجبه، لسبب بسيط: الخوف من طرده من أميركا حيث يقيم بطريقة غير شرعية.

بطلة الرواية، نورا، هي ابنة إدريس ومن دون شك أكثر شخصيات هذا العمل جاذبيةً. ومع أنها كانت على خلاف مع والديها بسبب عدم رضوخها لما كانا ينتظرانه منها وتكريس وقتها لشغفها بموسيقى الجاز، لكنها تقرر حلّ اللغز الذي يحيط بمقتل والدها ويجعلنا نتساءل معها على طول الرواية إن كان الحادث الذي تعرّض له هو مجرّد حادث أم أنه جريمة كراهية متعمَّدة. وأثناء اضطلاعها بهذه المهمة، تقع في غرام واحد من أصدقاء طفولتها، ما يضفي على نصّ العلوي المثير طابعاً رومنطيقياً.

وجهات عدة

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الرواية تقدّم لقارئها عدّة وجهات نظر حول الحادث المذكور. فإلى جانب نورا وإيفرين، لدينا جيريمي غوريكي، وهو جندي سابق حارب في العراق وكان قبل ذلك زميلاً لنورا أثناء الدراسة؛ لدينا أيضاً إيريكا كولمان، ضابطة الشرطة التي تحقق في مقتل إدريس، وأندرسن بيكر الذي يدير صالة "بولينغ" قرب مطعم هذا الأخير. لدينا أخيراً مريم، أرملة إدريس، وإدريس بالذات الذي نعود مراراً معه إلى حياته قبل الحادث المشؤوم. جوقة من الأصوات إذاً تديرها الكاتبة بمهارة تجعلها تتجنّب السقوط في السرد الدرامي للتركيز على التفاصيل التي تمنح رؤية متحوِّلة لأحداث روايتها الكثيرة.

ولتحقيق هذا الإنجاز السردي، اختارت العلمي كعناوين لفصول نصّها أسماء الشخصيات التي تتحدث فيها. خيار منطقي بما أن كل واحدة من هذه الشخصيات تمنحنا وجهة نظرها عن طريق بوحٍ يعتمد صيغة المتكلّم. ويسمح هذا الأسلوب السردي للكاتبة بتمرير أمثولة قيّمة للقارئ مفادها أن الأحداث، مهما كانت طبيعتها، غالباً ما تسيّرها وجهات نظر بشرية، وبالتالي ذاتية. أما التحقيق في حادث السير، فإلى جانب منحه إطاراً جامعاً وناجعاً لمختلف سرديات الرواية، يتيح للعلمي بمقاربة موضوعات مهمة مختلفة فيها تتعلّق بظروف حياة نوع محدد من الأميركيين. فكما يشير إليه عنوانها، "الأميركيون الآخرون"، تحتل كل واحدة من شخصياتها موقعاً مختلفاً لكن دائماً على هامش المجتمع: جنود سابقون، أميركيون من أصل عربي، مهاجرون بطريقة غير شرعية ونساء يمارسن مهناً يزاولها عادة رجال. شخصيات تسعى جاهدةً إلى بلوغ ذلك "الحلم الأميركي" المفترَض، لكنها تفشل في ذلك بسبب موقعها وأيضاً تداعيات أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001.

وهذا ما يقودنا إلى قيمة هذه الرواية التي تتوجّه أولاً إلى عدد كبير من الأميركيين الذي ما زالوا يرفضون التسليم بحقيقة تأثير سياسات حكوماتهم على حياتهم الشخصية، من أجل إقناعهم بالعكس، وتحديداً بأن أعمال العنف المسؤولة عنها هذه الحكومات، حتى وإن كانت بعيدة في الزمن والجغرافيا، قادرة على التأثير سلباً في العلاقات بين سكّان مدينة أميركية صغيرة ونائية مثل موجاف. فعلى سبيل المثال، لا تلبث العلاقة العاطفية التي تنشأ بين نورا والجندي السابق جيريمي أن تظللها ذكريات أفعالٍ عنيفة ارتكبها هذا الأخير في العراق، وأيضاً الحضور المقلِق لزميله في الجندية، فييرو.

العنف السياسي

 تتوجه الرواية أيضا الى قارئها العربي عن طريق قصّة إدريس وزوجته مريم اللذين اضطّرا إلى مغادرة المغرب بسبب العنف السياسي الذي اختبراه فيه؛ عنف تظهر عوارضه على مريم بأشكال مختلفة، أبرزها: كآبتها الثابتة، ألمها من العيش بعيداً من وطنها، وخيبتها من ابنتها البكر وخيارات حياتها. لكن الحقيقة الأبرز التي تكشف العلمي نتائجها على طول روايتها وتمنح هذه الأخيرة كل أهميتها هي التالية: بتحويلنا "الآخر" إلى كبش محرقة بسبب فشلٍ على المستوى الشخصي، نساهم في تغذية العنف والكراهية داخل مجتمعاتنا. حقيقة تدفع الشرطية كولمان إلى الاستنتاج الحكيم التالي، إثر محاولتها تفسير تفاعُل سكّان مدينة موجاف في ما بينهم: "لا يمكن أبداً فصل الحاضر عن الماضي، لأنه لا يمكن فهم الأول من دون الآخر".

ومن نواحٍ كثيرة، نلاحظ في "الأميركيين الآخرين" استمرارية لعدد من المواضيع التي قاربتها الكاتبة في أعمالها السابقة. فبينما تقدّم لنا في "أمل وتعقّبات أخرى خطيرة" (2005) و"الابن السرّي" (2009) شخصيات مغربية تحلم في الهجرة إلى الولايات المتحدة بطُرُق مختلفة، تكشف في روايتها الأخيرة مآل هذه الأحلام، مانحةً إيانا صورة تناقض تمثّلات الهجرة إلى هذا البلد الحاضرة في عمليها السابقين. ومع أن القصة التي ترويها في هذه الرواية خرافية، لكنها تستثمر داخلها عناصر من بحثها الوثائقي الذي صدر في صحيفة "نيويورك تايمز" بعنوان "ما المطلوب للاندماج في المجتمع الأميركي؟".

وبالنتيجة، تفتننا هذه الرواية بقصتها المحبوكة بإحكام، بلغتها الأنيقة، خصوصاً بالتأمل الذي تقوده العلمي داخلها في "الحلم الأميركي" وتنجح فيه بإظهار مدى عدم واقعيته عبر مقابلته بمعاناة أميركيين هامشيين يسعون عبثاً خلفه. تأمّل ثاقب وبصير يتجلى بلد "العم السام" فيه بكل تناقضاته وعيوبه.

المزيد من ثقافة